الدرس في حلية طالب العلم 62، ألقاها
يتناول المقطع مكانة سنن ابن ماجة ومصنف ابن أبي شيبة في علم الحديث، حيث يعتبر سنن ابن ماجة سادس الكتب الأمهات في الحديث، بينما يعد مصنف ابن أبي شيبة من أفضل الكتب الجامعة للآثار.
يذكر المقطع بعض الكتب المفقودة لبقي بن مخلد مثل المصنف والتفسير والمسند، ويبين أهميتها وفق ما ذكره الإمام ابن حزم. كما يشير إلى أن بعض هذه الأحاديث محفوظة في كتاب المحلى لابن حزم.
المقطع يشرح حديث أم هانئ بنت أبي طالب الذي يصف قيام النبي صلى الله عليه وسلم الليل وجهره بالقراءة، ويستدل به على جواز الجهر بالقراءة في الصلاة الليلية.
شرح الحديث النبوي الذي يصف العبد المفضل عند الله بأنه تقي وغني بالله وخفي في عبادته. يُبيّن الحديث أهمية التقوى والاكتفاء بالله والتواضع في العبادة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال شيخنا العلامة أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين»: قال الإمام أبو عبد الله ابن ماجة: وكتابه -أبو عبد الله ابن ماجة- «السنن» يعد سادس الكتب التي يلقبها العلماء بالأمهات، وبعضهم يقول: بأن الصواب «الأمات» -الأمات الست- أي بدون الهاء. وإدخال ابن ماجة في الأمات الست كان مؤخرًا، وإلا فإن العلماء رحمهم الله تعالى مختلفون بين إدخال سنن ابن ماجة في الأمات وبين سنن الدارمي. فمن أهل العلم من يقدم سنن الدارمي باعتبار أن أحاديثه أجود وأرقى، وهي في الحقيقة كذلك، أي أحاديث سنن الدارمي أنقى من أحاديث سنن ابن ماجة، ولكن العلماء رحمهم الله تعالى لاعتبارات أخرى قدموا سنن ابن ماجة وأدخلوه في الأمات الست. وفيما يحضرني الآن أن أول من أدخله هو الحافظ ابن عساكر رحمه الله تعالى، ثم تتابع الناس على ذلك، أدخله ضمن الأطراف، ثم تتابع العلماء رحمهم الله تعالى على ذلك. وإلا فإن في سنن ابن ماجة فيه الحديث الصحيح وهو كثير، وفيه ما يقاربه من الحديث الحسن، وفيه ما يقاربه من الحديث الضعيف الذي لم يشتد ضعفه، وفيه أحاديث ضعيفة جدًا، بل وفيه بعض الأحاديث، بل وفيه بعض الأحاديث الذي أطلق عليها بعض العلماء بأنها موضوعة. قال شيخنا رحمه الله تعالى: قال الإمام أبو عبد الله ابن ماجة: قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، عبد الله بن محمد الإمام الحافظ الشهير صاحب المصنف. وكتابه «المصنف» يعد من أفضل الكتب الجامعة للآثار؛ لآثار الصحابة وآثار التابعين، بل وآثار تابعي التابعين، فهو يعد من أفضل الكتب المصنفة في هذا الباب، ومن أجمعها، بل من الكتب الموجودة الآن -باعتبار الكتب الموجودة الآن- يعد «مصنف ابن أبي شيبة» أكبر موسوعة إسلامية في الآثار -باعتبار الكتب الموجودة-، ثم يليه بعد ذلك «مصنف عبد الرزاق»، ثم هناك كتب أخرى لها عناية شيئًا ما بالآثار، كـ«سنن البيهقي»، «سنن البيهقي الكبرى» عناية بالآثار، لكن ليست أصالة، وإنما يذكر أحيانًا الآثار في الأبواب بعد الأحاديث. وكذلك في «تهذيب السنن والآثار» لابن الجوزي رحمه الله أيضًا له عناية بهذا المقام وهذا الباب، أي بالآثار، فهو كذلك من الكتب التي تعنى بهذا المعنى، وإلا أو كذلك من الكتب التي تهتم بالآثار، وربما