كتاب الطهارة 31

الدرس في كتاب الطهارة 31، ألقاها

حالات المستحاضة وأحكامها العامة

المستحاضة لها ثلاث حالات تختلف أحكامها بناءً على الأحاديث النبوية، وتشمل وجود عادة معروفة أو تمييز لدم الحيض أو عدم وجود أي منهما. يُشرح في هذا الفصل تفاصيل كل حالة وأدلتها الشرعية.

تقسيمات وأحكام فقهية للمستحاضة

تختلف آراء الفقهاء حول كيفية تعامل المرأة المستحاضة مع صلاتها، حيث يختلف الإمام مالك عن أبي حنيفة في العبرة بالتمييز أو العادة، وتنقسم النساء في أمر الاستحاضة إلى خمس صور مختلفة.

مسائل متعلقة بالحيض والاستحاضة وآراء الفقهاء

يتناول هذا الفصل حكم الاستحاضة ومسائل متعلقة بالحيض مثل تغير عادة الحيض وتمييزه، وحكم الكدرة والصفرة، وعلامات الطهر عند النساء، مع شرح آراء الفقهاء والأدلة الشرعية.

علامات الطهر من الحيض وتطبيقاتها

إذا اجتمعت علامتا الجفاف والقصة البيضاء في المرأة، فإنها تعتبر طاهرة، والقصة البيضاء علامة أقوى من الجفاف، وقد ذهب الإمام البخاري إلى هذا الرأي في صحيحه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، توقفنا في الدرس الماضي عند الكلام على حالات المستحاضة، فنقرأ مرة أخرى الحالات التي ذكرها، أو التي ذكرت في هذا الكتاب، ثم نرجع فنعلق على هذه الحالات، وكذلك نضم إليها الحالات التي لم تذكر. قالوا: والمستحاضة لها ثلاث حالات، الحالة الأولى: أن تكون لها عادة معروفة، بأن تكون مدة الحائض معلومة لديها قبل الاستحاضة، فهذه تجلس قدر عادتها، وتدع الصلاة والصيام، وتعد حائضاً، فإذا انتهت عادتها اغتسلت وصلت، وعدت الدم الخارج دم استحاضة، لقوله صلى الله عليه وسلم لأم حبيبة: «أمكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي وصلّي». والحديث -كما تقدم- متفق عليه. الحالة الثانية: إذا لم تكن لها عادة معروفة، لكن دمها متميز، بعضه يحمل صفة الحيض، بأن يكون أسود أو ثخيناً أو له رائحة، والباقي يحمل صفة الاستحاضة، دم أحمر ليس له رائحة، ففي هذه الحالة ترد إلى العمل بالتمييز، لقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش: «إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف، فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضأي وصلّي، فإنما هو عرق». والحديث -كما ذكر في التخريج- أخرجه أبو داود وغيره، وذكره هنا أن العلامة الألباني -رحمه الله تعالى- صححه. والحديث مما اختلف في تصحيحه وتضعيفه، فجماعة من أهل العلم من الحفاظ المتقدمين على إعلاله. الحالة الثالثة: إذا لم تكن لها عادة ولا صفة تميز بها الحيض من غيره، فهذه تجلس غالب الحيض، ستاً أو سبعاً؛ لأن هذه عادة غالب النساء، وما بعد هذه الأيام من الدم يكون دم استحاضة، تغسله ثم تصلي وتصوم، لقوله صلى الله عليه وسلم لحمنة بنت جحش: «إنما هي ركضة من الشيطان، فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام، ثم اغتسلي، فإذا استنقأت فصلي وصومي، فإن ذلك يجزئك». ومعنى «ركضة من الشيطان»: يعني دفعة، أي إن الشيطان هو الذي حرك هذا الدم. وهذا الحديث -كذلك- كما ذكر، رواه أبو داود والترمذي وغيرهما، وحسنه بعض أهل العلم، وبعض أهل العلم يضعف الحديث، وهو الصواب؛ لأنه من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل، والراجح ضعفه. وقد ضعف هذا الحديث طائفة من الحفاظ، منهم الإمام أبو حاتم الرازي، وكذلك أحمد، وكذلك الإمام ابن المنذر. وحكموا على أن متنه فيه نكارة. المسألة أو هذه المسألة تتضح وتظهر بإذن الله جل وعلا بأن تصور أحكامها تصوراً تاماً؛ لأن هذه المسألة -أي مسألة المستحاضة وأحكام المستحاضة- هي -كما يقول العلماء رحمهم الله تعالى- من أشكل أبواب الحيض، بل باب الحيض -كما يقول من يقول من أهل العلم- بأنه من أشكل أبواب الفقه وأعوصها. فنرجع إلى مسألتنا، نتصور هذه المسألة، وقبل أن ندخل في تصور المسألة نذكر مقدمة بين يدي هذه