وصف الجنة من نونية ابن القيم 4

الدرس في وصف الجنة من نونية ابن القيم 4، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

التحذير من الاغترار بالدنيا

يحذر إمام القيم من الاغترار بالدنيا والانشغال بها، ويبين أنها دار فناء وزوال. الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، ولا ينبغي الانشغال بها عن ذكر الله والدار الآخرة.

شرح معنى سجن المؤمن وجنة الكافر

المؤمن في الدنيا مبتلى بأنواع الابتلاءات لكنها سجن مقارنة بالنعيم في الآخرة، بينما الكافر يتنعم في الدنيا لكنها جنة مقارنة بالعذاب في الآخرة.

فضل اللذات في العبادة وخطورة الاغترار

يُنبه الخطيب إلى خطورة الاغترار بالدنيا ومتاعها الفاني، ويشير إلى أن اللذات الحقيقية تكمن في العبادة وطاعة الله. الذنوب والمعاصي تحرم الإنسان من هذه اللذات وتسبب عمى القلب.

ختام الدرس والدعاء

يختم الدرس بالدعاء أن يجعلنا الله من أهل الدنيا الذين يعملون للآخرة، ويتوجه بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فيقول إمام القيم رحمه الله تعالى في نونيته: لا يلهينك منزل لعبت به أيدي البلاء، مجالس في الأزمان. يحذر رحمه الله من الاغترار بالدنيا واللهو بها والركون إليها والانشغال بحطامها الزائل. الدنيا إنما هي منزل لعب به، كم من أناس قد سكنوه؟ كم قد سكن هذه الدنيا من أناس؟ مجالس في الأزمان، من أزمان بعيدة. فما هو حاله إذن؟ البيت الذي أجره مليارات من البشر، يدخل هذا ويخرج، ويأتي آخر ويخرج، ويدخل آخر ويخرج، كيف يصير؟ يصير باليا خرابا. فهذه حقيقة هذا المنزل، الدنيا. كم من قصور شيدت، وكم من عمارات بنيت؟ لكن ما هو مآلها الذي صارت إليه؟ الخراب. فلذلك لا يلهينك هذا المنزل الذي لعبت به أيدي البلاء، الفناء والخراب، مجالس في الأزمان. والنصوص كثيرة في كتاب الله، سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، في النهي عن اللهو بالدنيا والانشغال بها والاغترار بها. يقول الله جل وعلا: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾. قال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾. وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. وأثنى الله جل وعلا على الذين لم تلههم هذه الدنيا وهذا المنزل، ولم يشغلهم هذا المنزل الفاني على المنزل الباقي. قال سبحانه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول، كما في حديث أنس مرفوعا، وهو في الصحيحة للعلامة الألباني رحمه الله، قال عليه الصلاة والسلام: «ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، القليل الكافي خير من الكثير الملهي، قليل يكفيك أفضل من كثير يلهيك». فلا تغتر بهذا المنزل، الدنيا، ولا يلهيك هذا المنزل عن المنزل الحقيقي. الدنيا ليست منازلنا، ليست الدنيا هي منزل المؤمن، منزل الحقيقي الجنة التي أخرجنا منها. هي دارنا، ليست هذه الدار. الدنيا ليست دارنا، دار الحقيقي الجنة. نحن أخرجنا من الجنة حين أخرج أبونا آدم وأمنا حواء من جنة الله جل وعلا، حين وسوس لهما الشيطان. تلك الدار الحقيقي، وذلك المنزل الحقيقي، أخرجنا منه، وأصرنا إلى هذا المنزل، الدنيا. فليس هو المنزل الحقيقي، وإن منزلنا الجنة. ورحم الله جل وعلا إمام القيم يقول في الميمية: فحي على جنات عدن فإنها منازلك الأولى وفيها المخيم، ولكننا سبي العدو إبليس اللعين. أين الملوك ذوو التجان من اليمن؟ يقول أين الملوك ذوو التجان أصحاب التجان من اليمن، ملوك اليمن الذين ملكوا اليمن؟ وأين هم؟ من أكاليل وتيجان؟ أين قارون وأين هامان؟ أين هؤلاء؟ أين مال قارون الذي كان يجمعه؟ وأين عاد وشداد وقحطان؟ أتى على الكل أمر لا بد له، فحتى أن القوم أو غضي عليهم، فكأن القوم ما كانوا. إذن الدنيا لا يدوم فيها السرور، ولا تدوم فيها الأحزان، ولا شيء يدوم فيها. كل شيء يترحل وتتبدل بالهم والأحزان. دار الهموم والأحزان، هل سرورنا أكثر بالدنيا ولا أحزاننا أكثر؟ حزن أكثر والهم في هذه الدنيا. أنت ربما تفرح بعض الأيام، وما ندري الأيام الأخرى. تفرح بعض أيام الشهر، وأكثر أيام الشهر تصيبها من هنا بلية، ومن هنا وهم، ومن هنا فوات قريب، فوات محبوب، ومرض، وابتلاء. هذه حقيقة هذه الدنيا، دار الآلام، دار التعب، دار النكد. وإذا كان فيها سرور لا يدوم، فأوى لحظات وبعض أيام. فلا تخطر ولا تفرح أن هذا الحال سيستمر بك. لا لأنها لم تطبع على هذا أصلا، لم تطبع على هذا أن تكون دار سرور دائمة. لا، وإنما فيها الهم والحزن، وفيها السرور، وفيها الفعل، الصحة، وفيها المرض، وفيها إلى آخر ذلك. قال رحمه الله تعالى: سجن يضيق بصاحب الإيمان، لكن جنة المأوى. الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في صحيح الإمام مسلم رحمه الله، من حديث أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر». سجن المؤمن بأن المؤمن فيها مبتلى، المؤمن في الدنيا مبتلى بأنواع الابتلاءات، مبتلى في نفسه، مبتلى في ماله، مبتلى في أهله، مبتلى في ولده، مبتلى في عمله، في عبادته، في سائر شؤونه، هو مبتلى. وما يلقاه من الراحة والسرور لأنه من أهل الإيمان. وهل الإيمان هم أسعد أهل الدنيا؟ على خير وعلى اطمئنان وعلى راحة وعلى حياة طيبة؟ فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى. فهم في سعادة. وكما قال سبحانه وتعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾. فالمؤمن في حياة طيبة في هذه الحياة الدنيا. ومع هذا، هذه الحياة الطيبة، وهذه السعادة التي هو فيها، بالنسبة لما هو في الآخرة، لأنه في سجن، لأنها لا تساوي شيئا مقابل ما أعد له في الآخرة من الفرح والبهجة والخير العظيم والنعيم المقيم، لا تساوي شيئا. فهي بالنسبة للمؤمن كالسجن. والكافر في هذه الدنيا يرى نفسه يتنعم، يتنعم بما شاء، لا يمنعه شيء، لا يتقيد بشيء، حلال وحرام. وهذا لا يجوز، وهذا ممنوع، كالبهائم، يسرح ويمرح، ويبني القصور، ويسكن الدور. وهذا بالنسبة له جنة الدنيا. وهذا المنزل جنة بالنسبة للكافر، لأن الذي أعد له في الآخرة من العذاب والنكال، بالنسبة لما هو عليه في الدنيا، هذه جنة الدنيا بالنسبة له. مع أنه ليس بالسعيد الحقيقي، السعادة إنما بالإيمان والطاعة، لكنه يرى نفسه سعيدا. وفي الحقيقة أنه ليس بسعيد، السعيد هو التقي، إنما التقي هو السعيد. والحافظ بن حجر رحمه الله تعالى نقل عنه أنه كان إذا خرج إلى المسجد أو إلى دور العلم، كانت له عربة، كان في ذلك الزمن العربة، وعليها الخيول أمام هذه العربة تجر هذه العربة. والحافظ بن حجر على هذه العربة تجرها الخيول، فمر على يهودي زيات، يعني يشتغل في الزيت. تعلموا أن الذي يشتغل في الزيت يكون الزيت على ثيابه، وربما على وجهه وعلى يديه. فأوقف هذا اليهودي موكب الحافظ بن حجر، وقال له: إن نبيكم يقول: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر»، وانظر أنت الذي أنت عليه، ثياب حسن، وخيول تجرك، وعربة. من السعيد؟ كأنه يقول: ثاني حالي. كأنه يريد أن يكذب بهذا الحديث، أي أنه ليس بصحيح، وليس في محله أن الدنيا سجن المؤمن جنة الكافر. لا، بل أنت مؤمن، وأنت أنت المنعم الآن، وأنا يهودي، وانظر ما علي من الوسخ ومن الزيت. فقال له الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى: أنت وما عليه في هذه الدنيا من هذا التعب، من هذا الضنك، بالنسبة لما ستجد في الآخرة إذا بقيت على الكفر، أنت في جنة. والله أنت في جنة الآن، مقابل ما لك في الآخرة إذا مت على الكفر. وأنا وما تراه علي، هذا بالنسبة لي سجن، لأن النعيم العظيم المقيم في الآخرة أعظم وأعظم. هذا لا شيء. نذكر حتى أن اليهود شهد ونتقى بالشهادتين، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. فإذا الدنيا سجن المؤمن، لأنه مأمور بأمور، ومنهي عن أمحاه عن المنزل الحقيقي. لا يلهينك منزل لعبت به أيدي البلاء، مجالس في الأزمان. فلقد ترحل عنه كل مسرة، وتبدلت بالهم والأحزان. هذا المنزل ترحلت عنه كل مسرات. مهما لقيت في هذا المنزل من مسرات، ومن سرور، ومن حبور، ومن... إلى آخر ذلك، يرحل. لا شيء يبقى في هذا المنزل أبدا. دار الهموم والأحزان، دار الابتلاءات، دار المصائب، دار الفتن. فلا تدوم فيها المسرات، لأنها لا تدوم لأحد. هذا المنزل لا يدوم لأحد. لو كان يدوم لأحد لدام للرسل عليه أفضل الصلاة والسلام. لو أن فيها خلود خلد الرسل. لكن لا خلود فيها، ولا دوام فيها، لأن ليست دار بقاء، وإنما دار بقاء وقرار، وإنما هي دار فناء، دار فناء. فلا تدوم فيها المسرات، ولا الأحزان. فيوم حزن، ويوم فرح، ويوم ضحك، ويوم بكاء، ويوم كذا، ويوم كذا. لا تدوم لأحد. كم قد عاشها من الملوك، وكم قد سكنها من السلاطين، وكم... وكم... ما دامت لهم. لو دامت لغيرك ما وصلت إليك. لو دامت لغيرك ما وصلت إليك. لكن ما دامت لغيرك، ولذلك وصلت إليك. وإلا لو كانت دار دوام لدامت لغيرك من سبقك، ولم تصل إليك. لكن لا تدوم لأحد. الدنيا لا تدوم لأحد، بل تترحل عنها المسرات والسرور. ورحم الله جل وعلا الإمام الشافعي إذ يقول: ولا ترجو السماحة من بخيل، فما في النار للظمآن ماء. ورزقك ليس ينقصه التأني، وليس يزيد في الرزق العناء. ولا حزن يدوم، ولا سرور، ولا بؤس عليك، ولا رخاء. إذا ما كنت ذا قلب قنوع، فأنت ومالك الدنيا سواء. ومن نزلت بساحته المنايا، فلا أرض تقيه، ولا سماء. وأرض الله واسعة، ولكن إذا نزل القضاء، ضاق الفضاء. دع الدنيا تقدر كل حين، فما يغني عن الموت الدواء. فلن لا تدوم. أناس يبكون، وأناس يضحكون، وأناس يمرحون، وأناس في حزن. وهكذا. فلا تدوم فيها السرور والمسرات، ولا الأحزان، متنقلة، لأنها ليست باقية. ورحم الله جل وعلا القائل إذ يقول: لكل شيء إذا ما تم نقصان، فلا يغر بطيب العيش إنسان. هي الأمور كما شاهدتها دول، من سره زمن ساءته أزمان. من سره زمن ساءته أزمان. وهذه الدار لا تبقي على أحد، ولا يدوم على حال لها شأن. سكانها أهل الجهالة والبطالة والسفاهة، أنجس السكان. هذه أوصاف الذين آثروا الدنيا على الآخرة، يذكرها ابن القيم رحمه الله تعالى، يقول: انظر من الذي آثر الدنيا على الآخرة؟ هل هم العلماء؟ من الذي آثر الدنيا على الآخرة؟ هل هم العلماء؟ هل هم الحكماء؟ لا. سكانها أهل الجهالة، الذين آثروا الدنيا على الآخرة، واغتر وا بها، هم الجهال. فأجهل الناس هو الذي يقتر بالدنيا، اقتر بالأموال، واقتر بالقصور، واقتر بالدور، إلى آخره. لأنه جاهل. من حقك هذه الدنيا، ما علم حقك هذه الدنيا. لو علم حقك هذه الدنيا، فلن يقتر بما اغتر به من حطامها الفاني، وزخارفها. لكنه جاهل. وهؤلاء هم أهل السفاهة، ليست عندهم عقول، وليست عندهم حكمة. لماذا خلقت هذه الدنيا؟ ولأجل ماذا؟ فهم أهل جهل، وهم أهل سفاهة، وهم أنجس السكان، ليس بأفضل الناس الذين اغتر وا وآثروا بالحياة الدنيا. تجد الواحد عنده القصور الكثيرة، والعمارات، والأموال، وهو لا يحسن أن يتوضأ، لا يحسن الوضوء كما يتوضأ رسول الله عليه الصلاة والسلام. وعنده المليارات، وعنده العمارات، وعنده القصور، وعنده... وعنده... وهكذا. ربما يجهل بشيء مما يتعلق بأمر الصلاة، والزكاة، والصيام، أو الحج، أو حق الوالدين، أو حق الجار، إلى آخر ذلك. لماذا؟ لأنه اهتم بالدنيا، واغتر بها، وركن إليها، وملأ البطالة. صلى الله عليه وسلم، وذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾. ثم قال: ﴿وَلَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾. ثم قال: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. ثم حقائق القرآن جاهل بحق الله، من التوحيد. تاجر كبير، أو عنده مليارات، ويتمسح بقبر الميت، يأتي إلى قبر ميت من الأموات، ولي من الأولياء، ويأخذ التراب، يتمسح، يجعل على ظهره، وعلى وجهه. جاهل بحق الله جل وعلا، أو يستغيث بغير الله، ويذبح لغير الله، تقربا وتعظيما، أو إلى آخر ذلك، أو يفعل البدع والمحدثات، ذنوبا ومعاصي، إلى آخر ذلك. هذا ألد هؤلاء عيشا. غرهم هذا العيش، والتذ به، وألهاهم عن ذلك النعيم الباقي، والعيش اللذيذ حقا. هذا ألدهم عيشا. هذا أفضلهم، أفضل من آثر الدنيا على الآخرة، هذا هو حاله. وكما قال بعض السلف رحمه الله تعالى: مساكين أهل الدنيا، مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها ولم يذوقوا أحلى ما فيها. لم يذوقوا أحلى ما فيها، وأعظم ما فيها، وهو الإيمان، ذكر الله جل وعلا، والعلم الشرعي. ورحم الله بعض السلف يقول: والله إنا لفي لذة، لو يعلم عنها الملوك أو أبناء الملوك، لجاء لدونها بالسيور. هذه اللذة الحقيقية، لذات التي يكون عندها الإنسان في راحة قلبية، وانشراح، لا يعلمه إلا الله جل وعلا. حتى نون القيم يقول: والله إنه ليمر بالمؤمن لحظات يرقص فيها شوقا وطربا. إذا كان أهل الدنيا على هذا الحال، فهم في نعيم عظيم. هذه اللذات الحقيقية، لذة العبادة. المحروم من حرم لذة العبادة. كثير من الناس يصلون، لكن من الذي يلتد؟ كثير من الناس يصلون، لكن من الذي يلتد؟ يصلي ويخرج، وخرج كما دخل. سبحان الله، ما اللذة بالعبادة؟ ونفس الله يقول: «أرحنا بها يا بلال»، «أرحنا بها يا بلال». إذا حزبه أمر عليه الصلاة والسلام، لأنه يجد اللذة العظيمة. والسلف الصالح كذلك. لكن نحن نسأل الله اليوم العافية، إلا من رحم الله. نفعل العبادات، ندخل في صلواتنا، ونفعل الطاعات والعبادات، وقليل من يشعر بتلك اللذة، لذة الطاعة، ولذة العبادة. هذا من الحرمان، يا عباد الله. وإنما هو بسبب ذنوب ومعاصي، حرمان اللذات، لذات الطاعات، ولذات العبادات، بسبب ذنوب ومعاصي. القلب هذا صار أعمى، من كثرة ما عليه من الذنوب والمعاصي، وما ران عليه. ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. وإن تظهر اللذة، إذن في قلب صار أسود كالكوز مجخيا. فإذن يا عباد الله، اللذات في الدنيا تحصل بطاعة الله، وترك المعاصي. فنسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من أهل الدنيا الذين وفقهم الله جل وعلا للعمل للدار الآخرة. ونقف هنا، ونواصل في درس لاحق إن شاء الله تعالى. وصلى الله وسلم وبرك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.