الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 83، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يتناول هذا الفصل شرحًا لوجوب طاعة ولاة الأمور في المعروف استنادًا إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. يُشدد على أهمية السمع والطاعة لولاة الأمر ما لم يأمروا بمعصية.
يُبين هذا الفصل أهمية طاعة ولاة أمور المسلمين وعدم الخروج عليهم استنادًا إلى أحاديث نبوية، مع التشديد على ضرورة النصيحة لهم سرًا. يُوضح أيضًا مسؤولية الحاكم ورعيته أمام الله.
يتناول هذا الفصل أهمية العدل في ولاية الأمر وفضل الإمام العادل، ويشير إلى حقوق ولاة الأمور على الرعية وحقوق الرعية على الولاة. يُؤكد على ضرورة الاجتماع على كلمة رجل واحد لضمان استتباب الأمن.
يبرز هذا الفصل أهمية طاعة ولاة الأمر في حفظ الأمن وحقوق الناس، ويشير إلى أن الخروج عليهم يؤدي إلى مفاسد عظيمة كما أشار شيخ الإسلام من خلال استقراء تاريخ الخروجات.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاهم. كان آخر الكلام عند قول الناظم الشيخ العلامة حافظ الحكمي رحمه الله في منظومته «الجوهرة الفريدة». قال رحمه الله: «باب وجوب طاعة أولي الأمر»، ثم قال: «ثم الأئمة في المعروف طاعتهم مفروضة، وفي العهد الذي عقدوا لا يجوز خروج بالسلاح عليهم ما أقاموا على السمحاء واقتصدوا. أما إذا أظهروا الكفر البواح فقاتلوا أئمة كفر حيث ما وجدوا». وذكرنا في الدرس الماضي بعض النصوص الواردة في كتاب الله، وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، التي فيها الأمر بطاعة ولاة الأمور. ذكرنا قول الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾، والأحاديث في السنة كثيرة. ذكرنا منها حديث علي بن أبي طالب، وهو كذلك حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في الصحيحين، حين خرج جماعة في سرية قد أمرهم أميرهم لما أغضبوه بأن يجمعوا حطبا ويوقدوا نارا، وأمرهم أن يدخلوها. فقال بعضهم لبعض: «إنما فررنا إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام من النار». فلما رجعوا إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، قال عليه الصلاة والسلام: «لو دخلوها ما خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف». ذكرنا كذلك حديث عبادة بن الصامت في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام -أو قال عبادة-: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على السمع والطاعة فيمن شطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا، وعلى أثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن نرى كفرا بواحا فيه عندنا من الله برهان». وذكرنا كذلك حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، وهو كذلك في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «على المرء المسلم السمع والطاعة، على المرء المسلم السمع والطاعة، إلا إذا أمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة». وذكرنا كذلك حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فمات، فميتته جاهلية». ذكرنا كذلك حديث أنس في البخاري، قال عليه الصلاة والسلام: «أسمعوا وأطيعوا، وإن تأمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة». وذكرنا حديث أبي هريرة، وحديث أبي ذر في وصية النبي صلى الله عليه وسلم لهما، كما في صحيح الإمام مسلم، قال أبو ذر، وقال أبو هريرة -كلاهما قال-: «أوصاني خليلي أن أسمع وأطيع، ولو كان عبدا مجدع الأطراف -أي مقطوع الأطراف- كأن رأسه زبيبة». وذكرنا كذلك حديث أم الحصين، والدة الحصين والد عمران بن الحصين رضي الله تعالى عنهم، كما في مسلم، قالت: «سمعت رسول الله عليه الصلاة والسلام في خطبة حجة الوداع يقول: «وإن استعمل عليكم أمير عبد، فاسمعوا وأطيعوا». وذكرنا حديث العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه عند بعضهم في السنن، قال: «وعظنا رسول الله عليه الصلاة والسلام موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون. فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع، فأوصنا. قال: «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد. فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ. وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة». ومن الأحاديث الواردة في وجوب طاعة ولاة أمور المسلمين في طاعة الله ورسوله، وعدم نزع يد من طاعة ما جاء في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما في الصحيحين، قال: «كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني. فقلت: يا رسول الله، كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: «نعم». قلت: يا رسول الله، وهل بعد هذا الشر من خير؟ قال عليه الصلاة والسلام: «نعم، وفيه دخن». قلت: وما دخنه؟ قال: «قوم يستنون بغير سنتي، ويهتدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر». قلت: يا رسول الله، وهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: «نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها». قلت: يا رسول الله، صفهم لنا. قال عليه الصلاة والسلام: «نعم، هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا». قلت: يا رسول الله، فماذا ترى إن أدركت ذلك؟ قال عليه الصلاة والسلام: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم». قلت: يا رسول الله، فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أنت عض على أصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك». وجاء في رواية مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «قلوبهم قلوب شياطين على جثمان إنس -يعني هؤلاء الولاة الذين سيظهرون من أوصافهم هذه الأوصاف- قلوبهم قلوب شياطين على جثمان إنس، الجثمان جثمان إنس، لكن القلوب قلوب شياطين. كيف يفعل مع ولاة أمور قلوبهم قلوب شياطين على جثمان إنس؟ يخرج عليهم لا، ولو كانت قلوبهم من قلوب شياطين. نعم، ولو كانت قلوبهم من قلوب شياطين. قال حذيفة: «اسمع وأطع، أمر حذيفة، وهو أمر للأمة بالسمع والطاعة، ما دام أنهم لم يكفروا كفرا ظاهرا بواحا البرهان فيه واضح». فأمر عليه الصلاة والسلام بالسمع والطاعة. ومن الأحاديث الواردة في وجوب الطاعة لولاة أمور المسلمين ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في صحيح الإمام مسلم رحمه الله، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال عليه الصلاة والسلام: «من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة، لا حجة له. ومن فارق الجماعة قيد شبر فمات، فميتته جاهلية». وفي لفظ: «ومن فارق السلطان فمات، فميتته جاهلية». ومن الحديث الوارد عن النبي عليه الصلاة والسلام في الأمر بطاعة ولاة أمور المسلمين ما جاء في صحيح مسلم، من حديث أنس بن مالك، عن أسيد بن حضير رضي الله تعالى عنه وأرضاه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال: «إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض». وجاء في صحيح مسلم وغيره، من حديث عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه وأرضاه، حين ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أمراء بأوصافهم التي لا يقومون بما أوجب الله جل وعلا عليهم، قال: «يا رسول الله، أفلا نقاتلهم بالسيف؟ قال عليه الصلاة والسلام: «لا ما صلوا». وفي لفظ: «لا ما أقاموا فيكم الصلاة». فمعنى هذا: لا تخرجوا عليهم، لا تقاتلوهم بالسيف، ولا تخرجوا عليهم. وهكذا جاء في حديث وائل بن حجر رضي الله تعالى عنه وأرضاه عن النبي عليه الصلاة والسلام، حين سأل رجل رسول الله عليه الصلاة والسلام عن أمراء يسألون حقهم، ويمنعون الحق الذي للناس عليهم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أدوا لهم الذي لهم، واسألوا الله الذي لكم. فإن الله عز وجل أوجب عليهم ما حملهم، وعليكم ما حملتم». وهكذا جاء في حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى عن النبي عليه الصلاة والسلام، قال حين ذكر الأمراء: «فمن أنكر فقد سلم، ومن كره فقد برئ، ولكن من رضي وتابع». وهكذا جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وجاء عن أنس في لفظ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أسمع وأطع، وإن أخذ مالك وجلد ظهرك». والنصوص في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرة في الأمر بطاعة ولاة أمور المسلمين في طاعة الله جل وعلا، وعدم طاعتهم في معصية الله جل وعلا. لكن لا يخرج عليهم، ولا يشهر بهم. فإن الخروج قد يكون خروجا بالسلاح عليهم، قد يكون خروجا بتهييج العامة على ولاة أمور المسلمين، وغير ذلك. كل ذلك مما يخالف منهج السلف الصالح، مما يخالف النصوص الواردة عن النبي عليه الصلاة والسلام: السمع والطاعة. بل من منهج السلف الصالح الدعاء لولاة أمور المسلمين. حتى جعل الإمام أحمد رحمه الله أنه قال: «لو أعلم أن لي دعوة مستجابة لصرفتها للحاكم». لماذا؟ لأن بصلاح الأمير -الحاكم- صلاح للأمة. فلا يشهر بولاة أمور المسلمين من على المنابر. والنصيحة لولاة أمور المسلمين مطلوبة، فالدين النصيحة، ومنها النصيحة لولاة أمور المسلمين بالضوابط الشرعية، لا بالتشهير. قال عليه الصلاة والسلام، كما في حديث عياض بن غنم رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «من كانت له نصيحة لذي سلطان، فلا يبده علانية، ولكن فيما بينه وبينه. فإن قبل ذلك، فقد أدى الذي عليه. وإن لم يقبل ذلك، فقد أدى الذي عليه». ولما جاءوا إلى أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما، قالوا له: «يا أسامة، أما ترى ما هو حاصل؟ أما ترى إلى ما فعل عثمان رضي الله تعالى عنه؟ فقال له أسامة بن زيد: «أما إني قد ناص، فيما بيني وبينه، لا أكون فاتح باب ضلالة». يعني أنه يقول: «عثمان فعل وعمل». لا، حصلت أمور من الحاكم والسلطان، ومن ولي الأمر يناصح بالتي هي أحسن، وبالحكمة، وبالمراسلة، وبالمناصحة بأي وسيلة. أما التشهير فهذا فاتح باب ضلالة، يخالف كتاب الله، وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ونهج السلف الصالح. كما نذكر الأحاديث والنصوص الواردة في الأمر بطاعة ولاة أمور المسلمين، نذكر الأحاديث الواردة في أمر ولاة الأمور بالرعية. هم يطلبون من الرعية السمع والطاعة، هذا حق لهم. فالله سبحانه وتعالى يمكنهم في ملكهم، ويجعل الناس على الحال الذي يرضيهم، وتستتب الأمور إذا أدوا كذلك حق الله جل وعلا. لأن كثيرا من الناس على جهل عظيم. أهل العلم، أهل السنة يعلمون حق الوالي عليهم، فربما يظلمون، ربما تأخذ أموالهم، ويصبرون. كم أخذت من أموالهم السنة وصبروا؟ كم أوذوا وصبروا؟ ما يخرجون، لأنهم يعلمون أن هذا واجب عليهم. لكن كثيرا من الناس على جهل بحق ولي الأمر عليهم. فلذلك الكمال يحصل، والخير يعم، والأمن يستتب، والوضع يستقر بأداء كل أحد الحق الذي أوجبه الله عليه. فالنبي عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن عمر في الصحيحين يقول: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته». فالإمام راع، ومسؤول عن رعيته. وولاة الأمور مسؤولون عن رعاياهم. وفي حديث معقل بن يسار في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «وما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا أدخله الله النار». فهذا حديث وعيد شديد فيه. وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام بين فضل ولاة أمور المسلمين الذين يعدلون فيما ولاهم الله جل وعلا. قد جاء في صحيح الإمام مسلم، حتى عن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «إن المقسطين يوم القيامة على منابر من نور، عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في أهليهم وما ولوا». يعني من ولايات وإمارات. وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام ذكر من السبعة الذين يظلهم الله جل وعلا في ظله يوم لا ظل إلا ظله، حديث أبي هريرة في الصحيحين: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وأول هؤلاء إمام عادل». فالإمام إذا كان عادلا فإنه يحوز هذا الفضل العظيم، وهذا الشرف الكبير من الله سبحانه وتعالى. وفي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها في صحيح الإمام مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به، ومن شق عليهم فاشقق عليه». يعني أن الله يدعو لولاة أمور المسلمين الذين يرفقون برعاياهم بأن يرفق الله جل وعلا به، وأن يشق على من يشقق بأمته وبرعاياه. وهكذا كذلك ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام الخير الكثير، والأجر الوفير لولاة أمور المسلمين الذين يعجلون في ولاياتهم. وهكذا كذلك دخل عياض بن عمر رضي الله عنه -وكان من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام- على عبد الله بن زياد، وكان واليا، فقال له: «إن رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول: «إن شر الرعاء الحطمة». فاحذر أن تكون منهم». فقال عبد الله بن زياد: «اجلس، ما أنت إلا من نخالة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم». فقال له عياض بن عمر: «وهل كانت فيهم نخالة؟ إنما كانت النخالة في من جاء بعدهم». أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ما فيهم نخالة، بل كلهم رضي الله عنهم وأرضاهم ممن زكاهم الله، وأثنى عليهم، وترضى عنهم. ما فيهم نخالة. يعني كان يقول: «من أنت؟ يعني أنت من صغار الصحابة». لأن عياض بن عمر صحابي أدرك النبي عليه الصلاة والسلام، لكن كان صغيرا رضي الله عنه. فقال له: «ما أنت إلا من نخالة أصحاب محمد». فقال له: «هل كانت فيهم نخالة؟ إنما النخالة كانت في من جاء بعد». الشاهد أن هذا الصحابي الجليل نصح هذا الولي، لكن فيما بينه وبينه، وحذره من أن يكون من الأشرار الذين لا يرحمون، والذين كذلك لا يهتمون بأمر ولاياتهم ورعاياهم. أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه يقول: «لو تعثرت بغلة في الشام، وفي العراق لسئل عنها عمر». وهي بغلة تعثرت، سارت الطريق وتعثرت. قال: «يسأل عنها عمر». فكيف إذا تعثر ناس في طرقاتهم فهلكوا؟ كم من الحوادث حصلت بسبب الخلل في الطريق؟ تأتي السيارة ربما كاملة، فيها عشرة أشخاص، أسرة كاملة من أب وأم وأخوات وإخوة في سيارة، يحصل حادث بسبب وجود شيء في الطريق، حفرة أو جسر مقطوع أو غير ذلك. مع أن ولي الأمر ربما قد علم به، قد بلغه، فلا توضع إشارات على الطريق تحذر: «انتباه، في جسر مقطوع في كذا وكذا». فهؤلاء الذين راحوا وهلكوا، عشرة أو أكثر أو أقل، من المسؤول عنهم؟ ولي الأمر سيسأل عن هذا. لماذا؟ لأنه فرط. إذا فرط فإنه يسأل عن ذلك. وكم من الناس مشرد، لا مأوى له، ولا سكن. نعم، فمن يسأل عن هؤلاء؟ أولاة الأمور كذلك. وهكذا كذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ما توجد عندهم حتى المدرسة، ولا يوجد عندهم شيء من بدايات الطب والصحة، حتى بعض الأمور الأولوية كالإبرة، وكوجود بعض الأدوية في بعض القرى﴾. تجد لا مدرسة، لا مستوصفا صحيا، لا كذا ولا كذا. فالمسؤولية عظيمة. فنحن نذكر بهذه الأحاديث بذكر حقوق ولاة أمور المسلمين على رعاياهم، وحقوق الرعية على ولاة أمور المسلمين. لأن البعض يقول: «أنتم يعني ما تذكرون إلا الأحاديث والنصوص في طاعة ولاة أمور المسلمين، لماذا لا تذكرون؟» نقول: «لا نذكر كل أحاديث أهل العلم». ألفوا في كتاب الإمارة، ذكروا الأحاديث التي فيها حقوق ولاة أمور على رعاياهم، والتي للرعية على الولاة. لكن بالحكمة، والمعضة الحسنة، لا بالسب، ولا باللعن. بالحكمة، والحسنة، والحكمة والمعضة الحسنة. فيذكر الرعية بحق الولاة عليهم، ويدكر الولاة بحقوق الرعية عليهم، ليؤدي كل ذي حق الحق الذي عليه. فتستقيم الأمور، ويستتب الأمن. وإلا فإن الأمة إذا كان لا ولاة لهم صاروا على فوضى وعلى غوغائية. ولا تصلح الأمور إلا بالاجتماع على كلمة رجل يقودهم، تجتمع به الكلمة. ولذلك حتى في السفر أمر بأن يؤمر أحد هؤلاء المسافرين، وهم في سفر، لكي لا تحصل مفسدة. هذا يقول: «لا نخرج هنا»، والثاني يقول: «نخرج هنا». إذا كان ما في أمير سيفترقون، وربما يقع بينهم تشاح. لكن خلاص يفصل الأمير: «الخروج هنا، اللقوف هنا». ولا مانع من النصيحة والمشاورة: «ما رأيك يا أمير لو كان كذا؟» ما همنع منه. عبد. لكن عند الكلمة حين يقول الكلمة تجتمع الكلمة. إذا كان هذا في أمر يسفر، فكيف بأمر أمة؟ بأمر دماء المسلمين؟ بأمر يتعلق بأمر الحقوق؟ أشياء كثيرة. كيف إذا كان أمة لا تجتمع على كلمة رجل؟ هذه جاهلية. أهل الجاهلية ما يحبون أن تجتمع الكلمة على الرجل. لكن جاء الإسلام بهدم هذه الجاهليات، وأمر بالاجتماع على الكلمة، ولو كان من تجتمع عليه الكلمة فيه ما فيه من النقص والتقصير. نعم، لكن للمصالح العظيمة المترتبة في السمع والطاعة لهم، من استتب الأمن، وحفظ حقوق الناس. وهذا شيء كثير واضح. وكما قال شيخ الإسلام: «بالاستقراء علم أن الخروج على ولاة المسلمين ما كان منه إلا المفاسد العظيمة». هذا قاله باستقراء استقراء كل الخروجات التي خرجت من ذلك العهد إلى عهده، أنها خروجات كانت في مفسدة، ولا مصلحة فيها. وصدق رحمه الله تعالى. والواقع خير شاهد. صلى الله عليه وسلم، وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.