وصف الجنة من نونية ابن القيم 15

الدرس في وصف الجنة من نونية ابن القيم 15، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

صفة وجوه المؤمنين والكافرين يوم القيامة

يصف المقطعان الأول والثاني وجوه المؤمنين يوم القيامة بأنها بيضاء وناظرة وناعمة، بينما وجوه الكافرين سوداء وباسرة وكالحة. يُظهر الله السمة على وجوه المؤمنين من آثار السجود والتقوى.

نعيم أهل الجنة ومقارنة بحال أهل الدنيا

يتم مقارنة بين حال أهل الجنة وحال أهل الدنيا، حيث يُظهر أن الدنيا دار للبول والغائط والمخاط والعرق والتعب، بينما أهل الجنة يتمتعون بالنعيم والطهارة. يُبين أن حقيقة الدنيا هي دار للفضلات والقاذورات.

الدعاء والصلاة على النبي

ينتهي المقطع الأخير بدعاء الله للتوفيق والصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه. يظهر فيه الرجاء الإلهي والاحترام للنبي وآله وصحابته.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد كان آخر الكلام عند قول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «فصل في صفة أول زمرة تدخل الجنة». وقال رحمه الله: «هذا وأول زمرة فوجوههم كالبدر ليلة الست بعد ثمان، السابقون هم، وقد كانوا هنا أيضا أولى سبق إلى الإحسان». هذه أول زمرة تدخل الجنة، وأول جماعة، وأول فوج على هذا الوصف كالقمر ليلة البدر، كما جاء في الصحيحين وغيرهما، من حديث أبي هريرة وغيره، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أول زمرة تدخل الجنة كالقمر ليلة البدر، ليلة أربعة عشر، ليلة الست بعد ثمان، ليلة البدر على هذا الوصف من الإضاءة والحسن والبهاء والنظارة والجمال». هذه أول زمرة تدخل الجنة هكذا وجوههم. وكما قال عليه الصلاة والسلام: «والزمرة الأخرى كأضوأ كوكب، كأشد كوكب الإضاءة في الأفق، لا يتغوطون ولا يبولون ولا يمتخطون ولا يبسقون، رشحهم أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة، قلبهم على قلب رجل واحد، لا يتباغضون، كل واحد منهم حوريتان، مخ ساقهما يرى من وراء اللحم من الحسن». وهذا كرم عظيم من رب العالمين جل وعلا لهؤلاء، أكرمهم في وجوههم، في مجيئهم، أكرمهم في دخولهم الجنة، كل أحوالهم أكرمهم الله جل وعلا بها، أكرموا في قدومهم، أكرموا في دخولهم، يسلم عليهم ويبشرون، كرامات متتابعة منذ أن يموتوا، منذ أن تخرج أرواحهم من أجسادهم، وهم في كرامات وفي بشارات وفي تهاني، حتى إذا دخلوا الجنة هذا يستمر لا ينقطع. فدعونا نقارن بين وجوه أهل الإيمان هذه التي شرفها الله وأكرمها على هذا الوصف الذي تدخل به الجنة، وبين وجوه أهل الكفر والطغيان، أهل البدع، أهل الكذب، أهل الفجور. فرق عظيم، لا يستويان، وجوه أهل الإيمان وأهل السنة والقرآن والجماعة بيضاء يبيضها الله جل وعلا يوم القيامة، وإن كانت سوداء في الدنيا، سوداء اللون، لأن حقيقة البياض بياض الإيمان، لا بياض اللون. فكم من وجوه في هذه الدنيا بيضاء اللون، اهتم بها أصحابها وجعلها من المحسنات، من المراهم، ومن الأدوية لتكون لامعة وبيضاء، لكن لم يبيضوها بنور الإيمان والتقوى، ما ينفعها، تأتي يوم القيامة على حقيقتها سوداء. وأناس في الدنيا وجوههم سوداء اللون أو سمراء شديدة السمرة، لكن بيضوها بنور الإيمان، فتظهر الحقيقة يوم القيامة، تكون هذه الوجوه بيضاء. أبو لهب وجهه أبيض، بل ما قيل به أبو لهب إلا لهذا اللهب الذي في