الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 92، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يبدأ الشرح بقاعدة ما لا يتم المأمور إلا به فهو مأمور به، ويوضح شروطها وأمثلتها.
يتم تطبيق القاعدة على أمور الواجب والمندوب مع ذكر أمثلة عملية توضح كيفية تطبيقها في الحياة اليومية.
يناقش العلاقة بين الأمر والنهي في الشريعة الإسلامية، وكيف أن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده.
يختتم الحديث عن الأمر ويشير إلى ما سيأتي فيما بعد عن النهي ومباحثه، ويختم بالصلاة على النبي.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، بعد. قد ذكرنا في الدرس الماضي ما يتعلق بمبحث الأمر بأن ما لا يتم المأمور إلا به فهو مأمور به. قلنا: هذا يحتاج إلى قيدين؛ القيد الأول: فيما هو تحت قدرة العبد، والقيد الثاني: دل عليه الدليل أن يكون قد دل عليه الدليل. القيد الأول: وهو ما كان تحت قدرة العبد؛ لإخراج ما ليس تحت قدرة العبد، هو مأمور به في الشرع، لكن ليس تحت قدرة العبد، فهذا غير مأمور به، يخرج عن هذه القاعدة. والقيد الثاني: أن يكون قد دل عليه الدليل؛ لإخراج ما كان في مقدور العبد، لكن لم يدل عليه الدليل. مثال الأول: مثلا الزكاة، الزكاة مأمور بها، وسببها بلوغ النصاب وحولان الحول. الزكاة لا يتم الإتيان بها إلا ببلوغ النصاب وحولان الحول، فإذا قلنا: ما لا يتم المأمور إلا به، لا تتم الزكاة إلا ببلوغ النصاب، فهل بلوغ النصاب مأمور به؟ يعني على كل أحد أن يسعى ويعمل ليبلغ ماله النصاب حتى يزكي؟ الجواب: لا. لماذا؟ لأن هذا لم يدل عليه الدليل، هو في مقدور العبد، لكن لم يدل عليه الدليل. ما دل الدليل على أن الشخص يعمل ويسعى ليجمع مالا يبلغ النصاب ليزكي، لا. وإنما متى بلغ ماله النصاب وجب عليه الزكاة إذا حال عليه الحول. حولان الحول، الزكاة لا يتم الإتيان بها إلا بحولان الحول، فما لا يتم المأمور إلا به، لا يتم الإتيان بالزكاة إلا بعد حولان الحول، فهل حولان الحول مأمور به؟ لا. لماذا؟ لأنه ليس تحت قدرة العبد. هل في قدرة العبد أن يحيل على نفسه الحول؟ أن يحيل على نفسه الحول؟ لا. فإذا لابد من هذا في هذه القاعدة: ما لا يتم المأمور إلا به فهو مأمور به، بشرط أن يكون في قدرة العبد، وأن يكون قد دل عليه الدليل. مثال في المندوب، مثلا. وكذلك مثلا في الواجب، صلاة الظهر تجب إذا زالت الشمس. إذا دلكت الشمس أقم الصلاة لدلوك الشمس. صلاة الظهر تجب إذا دلوك الشمس. ولماذا قيل دلوك الشمس؟ قالوا: دلوك الشمس يقال دلوك الشمس؛ لأن الناظر إلى الشمس في هذا الوقت تؤلمه عينه، إذا نظر إلى الشمس في هذا الوقت تؤلمه عينه، فيحتاج إلى دلكها. فسمي ذلك دلوك الشمس. هكذا قال: دلوك الشمس؛ لأن الناظر إليها في هذا الوقت تؤلمه عينه، فهو يحتاج إلى دلكها. فدلوك الشمس هو وقت صلاة الظهر. ما لا يتم المأمور إلا به فهو مأمور به، صلاة الظهر مأمور بها، لا تتم إلا بعد دلوك الشمس، فهل دلوك الشمس مأمور به على الشخص؟ لا. لماذا؟ ليس تحت قدرة العبد. هل تحت قدرة العبد أن يجعل الشمس تدرك؟ أبدا هذا غير مأمور به. لماذا؟ لأنه ليس تحت قدرة العبد. مثال في المندوب مثلا: تهنئة العرسان، الشخص إذا عرس وإذا تزوج، يستحب لغيره أن يهنئه ويدعو له بالبركة، هذا مستحب مندوب ومأمور به أمر ندب. ما لا يتم المأمور إلا به فهو مأمور به. طيب لا يتم تهنئة العرسان إلا بالبحث عنهم، تبحث تذهب من تزوج اليوم؟ قالوا: فلان فلان فلان فلان فلان. هل يستحب هل يستحب البحث عن العرسان لتهنئتهم؟ لأنه ما لا يتم المأمور به سواء كان أمر ندب أو أمر إيجاب فهو مأمور به، يعني مأمور به بذلك. مأمور أنت مأمور أن تبحث عن العرسان لتهنئهم؟ الجواب: لا. تحت مقدور العبد نعم، تحت مقدور العبد، لكن لم يدل عليه الدليل، لم يتوفر القيد الثاني. فهذه القاعدة تضبط بهذين القيدين: ما لا يتم المأمور إلا به فهو مأمور به، سواء كان أمر إيجاب أو أمر ندب، بشرط أن يكون تحت قدرة العبد؛ لإخراج ما ليس تحت قدرة العبد، وأن يكون قد دل عليه الدليل وأمر به؛ لإخراج ما لم يدل عليه الدليل. مرت معنا أمثلة فيما يتعلق بشراء المال للصلاة، الصلاة مأمور بها، لا تتم إلا بالوضوء. إنسان ما عنده ماء هناك ما يباع، هل هو مأمور بشراء المال للوضوء لأجل الصلاة؟ الجواب: نعم. ما لا يتم المأمور إلا به فهو مأمور به، شراء الماء مقدور عليه، شراء الماء دل الشرع على الأمر به، فإذا مأمور به. شراء الطيب يوم الجمعة للتطيب مندوب، ما لا يتم المأمور إلا به وهو الطيب وهو مندوب فهو مأمور به، لا يتم إلا بشراء الطيب، فشراء الطيب مندوب؛ لأن المأمور وهو التطيب لا يتم إلا بشراء الطيب، فصار شراء الطيب مأمور به. الصدقة مثلا، الصدقة المستحبة، يستحب للشخص أن يتصدق، لكن ما عنده مال، ما عنده مال يتصدق. طيب لا تتم الصدقة المستحبة وهي مأمور بها أمر ندب إلا بالعمل بالعمل لاكتساب المال لأجل تصدق الصدقة المستحبة، فهل العمل لأجل تحصيل المال لأجل التصدق الصدقات المستحبة مأمور به؟ على هذه القاعدة: ما لا يتم المأمور إلا به فهو مأمور به. الجواب: نعم. تحت مقدور العبد أن يعمل لأجل تحصيل المال. الثاني: دل عليه الدليل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حث كما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر وأبي هريرة، حث النبي عليه الصلاة والسلام الصحابة على العمل لأجل التصدق، حتى قال عبد الله بن عمر: لما نزلت آية الصدقة كنا نحامل على ظهورنا، كنا نحامل على ظهورنا لنتصدق. الصحابة رضي الله تعالى عنهم لما علموا فضل الصدقة ذهبوا يعملون يحملون على ظهورهم، اشتغلوا حمالين. لماذا؟ لأجل تحصيل المال لأجل ماذا؟ لأجل التصدق صدقة مستحبة ليست بواجبة. فهذا دل عليه الدليل، ما لا يتم المأمور إلا به فمأمور به، فالعمل لأجل الصدقة مأمور به؛ لأن الصدقة لا تتأتى وهي مأمور بها أمر ندب صدقة مستحبة إلا بالعمل، والعمل لأجل اكتساب المال لأجل الصدقة المستحبة مأمور به؛ لأن الدليل قد دل على ذلك. من مباحث الأمر كذلك الأمر بالشيء نهي عن ضده، يستلزم النهي عن ضده. الأمر بالقيام أمر الشرع من قيام في الصلاة «وقوم لله قانتين»، أمر بالقيام في الصلاة، هل الأمر بالشيء هنا يستلزم أن نهي عن ضده؟ نعم. الأمر بالقيام يستلزم أن نهي عن الجلوس في الصلاة، وعن الاتكاء في الصلاة. فإذا صار الأمر بالشيء كالأمر بالقيام في الصلاة يستلزم ويقتضي أن نهي عن ضده أو أحد أضداده. فالأمر بالقيام في الصلاة يستلزم النهي عن الجلوس في الصلاة، ويستلزم أن نهي عن الاتكاء في الصلاة. والنبي صلى الله عليه وسلم قال لعمران بن الحصين لما أصيب ببواسير كما في الصحيحين: «صلي قائما، فإن لم تستطع فصلي قاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب». وكذلك الأمر بالشيء يستلزم أن نهي عن ضده أو عن أحد أضداده. فالأمر بالصدق يستلزم أن نهي عن الكذب، يستلزم أن نهي عن الغش، عن الخداع. فما كان له ضد من الأشياء فالأمر بذلك الشيء نهي عن أضداد ذلك الشيء. الأمر بالشيء إذا كان له أضداد فالأمر بذلك الشيء يستلزم أن نهي عن تلك الأضداد إذا كان هذا الشيء له أضداد. وإذا كان ذلك الشيء له ضد واحد فالأمر بذلك الشيء يستلزم ويقتضي أن نهي عن ضده. أن نهي عن الشيء يستلزم ويقتضي الأمر بأحد أضداد ذلك الشيء. أن نهي عكس الأمر، فالأمر بالشيء يستلزم ويستقضي يستلزم ويقتضي أن نهي عن ضده أو أحد أضداده، والنهي عن الشيء يستلزم ويقتضي الأمر بأحد أضداده. مثال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين»، نهى النبي السلام عن الجلوس. لا تجلس. فهنا عندنا نهي عن الشيء، ماذا يستلزم هذا ويقتضي؟ يقتضي الأمر بأحد أضداد ذلك الشيء. القيام أو الجلوس له ضد واحد وهو القيام، فالنهي عن الجلوس أمر أو يستلزم الأمر بالقيام، يستلزم الأمر بالقيام. النهي عن الزنا، «ولا تقربوا الزنا»، «ولا يزنون». النهي عن الزنا، النهي عن هذا الشيء يستلزم ويقتضي الأمر بأحد أضداد هذا الشيء؛ لأن للزنا أضداد، ضد الزنا العفة. نعم. شخص يزني، شخص عفيف طاهر. ومن أضداد الزنا كذلك الصيام. فنهي الشرع عن الزنا، هذا يتضمن الابتعاد عن إتيان الفاحشة ومباشرة الزنا، ويستلزم كذلك العفة والطهارة، ويستلزم كذلك الصيام. وذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن مسعود الصحيح: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه غض للبصر وأحصن للفرج، فمن لم يستطع فعليه بالصوم». فنهاك الشرع عن الزنا، فماذا تفعل؟ وبماذا أنت مأمور؟ مأمور بأحد أضداد الزنا، مأمور بالابتعاد عن الزنا، مباشرة الزنا. مأمور بالعفة والطهارة وعدم الوقوع في الزنا. مأمور كذلك إذا لم تستطع الامتناع عن الزنا إلا بالصيام فأنت مأمور بالصيام؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال: «فإنه له وجاء». خلاصة هذه القاعدة فيما يتعلق بمبحث الأمر: أن الأمر بالشيء يستلزم ويقتضي النهي عن ضد ذلك الشيء إن كان له ضد واحد، أو النهي عن أضداد ذلك الشيء إذا كان له أضداد. ونهي عن الشيء يستلزم ويقتضي الأمر بضد ذلك الشيء إن كان له ضد واحد، أو الأمر بأحد أضداد ذلك الشيء إن كان له أضداد أضداد. فهذه أيضا من المباحث التي تذكر عن مباحث الأمر. وسيأتي معنا إن شاء الله تعالى بعد ذلك ما يتعلق بالنهي ومباحث النهي. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.