أوردتها مسندة. والمحل لأبي محمد بن حزم الظاهري، وثم كتب مفقودة يذكر العلماء بأنها أوسع من «مصنف ابن أبي شيبة». ومن هذه الكتب التي ذكرت ولكنها مفقودة إلى الآن، يقولون: «المصنف» لبقي بن مخلد، يذكرون: بأنه أكبر مصنف في الدنيا، وكذلك «التفسير» أو «المسند» «التفسير» لبقي بن مخلد، كذلك نص الإمام ابن حزم بأنه أكبر تفسير في الدنيا، وكذا «مسند بقي بن مخلد»، نص كذلك الإمام ابن حزم بأنه أكبر مسند في الدنيا. وعندنا وعندنا في هذه الأزمان أكبر مسند، ومسند الإمام أحمد، وأحاديثهم تفوق السبعة والعشرين ألفًا، ألف حديث. وكذلك أكبر التفاسير عندنا الآن من الكتب الموجودة «تفسير ابن جرير الطبري»، تفسير كبير واسع. ومع هذا يقول الإمام ابن حزم: بأنه وقف على «مسند بقي بن مخلد»، وعلى «تفسير بقي بن مخلد»، وعلى «المصنف في الآثار» لبقي بن مخلد، وذكر رحمه الله تعالى: بأنها أكبر الكتب المصنفة في أبوابها مطلقًا في الدنيا؛ «التفسير» أكبر تفسير، «المسند» أكبر مسند، «المصنف» أكبر مصنف في الدنيا، ولكنها للأسف مفقودة، ما هناك إلا قطعة يسيرة من «المسند» في جزء «مسند بقي بن مخلد»، جزء يسير موجود في بعض المكاتب، وأما «التفسير» وأما «المصنف» فمفقود. نعم، الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى في كتابه «المحلى» حفظ لنا بعض تلك الروايات؛ سواء كانت في التفسير أو كانت في المسند أو كانت في المصنف لبقي بن مخلد، فهو يسند، فهو يروي الأحاديث بإسناده إلى بقي بن مخلد؛ سواء كان في مسنده أو كان في تفسيره أو كان في مصنفه، ويكثر من ذلك. فهذا مما حفظه الله جل وعلا من «مسند بقي» ومن «مصنف بقي» ومن كذلك «تفسير بقي بن مخلد» رحمهم الله تعالى أجمعين. قال رحمه الله تعالى: قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمد، قالا: حدثنا وكيع. وكيع هو ابن الجراح، وكيع بن الجراح له ولد يقال له سفيان، وولده سفيان كان في أول أمره على خير وسلامة، ولكنه صاحب وراق من وراقي سوء، فكان يدخل عليه الأحاديث فيرويها من غير أن يعلم أنها مدخولة، أنها مدخولة عليه، فكان يحدث بما لم يسمعه من الحديث، لذا تكلم فيه العلماء وضعفوه، فسفيان بن وكيع ضعيف بسبب هذه العلة والعلة التي اتصف بها، وهذا كما ترون من مفاسد جلساء السوء. قال حدثنا وكيع، ووكيع والده إمام، قال حدثنا مسعر. ومسعر هو ابن كدام الإمام الثقة الحافظ الذي كان يلقبه بعض الحفاظ بـ«المصحر» بضبط وإتقانه، حتى قال شعبة رحمه الله تعالى: «حفظي وحفظ سفيان -أي الثوري- تكلف، وحفظ مسعر سجية»، أي لقوة حفظه صار حفظه سجية. وكذلك ذكر في ترجمته رحمه الله تعالى وغفر له عن بعض الحفاظ: وفيما يحضرني الآن كذلك أظنه شعبة، أنه قال -أو غيره، ليس شعبة- غيره من الحفاظ، قال: «شك مسعر أحب إلينا من يقين شعبة» -أو كما قال-، شك مسعر -أي لقوة حفظ مسعر- ربما يتردد في الحديث، ولكن من قوة حفظه يقول الحفاظ: هو قمة الإتقان، حتى أن حتى إن شكهم أحب إلى بعض الحفاظ من يقين شعبة، وهذا إن دل على شيء دل على مكانته في الحفظ رحمه الله تعالى وغفر له. ومسعر رمي بالقدر، رمي بالقدر، وهل ثبت عنه ذلك أم لا الله أعلم. قال رحمه الله