كتاب الصلاة 7

الدرس في كتاب الصلاة 7، ألقاها

شروط الصلاة واجتناب النجاسة

يشرح الدرس شروط الصلاة مع التركيز على اجتناب النجاسة في البدن والثوب ومكان الصلاة، وكيفية التعامل معها أثناء الصلاة. يُبرز أهمية هذا الشرط عند القدرة على الاجتناب.

استقبال القبلة وأحكامه

يتناول المقطع شرط استقبال القبلة في الصلاة، ويشرح كيفية التعامل مع هذا الشرط عند القدرة وعند العجز عن تحديد اتجاه القبلة. يُفصّل في أحكام استقبال القبلة لمن يراها ولمن لا يراها.

أركان الصلاة والنية

يُفصّل الدرس في أركان الصلاة وشروطها، مع التركيز على ركن القيام والنية. يُبرز أن النية محلها القلب ولا تسقط بحال، ويشرح الفرق بين الأركان والشروط في العبادة.

حكم صلاة النافلة قائما أو قاعدا

يشرح المقطع حكم صلاة النافلة سواء كانت قائمة أو قاعدة، ويبين أن الأفضل للمتنفل أن يصلي قائما مع جواز الصلاة قاعدا، مما يدل على التيسير في العبادة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، مضى معنا في الدرس الماضي الكلام على بعض شروط الصلاة. وكان آخر ما أخذناه الشرط السادس، وهو ستر العورة. الشرط السابع، قالوا: اجتناب النجاسة في بدنه وثوبه وبقعته، أي مكان صلاته مع القدرة، لقوله تعالى: ﴿وثيابَكَ فطَهّر﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم: «تنزهوا عن البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه». ولقوله صلى الله عليه وسلم لأسماء في دم الحيض يصيب الثوب: «تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه». ولقوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه وقد بال الأعرابي في المسجد: «أريقوا على بوله سجلاً». طيب، هذا هو الشرط السابع كما ذكر، وهذا الشرط كذلك من الشروط المعتبرة، ونقل بعض أهل العلم عليه كذلك الإجماع، وممن نقل الإجماع الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى، فنقل إجماع العلماء على وجوب اجتناب النجاسة في بدنه وثوبه وبقعته، أي مكان الصلاة، وكما ذكر: مع القدرة. مع القدرة بمعنى أنه إذا لم يستطع لمانع ما، فكما تقدم معنى، فإنه يتقي الله جل وعلا ما استطاع. قالوا: لقوله تعالى: ﴿وثيابَكَ فطَهّر﴾، وهذا فيه دلالة على هذا المعنى، الأمر بتطهير الثياب من النجاسة، سواء كانت الحسية أو كانت المعنوية. وقوله صلى الله عليه وسلم كذلك: «تنزهوا عن البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه». وكما ذكر أن العلامة الألباني يحسن الحديث أو يصححه في الإرواء، الحديث مما وقع فيه الخلاف بين العلماء المتقدمين والمتأخرين في تصحيحه وعدمه. الشاهد منه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالتنزه عن البول. وكذلك قوله لأسماء في دم الحيض يصيب الثوب: «تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه». وهذا فيه كذلك المعنى بوجوب تطهير الثياب من النجاسات إلى غير ذلك. وهذا يكون كما ذكر مع القدرة، ومع الذكر. مع القدرة ومع الذكر بمعنى أن من صلى في شيء من الثياب وعليه نجاسة، وهو غير ذاكر للنجاسة حتى فرغ من صلاته، فالصحيح أن صلاته صحيحة. أما إذا علم بالنجاسة في أثناء الصلاة واستمر على صلاته، فإن صلاته تبطل في هذه الحال. وإن خلع ذلك الشيء الذي تذكر أنه نجس واستمر في صلاته، فإن صلاته تكون صحيحة. يدل على هذا المعنى ما جاء في سنن أبي داود وغيره من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه قال: «صل بنا النبي صلى الله عليه وسلم، ثم خلع نعليه، قال: فخلعنا نعالنا. فلما قضى صلاته، قال: ما لكم خلعتم نعالكم؟ قالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعناها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أخبرني جبريل بأن فيها قذرا -أو كما قال صلى الله عليه وسلم-». الشاهد منه أن كان فيها شيء من النجاسة ولم يعلم به النبي صلى الله عليه وسلم، فصلى ولم يعد الصلاة، بل استمر في صلاته وخلع ذلك اللباس المتنجس. وهذا فيه دلالة واضحة على ما تقدم في المسألة المذكورة، والله أعلى وأعلم. المسألة أو الشرط الثامن، قالوا: استقبال القبلة مع القدرة. ومعنى مع القدرة كذلك على ما تقدم، يعني مثال ذلك أناس كانوا مثلاً في صحراء أو في بحر أو في جو ولم يستطيعوا معرفة جهة القبلة، فماذا يصنعون في هذه الحال؟ الجواب: القاعدة العامة في هذا هو قول الله جل وعلا: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾، بمعنى أنهم يتحروا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً ثم يصلون. وقد يستدل لهذا بقول الله جل وعلا: ﴿أينما تولوا فثم وجه الله﴾، فيصلي على ما تيسر بعد التحري. فإن أصاب القبلة وتبين له أنه أصاب القبلة فالحمد لله، وإن لم يصبها وقد تحرى وأجتهد في التحري، فإن شاء الله تعالى صلاته تكون مقبولة؛ لأنه اتقى الله ما استطاع. طيب، وها هنا فرع عن هذه المسألة، وهي: هل الواجب استقبال عين القبلة أم استقبال جهة القبلة؟ في هذا تفصيل، وهو أن من كان مشاهداً للقبلة -من أهل مكة- يعني كان مشاهداً للقبلة، فالواجب في حقه أن يصلي إلى عين القبلة، فلا يكفيه مجرد الجهة. يعني مثال ذلك في مكة وهو في الحرم يرى الكعبة ها هنا، فلا يصلي إلى هذه الجهة، يقول: أنا أصلي إلى الجهة، بل الواجب عليه أن يستقبل عين القبلة. أما من كان بعيداً عن القبلة بحيث أنه لا يراها، فيجزئه من ذلك أن يستقبل جهة القبلة، ولا يجب عليه أن يستقبل العين، أي عين القبلة؛ وذلك متعسر. يعني أن نتأمل نحن مثلاً في هذا الصف في هذا المسجد، هل من طرف المسجد إلى طرف المسجد نستقبل عين القبلة؟ ها جماعة لا نستقبلها، ولكن نستقبل ماذا؟ الجهة. وكما جاء في الأثر: «ما بين المشرق والمغرب قبلة»، كما جاء في أثر ابن عمر رضي الله عنهما: «ما بين المشرق والمغرب قبلة»، أي ما دام الإنسان بين جهة المشرق والمغرب وكان يمنياً مثلاً، فإن القبلة تكون بين هاتين الجهتين. فالحاصل أن استقبال القبلة لمن لم يرها، الواجب في حقه الجهة، ومن كان يراها الواجب في حقه أن يستقبل عين القبلة. قالوا: لقوله تعالى: ﴿فولِّ وجهَكَ شَطرَ المسجدِ الحرامِ﴾، ولحديث: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة»، أي حديث المسيء في صلاته، وهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة. التاسع: النية، قالوا: ولا تسقط بحال. أي النية لا تسقط بحال؛ لماذا؟ لأن محلها القلب، فهي أعلى كل حال تجب ولا تسقط. قالوا: لحديث عمر رضي الله عنه: «إنما الأعمال بالنيات»، ومحلها القلب، وحقيقتها العزم على الشيء، أي هذا هو حقيقة النية: العزم على الشيء، أي على القيام بذلك الشيء. قالوا: ولا يشرع التلفظ بها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتلفظ بها، ولم يرد أن أحداً من أصحابه فعل ذلك. وكما تقدم معنى في مسائل الطهارة أن التلفظ بالنية من البدع المحدثة، التي لا يدل عليها دليل لا من نقل ولا من عقل. من نقل لم يثبت في ذلك دليل شرعي، ومن عقل؛ لأن محل النية القلب، والتلفظ باللسان لشيء في القلب إنما هو من قبيل العبث. قال: المسألة الرابعة في أركانها. قالوا: الأركان هي ما تتكون منها العبادات، ولا تصح العبادة إلا بها. أي هي ما هي العبادة وحقيقة العبادة. قالوا: والفرق بينها وبين الشروط: أن الشرط يتقدم على العبادة ويستمر معها، وأما الأركان فهي التي تشمل عليها العبادة من أقوال وأفعال. هذا من الفروق بين الركن والشرط. وجميعها من تركها -أي ترك الشرط أو ترك الركن- يفسد العبادة. قالوا: أركانها أربعة عشر ركناً، لا تسقط عمداً ولا سهواً ولا جهلاً. أي لا تسقط هذه الأركان لا بالعمد -هذا واضح- ولا بالسهو، أي بالنسيان، ولا كذلك بالجهل. يعني السهو مثال ذلك: إنسان نسي الركوع في الركعة، هل نقول له: أكمل الصلاة وركعتك صحيحة؟ الجواب: لا، نقول له: أعد الركعة. يعني أتم صلاتك وأتِ بركعة مكان الركعة التي نسيتها. كذلك من تركها جهلاً، إنسان لا يعرف الصلاة مثلاً، أخلَّ بالإطمئنان كما هو حال الأعراب المسيء في صلاته، صلى صلاة كصلاة الأعراب: الله أكبر، فاتحة، ركوع، قيام سريع دون اطمئنان جهلاً. هل نقول له: صلاتك صحيحة؟ الجواب: لا؛ لما جاء في حديث المسيء في صلاته أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليه أعرابي وهو يصلي، والنبي صلى الله عليه وسلم ينظر إليه. فلما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم سلم عليه، فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم السلام وقال له: «ارجع فصلِّ؛ فإنك لم تصلِّ». فأعاد الصلاة مرة ثانية، ثم جاء فسلم، قالوا: «ارجع فصلِّ؛ فإنك لم تصلي». فرجع مرة ثالثة فصلى، ثم رجع فسلم، فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «ارجع فصلِّ؛ فإنك لم تصلي». الشاهد من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتبر صلاة الجاهل الذي قد أخلَّ بأركان الصلاة صلاة صحيحة، بل جعلها من قبيل الصلاة التي لم يصلها ذلك المصلي، فقال له: «ارجع فصلِّ؛ فإنك لم تصلي». واضح هذا جماعة. إذن لا تسقط بحال أركان الصلاة، إلا لمن لم يستطع، على ما سيأتي -بإذن الله جل وعلا- التنبيه عليه. قالوا: الأول الركن الأول: القيام، أي القيام في الصلاة في الفرض على القادر منتصباً. القيام في الفرض، وسيأتي معنى قولهم: في الفرض؛ ليخرج بذلك النفل. قالوا: على القادر، وقولهم: على القادر؛ ليخرج بذلك غير القادر. إنسان مريض لا يستطيع القيام، هل نقول له: يجب عليك أن تقوم؟ أو إنسان مشلول لا يستطيع القيام مريض، نقول له: يجب عليك؟ الجواب: لا يجب عليه. ما الدليل؟ القاعدة العامة: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾. قالوا: لقوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾، ولقوله صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: «صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب». والحديث رواه البخاري. وفي الحديث أن عمران بن حصين رضي الله عنه كان به بواسير، فكان لا يستطيع الصلاة بسبب ذلك المرض. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «صلِّ قائماً»، وهذا هو الواجب؛ لأن الأمر الأصل فيه أنه للوجوب. فقال: «صلِّ قائماً، فإن لم تستطع»، إذن علق الأمر الواجب بالاستطاعة. فإن لم يستطع، انتقل إلى الأمر الآخر، ما هو؟ «فإن لم تستطع فصلي قاعداً». وهكذا أمر آخر. إن استطاع المريض أن يصلي قاعداً ولم يستطع أن يصلي قائماً، فالواجب في حقه أن يصلي قاعداً. فإن لم يستطع، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «فصلي على جنب». والحديث كما سمعتم في صحيح البخاري. قال: فإن ترك القيام في الفريضة لعذر كمرض وخوف وغير ذلك -كمرض كما تقدم- وخوف كأن يكون في أرض معركة أو نحو ذلك، فيخاف إن صلى قائماً أن يصيبه العدو، فها هنا له أن يصلي قاعداً. لهذا المعنى لعذر. قالوا: وغير ذلك أي مما كان في معنى من الأعذار المعتبرة. قالوا: فإنه يُعذر بذلك ويصلي حسب حاله قاعداً أو على جنب، أي على حسب القدرة والاستطاعة. قالوا: أما صلاة النافلة، فإن القيام فيها سنة وليس ركناً. صلاة النافلة مثلاً صلاة الرواتب أو الضحى أو قيام الليل أو نحو ذلك من الصلوات النافلة، فإن القيام فيها مستحب وليس بواجب. والدليل على ذلك قالوا: أما صلاة النافلة، فإن القيام فيها سنة وليس ركناً، لكن صلاة القائم فيها أفضل من صلاة القاعد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم». نستفيد من هذا الحديث الحكمين المذكورين: الحكم الأول أنه يشرع للمتنفل أن يصلي قاعداً، والحكم الثاني أن الأفضل في حق المتنفل أن يصلي قائماً. طيب، نكتفي بهذا القدر إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على