الدرس في كتاب الصلاة 93، ألقاها
تناول الدرس مسائل الإنصات أثناء خطبة الجمعة، واختلاف أهل العلم في حكم الكلام أثناء الخطبة ومتى ينتهي النهي عن الكلام. ذهب الجمهور إلى انتهاء النهي بفراغ الإمام من الخطبتين.
اختلف العلماء في حكم الكلام أثناء خطبة الجمعة ووجوب الإنصات، فذهب بعضهم إلى عدم وجوب الإنصات لمن لا يسمع، بينما ذهب آخرون إلى وجوبه مطلقًا. الأظهر هو وجوب الإنصات لعموم الحديث النبوي.
يشرح الحديث الذي يرويه سهل بن سعد الساعدي حول منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويبين أهمية التعليم بالعمل ومتابعة المأموم للإمام في الصلاة. المنبر كان من شجر الأثل.
المقطع يتضمن دعاء يتوسل إلى الله بالحمد والاستغفار والتوبة، مع التأكيد على وحدانية الله. الدعاء يعبر عن الندم والرغبة في التوبة والعودة إلى الله.
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، مضى معنا في الدرس السابق ذكر مسألة، وهي أنه يجب الإنصات من حين يأخذ الإمام في الخطبة، فلا يجوز الكلام لأحد من الحاضرين. وذكرنا في المسألة ثلاثة أقوال تتبع لبعض أهل العلم رحمهم الله تعالى. والتحقيق في هذه المسألة أو في هذا المقام أن المسألة المذكورة إنما فيها قولان: القول الأول، والقول الثاني. القول الأول الذي مضى معنا في الدرس الماضي أنه قول أكثر العلماء، وأنه يجب الإنصات مطلقًا. والقول الثاني الذي هو رواية عن أحمد، ورواية أخرى عن الشافعي، أن الكلام لا يحرم، بل يكره. والراجح كما تقدم معنا في الدرس الماضي القول الأول، لحديث الباب، وكذلك لما تقدم معنا في الآية. وأما القول الثالث إذا كاننا في الدرس الماضي إنما هو يدخل تحت مسألة أخرى، وهي ما إذا تكلم الإمام في الخطبة بمحرم أو بإثم، كسب السلف أو الدعوة إلى البدع أو الشركيات أو نحو ذلك، فهل للحاضرين أن ينصتوا له أم لا؟ ذكر بعضهم في المسألة قولين: القول الأول بأنه يستمع له وينصت له، وذكر هذا القول عن عمر بن مرة، وعن قتادة رحمهم الله تعالى ورضي الله عنهما، وهما من أئمة التابعين رحمهم الله. والقول الثاني هو قول أكثر السلف، وهو أنه إذا كان يتكلم فيه محرم، فإنه لا ينصت إليه، لا يجب الإنصات حينها. واستدل هؤلاء بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾. قالوا: وما كان محرمًا حرم استماعه والإنصات إليه، ووجب التشاغل عنه. قالوا: وما روي عن عمر بن مرة وعن قتادة، فإن هذا قد يحمل على ما إذا تكلم في مباح، أمن أمور الدنيا المباحة، ولم تكن خطبة فيها ذكر الله، ولكن كان تكلم مثلًا على أمور الدنيا غير المحرمة، فإنهم قالوا ينصت. أما إذا تكلم بحرام، فإنه لا ينصت له، وهذا هو الصواب في هذه المسألة. فقد ذكرنا في الدرس الماضي أن هذا ذهب إليه الحسن، وسعيد بن جبير، والشعبي، وكذلك ذهب إلى هذا قول أبو بردة، وعطاء، والنخعي، والزهري، وعروة، وغير واحد. وقد ذكرنا أن هذا القول كان يقول به شيخنا رحمه الله تعالى العلامة مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله. وهذا يفصل والتفريق بين المسألتين، بينما إذا كان يتكلم الخطيب بأمر مشروع من تذكير ووعظ وما خرج عن مقصود الخطبة، فإن الاستماع له واجب، والكلام فينا يكون محرمًا. وأما إذا تكلم بمحرم، فإن الإنصات له ليس بواجب، لما تقدم من أدلة. والله أعلى وأعلم. طيب، مسألة أخرى متعلقة كذلك بهذا الباب، مضى معنا في الدرس الأول أو الماضي مسألة، وهي متى يجب الإنصات يوم الجمعة؟ وذكرنا أن الصحيحة من أقوال أهل العلم أنه يبدأ الإنصات إذا صعد الخطيب على المنبر وبدأ في الخطبة. طيب، المسألة التي تليها: إلى أي وقت ينتهي النهي على الكلام؟ علمنا متى يبتدئ النهي، فمتى ينتهي؟ فيه خلاف. فذهب الجمهور إلى أنه ينتهي بفراغ الإمام من الخطبتين، ويجوز الكلام مع نزوله، وبين الصلاة والخطبة. واضح هذا. جماعة، إذا انتهى من الخطبة الإمام، وانتهى، لكنه لم ينزل من المنبر، لكنه فرغ من الخطبة، بما يعلم أنه قد انتهى من الخطبة ونزل أو بدأ بالنزول، فإنه يجوز الكلام حينها. وكذلك إذا قعد بين الخطبتين، فإنه يجوز الكلام حينها. وكذلك إذا سلم ثم قعد قبل الخطبة الأولى، كذلك يجوز الكلام حينها، كما ذهب إلى هذا الجمهور. وقال الطائفة الأخرى: ينتهي النهي إلى الدخول في الصلاة، إلى الدخول في الصلاة، بمعنى أنه يستمر النهي حتى يشرع الإمام بالدخول في الصلاة، فإذا كبر الصلاة، فإنه يجوز للمأموم حينها أن يتكلم. هذا والقول الثاني، والأول هو الأرجح، لأن الحديث ورد مقيدًا بحي الخطبة. من قال أخيه يوم الجمعة والخطيب يخطب أنصت، فقد لغى، فلا يتعداه. إذن، الله أعلى وأعلم. طيب، مسألة التي تليها: من لم يسمع الخطبة لبعده أو غير ذلك، فهل عليه الإنصات؟ مثلًا في أيامنا هذه، بعض المساجد ربما تكون فيها طوابق، فإذا انقطعت الكهرباء مثلًا، ولم يستمع الصوت صوت الخطيب إلى الحاضرين، فهل يجب عليهم الإنصات أم لا يجب عليهم الإنصات؟ فيه خلاف بين أهل العلم. فذهب الزهري، والأوزاعي، ومالك، وأبو حنيفة إلى أنه ينصت ولا يتكلم بشيء. واستدلوا بقول عثمان رضي الله عنه: «إن للمنصت الذي لا يسمع مثل ما للسامعين المنصت». القول الثاني في المسألة: أنه يذكر الله في نفسه ويقرأ، أي له أن يذكر الله في نفسه، وأن يقرأ القرآن، فيكون منشغلًا بذكر الله جل وعلا، وذلك لأن المقصود من الخطبة هو التذكير وذكر الله. كما قال الله جل وعلا: ﴿فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ، وَذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ﴾. فيقول: ينشغل المأموم الذي لا يسمع بذكر الله عز وجل، وبتلاوة القرآن، وما شابه ذلك، ولكن لا يتلفظ به، وإنما يكون في ماذا؟ في نفسه، حتى يكون ذاكرًا لله جل وعلا في نفسه. ذهب إلى هذا القول: علقمة، وعطاء، وسعيد بن جبير، والنخعي، والشافعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق. القول الثالث في المسألة: قول عروة بن الزبير، وطائفة من أصحاب الشافعي، ذهب هؤلاء على أن من لا يسمع لا إنصات عليه. وأومأ إليه أحمد، أي أشار إليه أحمد إلى هذا القول، فإنه قال: «يشرب الماء إذا لم يسمع الخطبة». واختاره القاضي أبو يعلى من الحنابلة. وتوسع ابن عقيل من الحنابلة، فقال: «لو أن يقرأ القرآن، ويذاكر بالعلم، ويذاكر بالعلم». ووضح هذا: جمع القول الثالث. القول الثالث يقول: لا إنصات عليه، فلو أن يقرأ القرآن بصوت مرتفع، له أن يتكلم، له أن يذاكر العلم. لماذا قالوا؟ لأن المقصود من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من قال أخيه أنصت والإمام يخطب فقد لغى»، المقصود أنه يستمع إلى الخطبة، أنه يستمع وينصت إلى الخطبة. فإذا كان لا يستمع إلى الخطبة، فالمعنى الذي لأجله أمر بالإنصات منفي. فالأظهر والله أعلى وأعلم: أنه متى أنصت ولم يتكلم بشيء، فهذا أسلم وأبعد عن الخلاف، وهو أفضل عند الجميع. لماذا؟ لأنه خارج عن الخلاف. ومن ذكر الله في نفسه ولم يتلفظ به، فالإنصات، الظاهر أنه لا بأس به، لأن المقصود من الإنصات الإنصات لسماع الخطبة، وهو في هذه الحالة لا يسمع الخطبة، فله أن يذكر الله في نفسه. لأن معنى الإنصات أو المعنى الذي لأجله أمر بالإنصات غير موجود. وأما القول الثالث، فالظاهر والله أعلم: أنه بعيد، وذلك لأنه مخالف لظاهر الأمر بقوله: «فلينصت». هذا أمر، وأمر آخر: إنه برفع صوته أو بكلامه أثناء الخطبة، ربما شوش على من كان قبله ممن يسمع الخطبة. بل لو تصور هذا الأمر لصارت المساجد عرضة للكلام أثناء الخطبة، لا سيما لمن كان في الخلف، لا سيما لمن كان بعيدًا من سماع صوت خطيب. فالأظهر والله أعلم ما تقدم. طيب، مسألة أخرى، وهي المسألة السادسة على ترتيب أمس، والسابع على ترتيب اليوم. طيب، إذا صلى الإمام على النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الجمعة، فهل يوافقه المأموم؟ واضح هذا. جماعة، إذا قال الإمام: «صلوا على النبي» أو ما شابه ذلك، فهل للناس أن يصلوا على النبي؟ في المسألة اختلاف. فذهب مالك، وأبو يوسف من الحنفية، وأحمد، وإسحاق إلى أن يصلي المأموم على النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه. واستدلوا بأن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم خصوصًا يوم الجمعة متأكدة الاستحباب، ومختلف في وجوبها. كل ما ذكر، قالوا: فيشرع الإتيان بها في حال الخطبة عند ذكره، لأنها سبب لإنعامه، فهو كالتأمين على دعاء الإمام، فهو كالتأمين على دعاء الإمام، وأولى. وقال بعض الشافعية: إذا قرأ الإمام «إن الله وملائكته يصلون على النبي»، جاز للمأموم أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويرفع ويرفع صوته. واضح هذا. جماعة، يقولون: في هذه الحالة، إذا قال: «إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا»، في هذه الحالة جاز للمأموم أن يصلي، بل وأن يرفع صوته. وذهب سفيان، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن أيضًا من الحنفية، والليث بن سعد، ومالك في رواية، والشافعي إلى أنه ينصت مطلقًا. وقال الأوزاعي: «ينبغي للإمام إذا صلى على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة أن يسكت حتى يصلي الناس، فإذا لم يسكت، فانصت وامن على دعائه». فواضح، جماعة، الأوزاعي رحمه الله تعالى يفسر في المسألة، فيقول: ينبغي للإمام، أي الخطيب، إذا خطب الناس، إذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أو صلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسكت قليلًا حتى يصلي الناس، فلا يكون الناس عند الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم متكلمين حال الخطبة، بل يكونون متكلمين حال سكوت الخطيب. قال: «أما إذا لم يسكت، فانصت، أي فلا تتكلم، ولا تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم». قال: «وامن على دعائه». والأظهر والله أعلى وأعلم: القول بوجوب الإنصات، لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي بين أيدينا: «إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت». فإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سببًا إذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سببًا للغو، فغيره من باب أولى. واضح هذا. جماعة، إنسان إذا تكلم في الخطبة، فعلى ماذا؟ على مخالفة. فإذا قاله إنسان أمرًا له بالمعروف وناهيًا له عن المنكر أنصت، فقد لغى، فكيف بمن تكلم بغير ذلك؟ واضح هذا يا إخوة أم لا؟ فالحاصل في هذه المسألة: أنه لا يتكلم، وأنه لا يصلي عن نبيه صلى الله عليه وسلم، وإن صلى عليه في نفسه دون أن يتلفظ، فلا شيء عليه، لا سيما إن كان يقولها سريعًا مع الإنصات ومتابعة الإمام أثناء الخطبة، أي استماع الإمام أثناء الخطبة. والله أعلى وأعلم. طيب، نأخذ ما تيسر من الفوائد في حديث سالم سعد رضي الله عنه وأرضاه. قال الإمام أبو محمد عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه: «أن رجالًا تماروا في منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أي عود هو؟» فقال سهل: «من طرفاء الغابة، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عليه، فكبر، وكبر الناس وراءه وهو على المنبر، ثم ركع، فنزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر، ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته، ثم أقبل على الناس، فقال: يا أيها الناس، إنما صنعت هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتكم». وفي لفظ: «فصلى وهو عليها، ثم كبر عليها، ثم ركع وهو عليها، ثم نزل القهقرى». قوله: «عن سهل بن سعد الساعدي» -بالتصغير- الساعدي، أي الأنصاري من بني ساعدة رضي الله عنهم وأرضاهم. قال: «إن رجالًا تماروا»، ومعنى تماروا: أي تجادلوا واختلفوا وتنازعوا. قوله: «في منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أي عود هو؟» قوله: «تماروا» هذا يحمل على الجدال المحمود، أنهم تجادلوا جدالًا محمودًا لأجل أن يتوصلوا إلى الحق، إذ أن الجدال منه المحمود، ومنه المذموم. فإذا كان بحق ولأجل التوصل إلى الحق، فإنه محمود. وأما إذا كان بباطل أو للتوصل إلى باطل، فإنه مذموم. وقد قال الله جل وعلا: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. فالجدال بالتي هي أحسن، وهذا بالحق ولأجل التوصل إلى الحق. أما إذا كان بالباطل، فإنه مذموم، كما قال الله عز وجل: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾. قوله: «في منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أي عود هو؟» وفي هذا إشارة إلى ثبوت المنبر، ثبوت المنبر الذي كان يصعد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيعلم الناس ويعظهم ويذكرهم. وهو الشاهد من إيراد هذا الحديث ها هنا، وهو الشاهد من إيراد الإمام عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى هذا الحديث ها هنا، أي لأن فيه ذكر المنبر، وفيه الإشارة إلى أن الخطيب يخطب يوم الجمعة على المنبر. قوله: «تماروا في منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أي عود؟» فيه دلالة واضحة على أنه كان من الشجر، على أنه كان من الشجر، وكان معلومًا ذلك، ولكن اختلفوا في أي نوع من أنواع الشجر كان؟ وقد جاء في بعض الأحاديث أنه كان من طين، ولكن لا يصح، والصواب ما ذكر هنا، من أنه كان من عود أو من شجر. فقال سهل: «من طرف الغابة»، كما تقدم معنى طرفة، أي الأثل، والغابة تقدم معنى أنه مكان في المدينة. فسهل رضي الله عنه وأرضاه أجابهم، وكشف الإشكال لهم بأنه يعلم منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أي الأشجار؟ فقال: «من طرفاء الغابة»، أي من أثل الغابة المعلومة المعروفة عندكم، كأنه يقول ذلك. قال: «وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عليه»، وهذا من سهل بن سعد رضي الله عنه وأرضاه تأكيد لهذا المعنى، من أنه يعلم منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم معرفة تامة، وأنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم عليه، وهو قائم على ذلك المنبر. وقوله: «قام عليه فكبر، وكبر الناس وراءه وهو على المنبر»، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالناس وهو على المنبر. وجاء أو ذكر بعض أهل العلم كالحافظ بن حجر رحمه الله تعالى: أنه جاء أنه صعد في الدرجة الثالثة، فكبر، وكبر الناس معه. قالوا: والحكمة من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يعلم الناس الصلاة، لأنه أمرهم بأن يأخذوا عنه الصلاة، بقول صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي». فأراد أن يصلي في مكان مرتفع حتى يرى الناس صلاته صلى الله عليه وسلم، فيصلوا بها بصلاته صلى الله عليه وسلم. وفي الحديث: التعليم بالعمل، والتعلم بالعمل، أثبت من التعليم باللفظ غالبًا، بمعنى أن الإنسان إذا رأى الشيء عمليًا ارتسخ في ذهنه، بخلاف ما إذا سمعه، ربما مع الزمن ينساه. قوله: «فكبر، وكبر الناس معه»، في إشارة إلى أن تكبيرة الإحرام واجبة، وقد تقدم معنا في صفة الصلاة أنها ركن من أركان الصلاة. وقوله: «وكبر الناس معه، وكبر الناس وراءه»، أي أن الصحابة كبروا بتكبيره، فلما رأوه كبر، كبروا. وهذا كذلك في إشارة إلى متابعة المأموم للإمام، وأنهم لا يتأخرون عن ذلك، فإذا كبر فكبروا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا ركع فاركعوا، كما جاءت في الأحاديث في ذلك، وتقدم معنا في ذلك. وقوله: «وهو على المنبر»، هذه الجملة حالية، وهو على المنبر، الحال ها هنا، وهو مبتدأ، وعلى المنبر الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر، والجار والمجرور في هذه الجملة كما سمعتم جملة حالية، أي حال كونه على المنبر. قوله: «ثم ركع»، قوله: «ثم ركع»، أي ركع وهو على تلك الحال، أي على المنبر. قوله: «فنزل القهقرى»، القهقرى: هو المشي إلى خلف. طيب، نرجع إلى بعض المسائل والفوائد المتعلقة في الحديث، نذكرها إجمالًا بإذن الله عز وجل، ونتكلم على مسائل في الدرس القادم إن شاء الله. قوله: «إن رجالًا تماروا في منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم»، قوله: «تماروا» هذا يحمل على الجدال المحمود، أنهم تجادلوا جدالًا محمودًا لأجل أن يتوصلوا إلى الحق. قوله: «في منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أي عود؟» فيه دلالة واضحة على أنه كان من الشجر. وفيه أن الأحكام الشرعية معللة، بمعنى أنها تعمل لحكمة، لكن قد تكون معلومة، وقد لا تكون معلومة. والله أعلى وأعلم. قال: «وفي لفظ: فصل وهو عليها»، أي على المنبر، «ثم كبر عليها، ثم ركع وهو عليها، ثم نزل القهقرى». وهذا فيه نوع تفصيل لما أجمل في الرواية الأولى. والله أعلى وأعلم. إلهنا سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.