تعالى: عن أبي العلاء، عن يحيى بن جعدة، عن أم هانئ بنت أبي طالب -بنت أبي طالب، أي عمة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وأخت علي وجعفر ابني طالب- قال: عن أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها وأرضاها، قالت: «كنت أسمع قراءة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالليل وأنا على عريش». قال شيخنا رحمه الله تعالى: هذا حديث صحيح، ورجاله ثقات. وأبو العلاء هو هلال بن خباب -عندنا بالكسر- ابن خباب. الحديث كما ترون فيه أن أم هانئ رضي الله عنها وأرضاها تقول: «كنت أسمع قراءة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالليل وأنا على عريش»، أي في مكانها، في مكانها التي هي فيه. والعريش أشبه ما يكون بمكان يستظل به، ويسكن إليه، فهو كالسكن. وقولها رضي الله تعالى عنها وأرضاها: «كنت أسمع قراءة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالليل» فيه ما كان عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من العبادة الليلية، من قيام الليل، وهذا كان جده صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وقولها: «كنت أسمع قراءة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالليل» فيه دليل على جواز الجهر بالقراءة ليلًا، الجهر بالقراءة ليلًا. والعلماء رحمهم الله تعالى يقولون كقاعدة عامة: أن الصلاة الليلية يشرع فيها الجهر، والصلاة النهارية لا يشرع فيها الجهر؛ يعني مثلًا صلاة الظهر والعصر وقبلها وبعدها من الرواتب وما شابه ذلك، الأصل أنها لا يجهر بها. أما ما كان من الصلوات الليلية فإنه يشرع فيها الجهر، ولا سيما ما كانت بعد راتبك أو بعد الرواتب من العشاء، كصلاة الليل ونحوها، إلا مستثنيات من ذلك من الصلاة التي شرع فيها الجهر ولو كان في النهار، كصلاة الكسوف وما شابه ذلك. وقولها: «كنت أسمع قراءة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالليل» كما سمعت فيه جواز رفع الصوت بالقراءة، وهذا قد يكون مستحبًا إذا كان سببًا لأن يتدبر الإنسان القراءة، وأن يتمعن كذلك في القراءة، بشرط ألا يؤذي غيره، إن كان مثلًا في مسجد أو في مكان عام لا يؤذي غيره. فإذا كان فيه أذية للغير فالأفضل في حقه أن يخفض من صوته. وأيضًا هذا حيث لا يكون فيه ما قد يكون سببًا في إدخال شيء من العجب أو الرياء عليه؛ باعتبار أن الناس إذا سمعوا بقراءته فيقال: «فلان يحيي الليل ويقيم الليل» وما شابه ذلك، فيدخل عليه باب من أبواب الشر هو في غنى عنه. فكلما كانت عبادة الإنسان أستر فهو أفضل، كلما كانت عبادة الإنسان أستر كانت أفضل. قال النبي صلى الله عليه وسلم -كما في صحيح مسلم- من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه: «إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي»، يعني انظر التقي وغني بالله جل وعلا عما سواه، وخفي في عبادته وفي طاعته ربه جل وعلا، هذا يحبه الله جل وعلا. قولها: «وأنا على عرشي» كما سمعتم فيها فيه جواز سكن هذه المنازل، ولا سيما إذا أمنت المرأة على نفسها، وكان معها مما حرمها من يحميها. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.