الدرس في كتاب الصلاة 94، ألقاها
استحب العلماء تبيين الخطبة على المنبر لورود الأحاديث الصحيحة في ذلك ولأنه أبلغ في الإعلام. كما يستحب أن يكون المنبر على يمين المحراب.
يتناول المقطع آداب الخطيب على المنبر مثل هيئة جلوسه وتسليمه على الناس ورد المأمومين وجلوسه حتى ينتهي الأذان. كما يشير إلى اعتماده على شيء أثناء الخطبة وإقباله على المأمومين.
يستحب للمصلين استقبال الخطيب بوجوههم أثناء الخطبة، كما يستحب للخطيب رفع صوته وتأكيد كلامه لزيادة الانتباه والاعتبار لدى المأمومين.
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد: تحدثنا في الدرس الماضي عند الكلام على حديث سهل بن سعد رضي الله عنه وأرضاه عن بعض المسائل المتعلقة بهذا الحديث، فنذكر بعض المسائل المتعلقة بهذا الحديث، وكذلك نظائرها من المسائل المتعلقة بالمسائل المذكورة. فمن هذه المسائل، أو أولى هذه المسائل، أجمع العلماء على أنه يستحب تبيين الخطبة على المنبر، لورود الأحاديث الصحيحة في الصحيحين وغيرهما، ومنها هذا الحديث الذي بين أيدينا. ولأنه ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من فعله، قالوا: ولأنه أبلغ في الإعلام، بمعنى أن من صعد على المنبر كان صوته أندى من غيره؛ لأن الارتفاع يساعد على الإعلام وإيصال الصوت إلى من بعد. وهذا طبعًا كان في الزمن الأول، حيث كانت الحاجة إليه واضحة. أما في زمننا هذا، فالمكبرات قد قامت بهذا المقام، لكن يحتاج إليه إذا حصل مثلًا عطل أو عطب في الأجهزة أو الكهرباء وما شابه ذلك، فتكون العلة موجودة. وأيضًا قالوا: ولأن الناس إذا شاهدوا الخطيب كان أبلغ في وعظهم، وهذا كذلك مشاهد ملموس؛ أن الإنسان إذا أقبل على الخطيب وشاهد الخطيب ونظر إلى الخطيب، اجتمع له سمع الخطبة وكذلك النظر إلى الخطيب، والنظر إلى الخطيب يعين -كما ذكر رحمه الله تعالى- على إيصال الوعظ والتذكير إلى القلوب؛ لأنه يكون له منفذان إلى القلب: من جهة البصر، ومن جهة السمع. قال النووي رحمه الله تعالى: قال أصحابنا وغيرهم: ويستحب أن يكون المنبر على يمين المحراب، أي على يمين الإمام إذا قام في المحراب مستقبلًا القبلة. قال: وهكذا العادة، أي جرت عادة الناس سلفًا وخلفًا على أن المنبر يكون على يمين الإمام إذا استقبل الإمام القبلة في المحراب. فهذا يدل على أنها عادة مستمرة. وبعضهم ذكر هذا من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يثبت. فإن لم يكن منبر، استحب أن يقف على موضع عال؛ لأنه يقوم مقام المنبر في حصول المقصود، وإلا فعلى خشبة ونحوها؛ بمعنى أنه يضع خشبة ويقف عليها؛ لأجل أن يقوم مقام المنبر من الارتفاع وحصول الإعلام ومشاهدة الناس للخطيب. لحديث الجذع المشهور في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب على جذع، قبل اتخاذ المنبر. وهذه -كما يقول بعض أهل العلم- من الأحاديث المتواترة؛ أي جاء عن جمع من الصحابة، أخبروا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب على جذع شجرة، وذكروا قصة حنين الجذع حينما وقف النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر بعد أن صنع له. قالوا: ويكره المنبر الكبير جدًا الذي يضيق على المصلين إذا لم يكن في المسجد متسع. المسألة الثانية: أن المنبر ثلاث درجات، هذا الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يزل على ذلك في عهد الخلفاء الراشدين، ثم زاد فيه معاوية رضي الله عنه وأرضاه. وقد عد طائفة من أهل العلم تطويل المنبر من البدع المحدثة، نص على هذا الإمام ابن بطة وغيره. فإذا يستحب، ومن السنة، ومن هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن المنبر ينبغي أن يكون من ثلاث درجات، وألا يكون كبيرًا متسعًا بحيث يضيق على المصلين، بل يكون مناسبًا من ثلاث درجات، ويحصل به المقصود. المسألة الثالثة: يسن للإمام إذا صعد على المنبر أن يجلس على الدرجة التي تلي المستراح، أي أن يقف على الدرجة الثانية، ويجلس في الثالثة؛ لأنه كان موقف النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر، أي أنه كان يقف في الدرجة الثانية ويقعد على الثالثة. المسألة التي تليها: يسن للإمام إذا صعد على المنبر أن يسلم على الناس، وبهذا قال أكثر العلماء، واستدل بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صعد على المنبر سلم، رواه ابن ماجة عن جابر بن عبد الله، وحسنه العلامة الألباني في الصحيحة بمجموع طرقه. وقال مالك وأبو حنيفة: يكره ذلك، وعللوا ذلك بأن قالوا: لأنه إذا دخل سلم على الناس، فإذا صعد على المنبر سلم مرة أخرى، كره له ذلك؛ لأنه كرر التسليم في موطن واحد. والأول هو الصحيح لما تقدم. المسألة التي تليها: إذا سلم الإمام على الناس، رد عليه المأمومون السلام، وهم من باب فروض الكفاية؛ الذي إذا قام به البعض سقط عن الآخرين. واضح هذا، إذا قال الإمام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وهو على المنبر، فهل يجب على كل الحاضرين أن يردوا السلام؟ الجواب: لا يجب، بل يجب على البعض؛ لأنه من باب فروض الكفاية، الذي إذا قام بها البعض سقط عن البعض الآخرين. المسألة التي تليها: يسن له إذا صعد على المنبر وأقبل على الناس وسلم أن يجلس، ويؤذن المؤذنون. فإذا فرغ من الأذان قام فشرع في الخطبة، ويكون المؤذن واحدًا. فإن كان أكثر، ففيه كلام وتفصيله قد سبق في أبواب الأذان. المسألة التي تليها: يسن للإمام أن يعتمد على قوس أو سيف أو عصا، أي أثناء الخطبة؛ لما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، أي أن من السنن المستحبة أن الخطيب إذا خطب اعتمد على شيء، سواء كان عصا أو سيفًا أو قوسًا أو حديدًا، المهم يعتمد على شيء. المسألة التي تليها: يسن أن يقبل الخطيب على القوم في جميع خطبته، ولا يلتفت في شيء منها. من السنن المستحبة أن يقصد المأمومين، وأن لا يكثر من الالتفات؛ لأن بعض أهل العلم نص على أن كثرة الالتفات في الخطبة من البدع، كما ذكر ذلك الإمام النووي رحمه الله تعالى. المسألة السابعة: يستحب للقوم الإقبال بوجوههم على الخطيب، وجاءت فيه أحاديث كثيرة، ولأنه الذي يقتضيه الأدب، وهو أبلغ في الوعظ، وهو مجمع عليه. هذا الأمر مجمع عليه، مجمع على استحبابه؛ بمعنى أن الخطيب إذا صعد على المنبر، فإن على المأمومين أن يستقبلوه بوجوههم. وقد جاءت في هذا أحاديث، كحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد على المنبر، قال: وجلسنا حوله. وقد ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما، وكذا عن أنس رضي الله عنه، أنهم كانوا إذا خرج الخطيب استقبلوه بوجهه. وهذا أمر -كما ذكر النووي رحمه الله تعالى- مجمع عليه. إلا أن الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى أشار إلى أن بعض السلف، أو نقل أنه نقل عن بعض السلف، أنهم كانوا يستقبلون بوجوههم القبلة. قال: وهذا يحمل على أئمة الجور الظلمة، الذين يتكلمون في الخطبة في غير مقصود الخطبة. أما إذا كان كلام في مقصود الخطبة من الوعظ والتذكير وما شابه ذلك، فإن الأمر المجمع عليه أن يستقبل الإمام بالوجوه، كما دلت على ذلك السنة والآثار عن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. والله أعلى وأعلم. وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى في هذا الباب كذلك متفرقات من هذه المسألة المذكورة، إلى جانب ما ذكر. أن الخطيب يسن له أن يصل بين الخطبتين بماذا؟ بجلسة. وذكر بعضهم أنه يستحب له أن يقول في الخطبة الأولى قبل أن يجلس: أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. وروي في هذا حديث مرفوع، ولكنه لا يصح. وروي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه كان يصنع ذلك. فالحاصل أن الأمر في ذلك فيه سعة، فإن فعل فلا حرج في ذلك، وإن لم يفعل فلا حرج في ذلك. وذكر بعضهم أنه يستحب للخطيب أن يأتي ببعض الآيات المخصوصة في الخطبة، أو بعض الأدعية المخصوصة في الخطبة. والصحيح -والله أعلى وأعلم- أنه يخطب بما تيسر، ولا يشترط في ذلك شيء معين، بل يخطب بما يكون فيه معنى الخطبة من التذكير والوعظ وما شابه ذلك. والله أعلم. وكذلك من الأمور المذكورة أنه يستحب للخطيب أن يرفع صوته بالخطبة، ويبالغ في ذلك؛ لما ثبت في الصحيح من حديث جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب ارتفع صوته، قال: وحمرت عيناه، أو قال: احمرت عيناه، ورفع صوته، قال: كأنه منذر جيش، يقول: حي على الفلاح، أو كما قال رضي الله عنه وأرضاه. فالشاهد منه أنه يرفع الصوت جدًا، ويبالغ في الصوت جدًا؛ لأجل أن يحصل المقصود من الإبلاغ في الخطبة، ولأجل أن يحصل كذلك الاعتبار والاتعاظ؛ فإنها كلما كانت الخطبة بهذا الأسلوب، كلما كان فيها انتباه من المأمومين، بخلاف ما إذا كانت الخطبة فيها نوع من الهدوء والبرود، ربما لا يحصل ذلك المقصود. والله أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.