المسألة؛ لأجل أن تمهد لنا هذه المسألة حتى نتصورها بإذن الله جل وعلا تصوراً تاماً. فالنساء من حيث معرفتهم بالحيض إما أن تكون المرأة لها عادة، وإما أن تكون مميزة. والعادة -كما مر معنا- أن يعاودها الدم أكثر من مرة في وقت معلوم محدود، أي في نفس الوقت يعاود المرأة الدم، فهذه المرأة يقال لها: بأن لها عادة. والتمييز: بأن تميز المرأة دمها -أي دم الحيض- بأوصافه المعلومة، ولكن ليس لها عادة؛ بمعنى أنه تارة يأتيها مثلاً في أول الشهر، وتارة في وسطه، وتارة قبل، وتارة بعد، فهذه لا يقال بأنها معتادة، ولكن يقال بأنها مميزة. والفقهاء في هذه المسألة -من حيث الحكم- مختلفون في المرأة المستحاضة بما تعمل، فالإمام مالك -رحمه الله تعالى- يقول: العبرة في ذلك بالتمييز مطلقاً؛ بمعنى أن المرأة إذا لم تكن تميز دمها، فإنها تغتسل وتصلي لكل صلاة، هذا مذهب الإمام مالك -رحمه الله تعالى-، وهو رواية عن الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-. والقول الآخر: هو قول أبي حنيفة والثوري: بأن العبرة في ذلك بالعادة؛ بأن المرأة إذا كانت معتادة عملت بعادتها، فإن لم تكن لها عادة تجلس أقل الحيض ثم تغتسل وتصلي، أي لا تعمل بالتمييز. والقول الثالث: قول للإمام أحمد -رحمه الله تعالى-، وهو قول كذلك للإمام الشافعي، وهو أنه يعمل بالعادة والتمييز؛ يعمل بالعادة والتمييز، فإن اتفقا فالأمر في ذلك واضح أن يعمل بهما، وإن اختلف -أي اختلف في حق المرأة المستحاضة- أمر العادة وأمر التمييز. مثال ذلك: امرأة قبل أن يحصل لها الاستحاضة كانت معتادة مثلاً أنها تحيض من أول الشهر لمدة أسبوع، مرت على هذا الأمر سنوات، جاءتها الاستحاضة، فلما جاءتها الاستحاضة المرأة كانت عندها عادة ومميزة، فلما جاءتها الاستحاضة صارت ترى الدم -أي دم الحيض- بأوصافه تراه مثلاً في منتصف الشهر. فالآن تعمل بماذا؟ هل تعمل بالعادة التي اعتادتها بأن تترك الصلاة في أول الشهر لمدة أسبوع، أم أنها تعمل بالتمييز؟ في المسألة قولان، فذهب الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- إلى أنها تعمل بالتمييز، وهذا القول هو رواية عن أحمد: أنها تعمل بالتمييز. ورواية أخرى عن الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- بأنها تعمل بالعادة، أي عند الاختلاف تعمل بالعادة. والصحيح من هذا أنها تعمل بالتمييز؛ لأن التمييز علامة ظاهرة ويقينية، وأما العادة فإنها علامة ظنية. والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾، فتعمل المرأة باليقين، ما هو اليقين؟ اليقين أن تعمل بالتمييز مطلقاً وتترك العادة. إذا علمنا هذا، ننتقل إلى صور الاستحاضة وأحكام المرأة فيها -يعني بالتقسيم- كما يقال: بطريقة السبر والتقسيم، تنقسم النساء في أمر الاستحاضة وفي معرفة الحيض بالنسبة للمستحاضة إلى خمس صور. الصورة الأولى: أن تكون معتادة، عندها عادة وعندها تمييز، فإن كان عندها عادة وعندها تمييز عملت بهما، أي إن اتفقت العادة والتمييز عملت بالعادة والتمييز معاً. وهذه المسألة متفق عليها. الصورة الثانية: أن تكون معتادة وليست بمميزة، جاءتها الاستحاضة وليس عندها تمييز للدم، فماذا تصنع؟ الجواب: أنها ترجع إلى عادتها. مثال ذلك: امرأة كانت قبل أن يحصل لها الاستحاضة كانت تحيض من أول الشهر لمدة أسبوع، جاءت الاستحاضة فصارت لا تميز الدم، فماذا تصنع؟ الجواب: أنها تعمل بالعادة، ما هي العادة؟ أنها تمكث من أول الشهر لمدة أسبوع، فإذا مضى الأسبوع غسلت الدم واغتسلت وعملت ما تعمل الطاهرات. الصورة الثالثة: أن تكون المرأة مميزة وليس لها عادة، مميزة وليس لها عادة، فهنا تعمل بالتمييز، مثلاً هي مستحاضة لكن في مثلاً وسط الشهر يتغير الدم، يخرج الدم بأوصاف دم الحيض المعروف عندها، فماذا تصنع؟ هنا تعمل بما يعمل به النساء الحيض، تكون حائض حتى تطهر. الصورة الرابعة: أن تكون معتادة، أي أن تكون عندها عادة وعندها تمييز، عندها عادة وعندها تمييز فيختلفان، ما معنى فيختلفان؟ يعني كان من قبل كان عندها عادة وتمييز يأتي من أول الشهر لمدة أسبوع، بعد الاستحاضة اختلف، صار الدم بأوصافه المعروفة -أي دم الحيض بأوصافه المعروفة- يأتيها في منتصف الشهر، فالآن اختلفت عادتها وتمييزها، فبماذا تصنع؟ الجواب: أنها تعمل في مثل هذه الحال بالتمييز؛ لأنه علامة يقينية على الحيض. الصورة الخامسة أو الحالة الخامسة: بأن لا يكون لها عادة ولا يكون لها تمييز، ليس لها عادة وليس لها تمييز، مثال ذلك: يعني كيف يتصور هذا؟ قالوا: يتصور هذا في المبتدئة، في المرأة المبتدئة أول ما ابتدأ بها الحيض استحاضت، فليست عندها عادة حتى تعتادها وترجع إليها، وليس لها تمييز تمييز به الدم. أو أنها كانت عندها عادة فنسيت تلك العادة، فمثل هذه المرأة ماذا تصنع؟ هذه الصورة الأخيرة -يا جماعة- كما يقول فقهاء: هي من أشكل صور الحيض ومن أشكل مسائل الحيض، وفيها أقوال واختلاف كبير بين أهل العلم. والأقرب -والله أعلى وأعلم- أنها إذا لم تكن مميزة ولم تكن لها عادة وكان الدم يخرج على صفة معينة على مدار شهر، على صفة معينة لا يتغير ولا يتبدل، فإن حكمها حكم الطاهرات؛ لأننا لو حكمنا عليها بحكم معين ليس عندنا فيه دليل. الحاصل في هذا: أننا في مثل هذا نرجع إلى الأصل، ما هو الأصل؟ الأصل أن الله جل وعلا قال لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾، فإذا لم ترَ المرأة الأذى الذي هو الحيض بأوصافه المعلومة التي تعرفها النساء، فإنها تبقى على أحكام الطاهرات. تتمة لمسائل الحيض مما لم تذكر في الكتاب، هناك بعض المسائل التي تذكر في أبواب الحيض، وهي كثيرة، لكن نذكر مسألتين تتم لهذا الباب. المسألة الأولى: في حكم الكدرة والصفرة، ما حكم الكدرة والصفرة؟ والكدرة هو الماء المتكدر الذي يخرج من المرأة، والصفرة هو الماء كذلك الذي فيه نوع كدرة وتعلوه صفرة. فما حكم هذا؟ الفقهاء في هذه المسألة أقوال، وأصح هذه الأقوال -وهو الذي عليه كثير من أهل العلم- أن الكدرة والصفرة في الحيض حيض، وفي الطهر طهر. هذا خلاصة قول هؤلاء، لذا بعض أهل العلم يذكرون قاعدة في هذا الباب -أي في باب الكدرة والصفرة- وهي أن الكدرة والصفرة في الطهر طهر، وفي الحيض حيض. ودليلها: حديث أم عطية -رضي الله عنها وأرضاها- في صحيح البخاري، ورواه كذلك أبو داود وغيره بإسناد صحيح، ولفظه عند أبي داود: قالت أم عطية -رضي الله عنها وأرضاها-: «كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئاً». قال العلماء -رحمهم الله تعالى- في هذا الحديث منطوق ومفهوم، فأما منطوقه: فإن الكدرة والصفرة بعد الطهر ليست بشيء -أي ليست بحيض-، ومفهومه: بأن الكدرة والصفرة في الحيض أو في زمن الحيض حيض. المسألة الأخرى: بما يعلم الطهر عند النساء؟ أي بما تعلم المرأة بأنها قد طهرت؟ ذكر العلماء -رحمهم الله تعالى- كذلك في هذه المسألة أقوالاً، منهم من ذكر أن علامة الطهر عند المرأة هو رؤية القصة البيضاء. ومع القصة البيضاء قالوا: هو أن تدخل المرأة قطنة بيضاء بعد مضي زمن الحيض في الموضع، فتنظر إن خرج السائل أبيض، فيقال: خرجت القصة البيضاء، فيكون طهراً. هذه علامة. والعلامة الثانية: قالوا: الجفاف، ومعنى الجفاف: هو أن لا يخرج من المرأة شيء من الدم، وبهذا تكون المرأة قد طهرت. فهاتان علامتان عند النساء، والنس، كما يقول العلماء: أعلم كل امرأة بطهرها، كل امرأة أعلم بطهرها. فبعض النساء يطهرن بهذا، وبعضهن يطهرن بذلك. قال علماء -رحمهم الله تعالى-: فإن اجتمع في المرأة الجفاف، وكذلك أنها ترى القصة البيضاء، فبما لا يكون الطهر؟ قالوا: أنه يكون بالقصة البيضاء؛ لأنها علامة أقوى من مجرد الجفاف. وإلى هذا جنح الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه. نكتفي بهذا القدر، إلهنا سبحانك الله ما بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على