وصف الجنة من نونية ابن القيم 5

الدرس في وصف الجنة من نونية ابن القيم 5، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

عمارة الدنيا والآخرة

يتناول المقطع تحذير الإمام ابن القيم من الغفلة عن عمارة الآخرة مع الانشغال بعمارة الدنيا، ويوضح أن عمارة الآخرة تتمثل في عمارة المساجد بالإيمان والعلم والذكر. يشدد على أن التطاول والإسراف في عمارة الدنيا مذموم.

خطورة تفضيل الدنيا على الآخرة والعقاب

يشرح المقطع خطورة تفضيل الدنيا على الآخرة، ويحذر من الاغترار بالأماني والتمسك بالدنيا، ويبين أن ذلك يؤدي إلى سخط الله وحرمان رضوانه، بينما يسعى المؤمنون لرضا الله مهما كانت النتائج.

تحذير من الاغترار بالأماني والدنيا

يُنبه المقطع إلى خطورة الاغترار بالأماني وعدم العمل الصالح، ويحذر من صفة المنافقين الذين يغترون بالأماني، ويشير إلى أن الاعتزاز بالدين هو مصدر العزة الحقيقية بينما الاعتزاز بالدنيا يؤدي إلى الذل والهوان.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فيقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في نونيته: «عمرت بهم هذه الديار وأغفرت منهم ربوع العلم والإيمان»، يذكر رحمه الله تعالى ما عليه المُؤثرون لهذه الدنيا على الآخرة من عمارة، وهي عمارة هذه الدنيا والغفلة عن عمارة الآخرة، فعمروا الدنيا وتركوا عمارة الآخرة العمارة النافعة. عمرت بهم هذه الديار، أي الدنيا، عمرت بهم، بنوا فيها القصور وشيدوا فيها الدور، وبنوا فيها البنايات، تفننوا فيها، افتتنوا بها، زخرفوها، لونوها، شكلوها، ربما كل سنة بلون وبديكور، همهم هذا عمارة هذه الدنيا، عمارة الدور وعمارة القصور، يصبحون ويمسون على هذا، يفكرون في هذا، كيف يعمرون في هذه الدنيا؟ هذه العمارة فعمرت بهم هذه الديار، هذه العمارة، وتركوا عمارة الآخرة. ربوع العلم والإيمان أغفرت منهم، لا تجدهم في المساجد، لا تجدهم في دور العلم، في حلقات العلم، في طلب العلم، لا تجدهم في أماكن الخير متواجدين، باذلين، متعاونين، حاضرين، وإلا هم عند قصورهم ودورهم، وعند عماراتهم، وعند تجاراتهم، وعند بناياتهم، عمارتهم في هذه الأماكن، عمروا هذه الأماكن أعظم العمارة، حسا ومعنا، حسا بالبناء والتشييد، ومعنا بالتواجد والحضور، أين فلان؟ يده عند العمارة، خاف مكان، لا أكيد مئة في المئة في العمارة، عند العمارة، عند القصر، وإلا فلان عند في متجره، ما في مرة في المسجد، ما في مرة في ربما في حلقة علم، لأن هذه عمارته دائما، تواجدهم في هذه الأماكن، لا يتخطون هذه المواضع إلا من رحم الله. فأخفرت منهم ربوع العلم، مساجد من العمارة، العمارة المعنوية، منهم من ربما عمر المساجد العمارة الحسية، لكن هذه ليست هي المقصود والمأمور بها، تشييد المساجد وزخرفة المساجد، من هي؟ يعنون المراد بالعمارة، عمارة المساجد بالإيمان والعلم والذكر، هذه العمارة المأمور بها، إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله، فأولئك عسى أن يكونوا من المهتدين، هؤلاء هم أهل العمارة الحقيقية، عمر المساجد بالإيمان والعلم وإقام الصلاة والدعوة، هكذا هي العمارة النافعة. أما العمارة الدنيوية، فالله المستعان، كم من الناس، بل كثير من الناس عمروها، وليست بحرام أن يبني الإنسان له بيتا أو دارا ويعمر بيتا ودارا، غير مذموم، لكن المذموم التطاول، تكلف والزيادة، توسع، قد جاء في الحديث في أشراط الساعة: «يتطاولون في البنيان»، هذا فيه شيء زائد عن المشروع، وإما لا شك أن الإنسان يريد دارا، يريد بيتا نظيفا جميلا، لكن لا يخرج إلى حد الإسراف والزيادة، يتوسع همه بناء دار بعد دار، يشيد دارا بعد دار، بعد دار، وهكذا، فالحذر الحذر من عمارة هذه الدنيا. فابن القيم الحمد تعالى يبين صنف هؤلاء المؤثرين لهذه الدنيا على الآخرة، وهو يحذر يحذر من الانشغال بعمارة هذه الدنيا والغفلة عن عمارة الآخرة، وقوله هنا: «وأغفرت» يعني خلت، في مختار الصحاح: «أغفرت الدار أي خلت»، وأغفر الرجل إذا عدم من الأدم، يعني من الإدام، وفي حديث النبي عليه الصلاة والسلام حين دخل على أم هانئ رضي الله تعالى عنها، والحديث في صحيح العلامة الألباني رحمه الله، قال: «هل عندك شيء؟» قالت: «لا إلا كسيرات يابسات»، إلا كسيرات يابسات وخل، فقال عليه الصلاة والسلام: «ما أغفر من أدم بيت فيه خل»، ما أغفر من أدم، يعني من إدام بيت فيه خل، أي مدام من الخل موجود، فما أغفر هذا البيت من أدم، فيه أدم ما خل، وهذا فيه ذكر هذا وهو الخل، وقد أثنى النبي عليه السلام وامتدحه، وهو من شيء طيب الذي يؤتدم به. قد جاء في مسلم: «أهل جابر لما دخل مسلم على أهله»، قال عليه الصلاة والسلام: «هل عندكم من شيء؟» قالوا: «عندنا خل»، فدعا به عليه السلام وجعل يأكله ويقول: «نعم الأدم الخل، نعم الأدم الخل»، كما قال في التمر: «نعم سحور المؤمن التمر»، وهذا من الثناء، الشاهد في قوله: «أغفرت» يعني خلت، فالمساجد خلت من أمثال هؤلاء المعمرين للدنيا. والله جل وعلا قدم المعمرين في المعمر للدنيا، قال جل وعلا: «وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون»، هؤلاء هم أسلاف هؤلاء، دمهم الله جل وعلا، أثاروا الأرض وعملوا فيها وانهمكوا فيها وانشغلوا بها وعمروا فيها، كذلك تعمير العمري، يعني بأعمارهم عاشوا فيها أزمانا عديدة، وهذا يشمل عمارتهم لهذه الدنيا، فانشغلوا عن طاعة الله جل وعلا، جاءتهم الرسل، جاءتهم رسلهم بالبينات، لكن لم يستجيبوا ولم يمتثلوا ولم يأخذوا بما جاءتهم به رسلهم، ركنوا إلى هذه العمارة إلى عمارة الدنيا، فجاءهم العذاب من الله جل وعلا، ما ظلمهم الله، فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، ظلموا أنفسهم لأنهم شغلوا بهذه العمارة عمارة الدنيا وغفلوا عن عمارة الآخرة، ولذلك عاقبهم الله جل وعلا، وهذا فيه ذم لمن كان همه عمارة هذه الدنيا. قال رحمه الله تعالى: «قد آثروا الدنيا ولذة عيشها الفاني على الجنات والرضوان»، آثروا الدنيا على الآخرة، كما قال جل وعلا: «بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى»، فهل آثروا هذه الدنيا قدموها على الآخرة؟ ولذلك لأجلها يوالون ويعادون، ولأجلها يتصادقون ولأجلها يتحابون، ولأجلها يتباغضون، لأنهم آثرواها، آثروا هذا النعيم الفاني واللذة الزائلة على الباقي في جنات الله جل وعلا، وآثروا الدنيا على رضوان الله جل وعلا، فآثروا هذه الدنيا والعياذ بالله، ولذة عيشها الفاني على الجنات العظيمات والرضوان الذي أعظم من نعيم الجنة، لما آثروا الدنيا سخط الله جل وعلا عليهم، لأن من انشغل بعمارة الدنيا وآثروا الدنيا على الآخرة، هل يسخط ربنا جل وعلا عليه؟ فلذلك يحرم رضوان الله جل وعلا الذي هو من أعظم النعيم، كما جاء في الصحيح: «حتى يأتي أهل الجنة وهم في الجنة يأتيهم ربنا جل وعلا فيقول لهم هل أزيدكم؟ فيقول لهم: ماذا على هذا من زيادة؟ ألم تدخلنا الجنة؟ ألم تبيض وجوهنا؟ فيقول لهم: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا»، إذن هم في الجنة في نعيم عظيم، وهناك نعيم أعظم زيادة على هذا النعيم وأفضل، وهو رضوان الله جل وعلا، وذلك قال جل وعلا: «ورضوان من الله أكبر»، ورضوان من الله أكبر، بمعنى أعظم من كل شيء وأكبر من كل شيء، ومن أعظم النعيم وأعظم من هذا رؤية رب العالمين جل وعلا في الجنة، فهذا هو أعظم النعيم، ولا أعظم منه أعظم النعيم نعيم رؤية رب العالمين، ومن أعظم النعيم أن يحل الله جل وعلا رضوانه على عبده. فهؤلاء سخط الله جل وعلا عليهم، لماذا؟ لأنهم إذا آثروا الدنيا وانشغلوا بعمارة الدنيا، فسيكون رضاهم وسخطهم لأجل الدنيا، يرضون لأجل الدنيا ويسخطون لأجل الدنيا، ليس لأجل الله، فإذا أعطوا من الدنيا وأعطاهم أحد رضوا عنه، فهو صاحبهم وهو صديقهم، وإذا منعهم أحد سخطوا عليه، لأنهم آثروا الدنيا وعمارة الدنيا على الآخرة، فصاروا عبيدا للدنيا، عبيدا للدنار والدرهم، للخميصة والخميلة، الرضا عند الإعطاء والسخط عند المنع. صدق الرسول الله عليه الصلاة والسلام يقول كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلن تقوم، إذا أعطي رضي وإن لم يعط سخط»، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، إن كان في الساقة كان في الساقة، وإن كان في الحراسة كان في الحراسة، لماذا؟ لأنه آثر الآخرة على الدنيا، همه الثواب من الله جل وعلا، وهمه رضوان الرحمن وعلا، لا يبالي في أي موضع كان، ما دام أنه في نصرة دين الله جل وعلا، وما دام أنه في طاعة، مش مهم أن يقول: «أنا كيف تجعلونني في هذا الموضع؟ أما تعلمون من أنا؟ أنا فلان ابن فلان، أنا الذي كذا وكذا، أنا الذي كذا وكذا»، لا يبالي، لا ينظر إلى هذه المناصب، ولا هذه المسؤوليات، همه نصر الدين الله جل وعلا ورضوان الرحمن، ماذا من الله جل وعلا يرضى عنه بهذا الفعل، ولا يبالي بخلاف الموثرين للدنيا، إنما يكونون معك إذا جعلت لهم المناصب والمسؤوليات: «كيف أذهب معكم؟ تجعلون في هذا المكان؟ لا، ما أذهب، أنا موضعي هناك»، لا، الذين آثروا الآخرة على الدنيا لا ينظرون إلى هذه الشكليات، لا ينظرون إلى هذه الشكليات. فإذا رضا الموثرين للدنيا على الآخرة لأجل الدنيا، وسخطهم كذلك لأجل الدنيا، ولذلك الله جل وعلا يسخط عليهم، قال نبيه عليه الصلاة والسلام: «من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس»، وهذا حاصل واقع الذين آثروا الدنيا وهمهم الدنيا، وأهمهم عمارة هذه الدنيا، هذا الميزان عندهم الرضا والسخط لأجل الدنيا. ولذلك قال الحمد تعالى: «قد آثروا الدنيا ولذة عيشها الفاني على الجنات والرضوان»، أما المؤمن في أيسعى في مرضات الله، قال جل وعلا عن موسى: «وعجلت إليك ربي لترضى»، قال عن سليمان، قال جل وعلا في كتابه الكريم: «فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين»، أنبياء الله جل وعلا همهم رضا الله جل وعلا، وأخذ أتباع الأنبياء، مدى من الله جل وعلا يرضى، ولو سخط الناس، لا تنظر إلى سخط الناس، مدام أنت في رضى الله جل وعلا، قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن، إذا سخطوا عليك وأنت قد أرضيت الله، قلوبهم بيد الرحمن، سيغير هذه القلوب ويجعلها راضية رغم أنوفهم، لأنك طلبت رضى الله، ولو بسخط الناس. قال رحمه الله تعالى: «صاحبوا الأماني وابتلوا بحظوظهم ورضوا بكل مذلة وهوان»، صاحبوا الأماني الذين آثروا الدنيا وعمارة الدنيا، الأماني غرتهم، الأماني غرتهم، والأماني رأس مال المفاليس، الأماني رأس مال المفاليس، عندهم آماني وعندهم آمال طويلة: «سأفعل كذا وأفعل كذا وأفعل كذا»، وبعدها سهل، الدنيا طويلة، وباب التوبة مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها، وما لم يغرغر، أماني يمني نفسه بأن يبقى على هذا الحال، والأمر فيه فسحة، والآن الواحد ينتبه لنفسه، كما يقال: «المهم أخبط من هنا وأخبط من هنا وأدخل المال من هنا ومن هنا، غض النظر، من حلال من حرام، وبعدها سهل، الدنيا طويلة»، أماني من الشيطان، عياذ بالله، الاغترار بالأماني، السن يحذر من أن يغتر بالأمان: «لا تغتر يا عبد الله بالأمان»، يقال لك: «اتق الله يا فلان، أقصر يا فلان، كفاك، إن الله غفور رحيم»، هذه آمان وآماني، رجاء في غير محله، الله غفور رحيم، لكن أين الأسباب؟ الله غفور رحيم، وأنت مصر على المعاصي، وأنت مقيم عليها، وأنت مستمر عليها، والله غفور رحيم، نعم، والله شديد العقاب، فإذا هذه الآماني. والله جل وعلا قدم المغترين بالأماني، بل هي صفة من صفات المنافقين، والعياذ بالله، الاقترار بالأماني صفة من صفات المنافقين، يفضحهم الله جل وعلا يوم القيامة، قال جل وعلا: «يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم، قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا، فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، ينادونهم ألم نكن معكم، قالوا بلى ولكن لكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور»، غرتهم الأماني، افتتنوا وارتابوا وتربصوا، والعياذ بالله. فالحذر الحذر من الاغترار بالأماني، كثير من الناس اليوم على هذه الأماني، وعلى هذه الأماني، ورحم الله ابن الوردي إذ يقول في لاميته: «وقصر الآمال في الجنة تفز، فدليل العقل تقصير الأمل»، قصر الآمال في الدنيا تفز، فدليل العقل تقصير الأمل، هذا العقل دليل وجود العقل عند الإنسان، أنه يقصر أمله في الدنيا، لا تظن أنك ستعمر فيها كذا وكذا وكذا، وأنك لا، قصر الأمل، قل: «ما معي في الدنيا إلا ساعة»، ما معي في الدنيا إلا لحظات، لا تظن نفسك أن لك فيها كذا، وما حصلته بعد، ولك كذا إلى آخر آمال، والإنسان مسكين يظن نفسه على أنه سيتحصل على آمال وأماني، ولا يتحصل عليها. وذلك جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في البخاري، عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه وارضاه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا مربعا، وخط في وسط هذا الخط في الوسط خطا خارجا منه، وخط خطوطا صغارا بجانب الخط الذي في الوسط»، هكذا كما فهمه بعض الرواة، بعض النسخ، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا الإنسان، وهذا