وجهه، لكنه يوم القيامة أسود الوجه. بلال الحبشي أسود الوجه اللون، ولكنه بيضه بالإيمان، فيبيضه الله جل وعلا يوم القيامة. يقول الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُ وُجُوهٌ﴾، فأما الذين سودت وجوههم «أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون»، وأما الذين بيضت وجوههم «ففي رحمة الله هم فيها خالدون». بيضاء وجوه للإيمان، وسوداء وجوه للكفر والطغيان. وكما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾. هؤلاء الذين يكذبون على الله في الدنيا، يكذبون على رسول الله عليه الصلاة والسلام، هذا ليس بالأمر الهين، الله جل وعلا يسود وجوه الكاذبين يوم القيامة، فتكون سوداء والعياذ بالله. وهكذا وجوه أهل الإيمان، وجوه ناظرة، بهية، حسنة، عليها من البهاء والحسن والجمال الذي لا يتصور، والذي لا يعلمه إلا الله جل وعلا. هذه النظارة سببها النظارة بشرع الله، من نظر نفسه بشرع الله، نظره الله جل وعلا يوم القيامة. والنظارة بشرع الله إلا ما يكون امتثالا لكتاب الله، وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «نظر الله امرأة سمعت مقالتي، ثم أدتها كما سمعتها». فرب مبلغ أو عام سامع، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. دعا له النبي عليه الصلاة والسلام بالنظارة لهذا الذي حفظ كتاب الله وعمل به، وعلمه، وحفظ سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحفظها وبلغها كما جاءت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، من غير كذب، ومن غير تأويل باطل. فهؤلاء ينظرون يوم القيامة، وجوه يومئذ ناظرة، من البهاء والحسن إلى ربها ناظرة، تنظر إلى وجه الله جل وعلا، الذي أعظم النعيم. هكذا وجوه للإيمان عليها النعيم، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾. أكرمهم الله جل وعلا بالرحيق المختوم، قيل هو الخمر، خمر الجنة، ما هو خمر الدنيا، هذا الذي يذهب بالعقول، والذي يجعل إنسانا أسفه من الصبي، ويتصرف تصرفات الهوجاء. خمر الجنة خالي من هذا، يختم بالمسك. وهكذا أكرمهم الله جل وعلا بهذه الإكرامات، فهم على الأرائك، وينظرون إلى وجه الله جل وعلا، وإلى كل نعيم أكرمهم الله جل وعلا بهذه النظرة. وكما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾. قال الحسن البصري: «نظرة في وجوههم، وسرورا في قلوبهم». إذا النظارة في الوجوه البهاء والحسن، والسرور في القلوب، فهم على وجوه ناظرة، وعلى قلوب مسرورة. ولقاهم نظرة وسرورا، وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا، متكئين فيها على الأرائك، لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا، ودانية عليهم ظلالها، وذللت قطوفها تذليلا. ويطاف عليهم بآنية من فضة، وأكواب كانت قواريرا، قواريرا من فضة قدروها تقديرا. يسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا، عينا فيها تسمى سلسبيلا. ويطوف عليهم ولدان مخلدون، إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا. وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا، عليهم ثياب سندس خضر واستبرق، حل أساور من فضة، وسقاهم ربهم شرابا طهورا. إن هذا كان لكم جزاء، وكان سعيكم مشكورا. انظروا هذا النعيم العظيم الذي أكرم الله جل وعلا به هؤلاء الذين تمسكوا بشرع الله جل وعلا في الدنيا، أنفقوا مخلصين لله جل وعلا، لا يريدون السمعة ولا الرياء، ولا فلان تصدق بكذا وكذا من المليارات، وفلان في البنك الفلاني له حساب كذا وكذا جعله للمساكين في بلاد كذا، يريدون بذلك وجه الله. ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾. اللي يدفعهم الخوف من الله جل وعلا، الخوف من ذلك اليوم، أكرم الله جل وعلا بهذا النعيم العظيم. أما وجوه أهل الكفر والطغيان فهي باسرة، كالحة، عابسة، كئيبة، عليها من الخزي ما لا يعلمه إلا الله جل وعلا. ووجوه يومئذ باسرة، قال بعض التابعين من السلف كما عند ابن كثير: «أي كالحة باسرة، أي كالحة عابسة». هكذا وجوه، وجوه يومئذ باسرة، تظن أن يفعل بها فاقرة، تظن بمعنى تتيقن، الظن هنا بمعنى اليقين، تيقنت أن العذاب حاصل، ولا مفر منه، فهي كالحة والعياذ بالله، وعابسة وكئيبة. كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةَ سَيِّئَةٌ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾. سيئة صارت كئيبة، سيئة والعياذ بالله، عابسة، كالح، وجوهها. للإيمان نعمها الله سبحانه وتعالى، وجعلها مصفرة، ضاحكة، مستبشرة. فهذه الوجوه تأتي يوم القيامة مصفرة، عليها الفرح والسرور، وتضحك ضاحكة بفضل الله جل وعلا ورحمته عليها، ومستبشرة بما أعد الله جل وعلا. كما قال جل وعلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُصْفَرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾. وأما وجوه أهل الكفر والطغيان فهي والعياذ بالله غبرة، قترة. كما قال جل وعلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ الْفَجَرَةُ﴾. قارنوا بين وجوه الإيمان، وجوه أهل السنة والجماعة، واستقامة على شرع الله، ووجوه أهل الإيمان وأهل الحق، تمسكوا بشرع الله جل وعلا في هذه الدنيا، نعمها الله جل وعلا، نعمها الله جل وعلا، مرغت هذه الوجوه في التراب ساجدين لله جل وعلا، خاضعين لله جل وعلا، أتعبت هذه الوجوه بالوجه الشرعي في طاعة الله جل وعلا، فنعمها الله جل وعلا يوم القيامة. وجوه يومئذ ناعمة، عليها من النعيم العظيم، لسعيها راضية، في جنة عالية، لا تسمع فيها لاغية، فيها عين جارية، فيها سرر مرفوعة، وأكواب موضوعة، ونمارق مصفوفة. قال ابن عباس: «أي وسائد»، وزرابي مبثوثة، وهي الفرش التي تبسط في جنة الله جل وعلا. أنعمهم الله، نعمهم الله جل وعلا بهذا النعيم العظيم. أما وجوه أهل الكفر والعياذ بالله فهي خاشعة، خاشعة، مخزية، ذليلة، حقيرة، خاشعة، ذليلة، حقيرة، عليها من الخزي ما عليها. كما قال جل وعلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾. شاقية، متعبة، مرهقة، هذه الوجوه عليها يرى التعب والنصب والإرهاق، لأنه كان لغير الله جل وعلا. وهذا يشمل النصارى الذين ابتدعوا في دين الله جل وعلا، وتعبوا وشقوا ونصبوا في غير موافقة شرع رب العالمين جل وعلا، ويدخل فيهم أهل البدع، كما قاله العلماء، من الذين ابتدعوا في هذه الدنيا، ربما يقومون الليل كله أو أغلبه، لكن في غير موافقة الشرع، في البدع والمحدثات، في صلوات محدثة، في أذكار محدثة، في سفر من هنا إلى هنا، وتنقل وتعب، صرف أموال، تعب ونصب، يظهر على الوجوه يوم القيامة، في غير مرضاة الله جل وعلا، وبغير المتابعة والموافقة لهدي رب العالمين جل وعلا، فيعذبون ناصبة، تصلى نارا حامية. والله المستعان. لماذا؟ لأن هذه الأعمال لا تنفع. قل: ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾. ضلت هذه الأعمال ولم ينتفعوا بها. فهكذا وجوه أهل الكفر يوم القيامة والعياذ بالله، وجوه أهل الإيمان كذلك. جعل الله جل وعلا السمة عليها، جعل السمة عليها آثار السجود على تلك الوجوه التي بارك الله جل وعلا لأصحابها، تشرفوا بهذه السمة على وجوههم من آثار السجود. كما قال جل وعلا: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيُغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾. أعظم هؤلاء الذين تظهر عليهم السمة يوم القيامة أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكن شرفهم الله جل وعلا بصحبة النبي عليه الصلاة والسلام، فأظهر تلك السمة على وجوههم، رغم أنوف الروافض، رغم أنوف الروافض، رغم أنوف الروافض. ولو كررتها مئات المرات لا حرج في ذلك، وإنما ذلك شيء يتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى، الذين يسبون أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، ويطعنون فيهم، ويطعنون في أهل السنة والجماعة، عليهم من الله ما يستحقون. فإذن وجوه أهل الإيمان عليها السمة، ووجوه أهل الكفر عليها السمة، سيماء السواد عليها السواد. قال جل وعلا: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾. هذه النواصي الكاذبة في الدنيا، هذه النواصي الخاطئة في هذه الدنيا، التي كذبت على الله جل وعلا، وكذبت شرع الله جل وعلا، هذه النواصي تظهر عليها السمة يوم القيامة. قال ابن كثير: «لنسفعا بالناصية»، أي: لنسمن وجوههم بالسواد. فوجوههم تسود بالسواد، فيكون السواد سيماء، سيماء على وجوههم ظاهر. هكذا قارن الله جل وعلا بين وجوه للإيمان، ووجوه أهل الكفر والطغيان. وذلك قال ابن القيم: «هذا وأول زمرة فوجوههم كالبدر ليلة الست بعد الثمان». كما سبقنا في الحديث قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يمتخطون، لا يتغوطون، لا يبولون». الآن نقارن بين حال أهل الجنة في الجنة، حال أهل الآخرة، وحال أهل الدنيا. الدنيا دار الغائط، ودار البول، ودار المخاط، ودار البصاق، ودار العرق، هذه حقيقة الجنة، إن أنصفنا مع أنفسنا، لا نكذب على أنفسنا، ولا نضحك على أنفسنا، هذه حقيقة هذه الدار، كما جاء في شرع رب العالمين جل وعلا، حقيقتها دار بول وغائط وبصاق ومخاط وعرق وتعب وهم وحزن. وأهل الإيمان الحمد لله مع هذا، هذا شيء مقدره الله جل وعلا، لكنهم على سعادة. لكن أولئك الذين عرضوا واغتروا بأموالهم واغتروا بتجاراتهم، نقول: ما معك إلا بول وغائط، إيش معك؟ معك إلا بول وغائط ومخاط وبصاق. يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء عند الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مسنده، من حديث أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه، والحديث في الصحيح المسند لشيخنا العلامة الوادعي رحمه الله، والعلامة الألباني في الصحيحة، قال عليه الصلاة والسلام: «إن مطعم ابن آدم قد ضرب للدنيا مثلا، فانظر إلى ما يخرج من ابن آدم». فانظر إلى ما يخرج من ابن آدم، وإن قزحه وملحه، قد علم إلى ما يصير، هذه اللحوم التي تملح وتقزح نعم، بهذه الحاجات، وإلى آخر ذلك، وتوكل. وهذه المشروبات اللذيذة على شتى أصنافها وألوانها، والتفاح والبرتقال والرمان والزيتون، إيش النهاية؟ النهاية أنت تعرف، انظر للخروج بعد ذلك، انظر إلى الدخول، وانظر إلى الخروج، لا تنظر إلى الدخول وتغفل عن الخروج، لا، انظر إلى الدخول، وانظر إلى الخروج، من أين يخرج؟ من فمك يخرج غائط وبول، يخرج غائط وبول، وعرق ومخاط وبصاق وتفال، هذه حقيقة الدنيا، هذه هي حقيقة الدنيا، كما بينها هل هناك مثل أخرج من هذا المثل للدنيا؟ ماذا يريد بعد ذلك الإنسان؟ هذا المثل أخرج ما بقي به الدنيا، أن هذه حقيقتها، هذه الأشياء القذرة التي إذا دخلت تخرجها، ربما ما استطعت من رائحتها، جعلت سبعيك على أنفك، وهذا البول الذي تخرجه، وهذا المخاط يتأذى منه، وهذا العرق يتأذى منه الناس. هكذا تجلى قيل في ملك من أعظم ملوك الدنيا: لو احتبس عنك الغائط ولم يخرج، ماذا تدفع؟ قال: نصف مالي. وأعظم ملك في الدنيا قال: وإذا احتبس البول، قال: النصف الآخر. إذن مالك بول وغائط، ما يكفي إلا للبول والغائط، لإخراج البول، لإخراج الغائط، هذا مالك الحق، ما يكفي إلا للإخراج. هذا فالإنسان يعتبر هذه حقيقة الدنيا، والناس اليوم يتقاتلون ويتهاجرون لأجل هذا البول والغائط والمخاط والبصاق، نسأل الله العافية والسلام. فالإنسان عليه أن يعرف حقيقة هذه الدنيا، ويعطيها قيمتها التي جعلها لها الشرع، ولا يغتر. ونكرر ونكرر: ليس المقصود حين يتكلم العلماء عن ذم الدنيا، ذم الدنيا مطلقا، أن الإنسان يطلع الجبل هناك، ويترك الناس، ولا يشرب الشراب الطيب، ولا يأكل، لا، لا، ولا يلبس اللباس الطيب، لا، لا. المدن تعرف حقيقتها، وتأخذ نصيبك على الحد الشرعي، لا إسراف ولا تضييع، ولا بطر ولا أشر ولا كبر، هذا هو المراد. فإذن: لا يبسقون ولا يمتخطون ولا يبولون، وأمشاطهم الذهب، الذهب محرم على الناس في الدنيا، أكرمهم الله جل وعلا في الجنة بحل ذلك. ومن لبسه في الدنيا حرمه يوم الآخرة، بعض الناس اليوم مثل الذهب العافية، تجد على أصابعه خاتم الذهب، تقول: يا فلان ما يجوز، مثل حرم هذا، وهذا المسكين يحرم نفسه يوم القيامة، الذي يلبس الحرير في الدنيا من الرجال، والذهب كذلك يحرم ذلك، والذي يشرب من خمر الدنيا يحرم خمر الآخرة، لا تورث الأدنى على الأعلى، بل ما هو أدنى هو محرم والعياذ بالله، وقبيح، خمر الخبائث، ما حرم الله جل وعلا شيئا إلا وليس فيه خير للناس. فإذا أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، العرق هذا الذي يخرج، وم القيامة مسك، أما اليوم تعرفون كيف هو رشح جنة مسك، كيف هذا المسك، كيف رائحته، لا يعلمه إلا الله، ما في طيب مثل الدنيا، أفضل طيب في الدنيا ما يساوي شيئا، ما يشترك مع ذلك الطيب الذي في الآخرة والمسك إلا في الاسم، يتشرف بمشاركته في الاسم فقط، هذا طيب ومسك، وهذا طيب ومسك، ما في فرق ما بينهما شيء. نعم بينهما اشتراك في الاسم بس فقط، كما قال ابن عباس: ما في الدنيا ما في الآخرة، ما بينهما في الاشتراك إلا في الأسماء، تفاح تفاح، رمان رمان، طيب طيب، مسك مسك، زيتون زيتون، طيب كيف مثله؟ في مقارنة في الاشتراك في الاسم، أما الطعم وأما الكيفية وأما الوصف، هذا لا يعلمه إلا الله. ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. بقي معنا البيت الثاني في هذا الفصل السابقون، ونذكر حال السابقين، وما أعد الله لهم في جنات النعيم، في الدرس اللاحق إن شاء الله تعالى، إن بقي يوم من رمضان، وإن خرج الشهر 29، فالحمد لله. نسأل الله أن يعيننا ويوفقنا لكل خير، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.