أجله محيطا به أو قد أحاط به، وهذا الخط الخارج من الوسط هو أمله، وهذه الخطوط الصغار هي أجله»، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا، ما يستطيع أن يفر، إذا فر من العرض الأول صادفه الثاني، إذا فر صادفه الثالث، وهذا وهذا حقيقة الإنسان، كما بينه النبي السلام في هذه الدنيا، الأجل معدود، لا يستطيع أن يخرج عنه، محدود، وعنده أماني، ربما الأجل هنا ينتهي، والأمان إلى ما أدري بعد آلاف كيلو مترات هناك، الأمل هناك، وخط الأجل هنا، ويؤمل إلى هناك. قد جاء في الحديث الضعيف، لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن معناه صحيح: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني»، حديث ضعيف، لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، قد ضعفه العلامة الألباني في ضعيف الجامع، وغيره وغيره من أهل العلم، لكن معناه صحيح، الكيس الفطن العاقل هو الذي يعمل ويحاسب نفسه ويدين نفسه لما بعد الموت، ما هي الدار التي يسكنها؟ وما هو الزاد؟ تزود، فعين خير الزاد التقوى، ليس للمرء دار بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنيها، فحاسب نفسك يا عبد الله، دان نفسك، حاسب نفسك، لا تكون من العاجزين، ولا تتبع نفسك هواها، كلما أرادت قل: «سمعا وطاعة، لبيك لبيك»، لا، لا تتبع نفسك هواها، النفس أمارة بالسوء، إن النفس لأمارة بالسوء، فاحذر من هذه النفس تغرك وتحدثك بالأماني الزائفة، هذه النفس الأمارة إنما تأتي بهذه الأشياء، ولا تكن من العاجزين الذين يتمنون على الله الأماني: «يريد كذا ويريد كذا ويريد كذا». فالحذر الحذر من الاغترار بالدنيا، ومن هذه الأماني الزائلة الفانية، وذلك قال رحمه وتعالى: «وابتلوا بحظوظهم»، ابتلوا ابتلاء عظيما بهذه الدنيا، وبهذه الأماني، وبهذه الحظوظ، شغلتهم التجارة واللهو، هذه الدور والقصور إلى آخر ذلك، فابتلوا بها ابتلاء عظيما، ورضوا بكل مذلة وهوان، هم في ذل وهوان، لا يبالون، مدام أنهم سيعطون الدنيا سهل، ولو أذلوا، ولو أهينوا سهل، لماذا؟ لأنهم آثروا الدنيا والاغترار بها، فما كانت عندهم العزة لأنفسهم، كانت عندهم المذلة والهوان، هانت عليهم أنفسهم. وانظروا الآن كيف تسلط أعداء الإسلام على هذه الأمة، تسلط عليها تسلطا عظيما، لأنهم آثروا الدنيا وركنوا إليها، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ستدعى عليكم الأمم كما تدعى الأكلة على قصعتها»، قالوا: «من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟» قالوا: «أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من صدور عدوكم منكم، ويلقي في قلوبكم الوهن»، قالوا: «وما الوهن يا رسول؟» قالوا: «حب الدنيا وكراهية الموت»، صاروا معتزون بالدنيا، غير معتزون بدينهم، وإذا حصل هذا فلا تسل عن الذل والصغار. ورضي الله عن عمر حيث قال: «كنا أذلاء فأعزنا الله بهذا الدين، فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله»، فالذل والهوان بعدم الاعتزاز بالدين، ومن أسباب عدم الاعتزاز بالدين الاعتزاز بالدنيا والاغترار بها والركون إليها، فالحذر الحذر، نكف بهذا، ونكمل في درسنا اللاحق إن شاء الله تعالى، صلى الله وسلم وبرك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.