الدرس في وصف الجنة من نونية ابن القيم 9، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يصف إمام القيم الجنة وما أعد الله فيها لأوليائه، ويشدد على أهمية الإخلاص والمتابعة لرسول الله. أهل الجنة طيبون في أقوالهم وأعمالهم وقلوبهم.
الجنة دار النعيم الباقي الذي لا يفنى، ونعيمها طيب ومستمر. الخلود في الجنة ونعيمها الأبدي مثبت بنصوص الكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح.
المقطع يتضمن الدعاء بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ويعبر عن التبرك والاحترام للنبي محمد.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، يقول إمام القيم رحمه الله تعالى: فصل في صفة الجنة التي أعدها الله ذو الفضل والمنة لأوليائه المتمسكين بالكتاب والسنة. فهو سيذكر في هذا الفصل رحمه الله ما أعد الله جل وعلا لأوليائه وعباده الصالحين الذين تمسكوا بكتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، والتزموا هدي السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم. قال رحمه الله: «فاسمع إذن أوصافها وصفاتها، فيك المنازل ربة الإحسان، هي جنة طابت وطاب نعيمها، فنعيمها باق وليس بفان، دار السلام، وجنة المأوى، ومنزل عسكر الإيمان والقرآن، فالدار دار سلامة، وخطابهم فيها سلام، واسم الله الغفران». يقول رحمه الله تعالى: «فاسمع إذن أوصافها» يا من يريد أن يسمع أوصاف الجنة وما أعد الله جل وعلا في جنته. اسمع، فهو يدعو كل أحد أن يسمع أوصاف الجنة؛ لأنه إذا سمع أوصاف الجنة وما أعد الله جل وعلا فيها من النعيم المقيم، فذلك من أعظم ما يشد همته في الإقبال على الله جل وعلا والمسابقة والمسارعة والمبادرة بالتوبة. قال: «هي جنة طابت وطاب نعيمها»، هي جنة طابت؛ الجنة طابت، طيبة، وذلك لأنها كانت دار الطيبين. الجنة طابت؛ كل شيء فيها طيب، كل شيء فيها طيب، مساكنها طيبة، أشجارها طيبة، وكل ما أعد الله جل وعلا فيها فهو طيب. كما قال جل وعلا: ﴿وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن﴾، مساكن طيبة في جنات عدن. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة﴾، ومساكن طيبة. فمساكن الجنة طيبة، وهي طوبى التي دعا إليها رسول الله عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة ترد في الصحيحين. «طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله»، كان في الساقة، كان في الساقة، وإن كان في الحراسة كان في الحراس. وجاء في حديث أبي سعيد الخدري في المسند وغيره، وهو في الصحيحة للعلامة الألباني رحمه الله، قال عليه الصلاة والسلام: «طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني». وفي حديث أبي أمامة كذلك، عند بعض السنن، وفي الصحيحة للعلامة الألباني رحمه الله، قال عليه الصلاة والسلام: «طوبى لمن آمن بي» طوبى لمن آمن بي، لمن رآني وآمن بي، وطوبى سبع مرات، وطوبى سبع مرات لمن لم يراني وآمن بي. وطوبى كما جاء في الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال، كما في حديث سعيد الخدري: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب تحت ظلها مئة عام لا يقطعها». وخارج الصحيح في المسند وغيره، قال عليه الصلاة والسلام: «طوبى شجرة في الجنة يسير الراكب تحت ظلها مئة عام لا يقطعها، يخرج من أكمامها ثياب أهل الجنة»، يخرج من أكمامها ثياب أهل الجنة. فالجنة طابت، طابت لأهلها، وتزينت لأهلها، وأعدت نفسها لأهلها بأمر الله جل وعلا، فهي مهيئة ومعدة، وكذلك تعرضت لأهلها الذين هم أهل لها، وهم الطيبون. طوبى للطيبين الذين طابت اعتقاداتهم، فكانت اعتقاداتهم طيبة، اعتقدوا الاعتقاد الطيب في الله جل وعلا، وفي ملائكته، وفي كتبه، وفي رسله، وفي اليوم الآخر، وفي القدر، اعتقاداتهم طيبة فيما يتعلق بحق الصحابة، بحق آل البيت، بحق من أوجب الله جل وعلا الحقوق. فاعتقاداتهم كانت طيبة موافقة لكتاب الله جل وعلا، وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، مثل ما كان عليه السلف الصالح. فإن آمنوا بمثل ما آمنوا به فقد اهتدوا. فإذن الجنة طوبى للطيبين الذين طابت اعتقاداتهم، الذين طابت أعمالهم، وطابت أقوالهم. أعمالهم طيبة موافقة لشرع الله جل وعلا، فيها الإخلاص لله جل وعلا، والمتابعة لرسول الله عليه الصلاة والسلام. ولا يكون العمل طيبا إلا إذا كان فيه الإخلاص والمتابعة، وإلا فهو خبيث، البدع خبيثة، نتنا، لماذا؟ لأنها لا متابعة فيها للنبي عليه الصلاة والسلام، ليست بطيبة، بل هي خبيثة. الشرك خبيث، البدع خبيثة، ليست بطيبة. الأعمال الطيبة، الأذكار الموافقة لرسول الله عليه الصلاة والسلام، والأعمال الموافقة للنبي عليه السلام، هذه الأعمال الطيبة التي ترفع إلى الله جل وعلا، والتي يتقبلها الله جل وعلا، والتي يعد جل وعلا لأصحابها طوبى، وهي الجنة. أما البدع والمحدثات فهذه خبيثة، مردودة على أصحابها. «إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه»، هذا الذي يصعد إلى الله جل وعلا، وهذا الذي يرفع، ولا يرفع إلا الطيب. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ولا يرفع إلى الله إلا الطيب»، هذا الذي يرفع، وهذا الذي يتقبل، الكسب الطيب، العمل الطيب، المؤمن بالكتاب والسنة، هذا هو الذي يرفع وينفع صاحبه، ويتقبله الله جل وعلا. أما الأعمال المخالفة، والبدع والمحدثات، هذه مردودة، ليست بطيبة، خبيثة ومردودة على أصحابها، ولا ترفع إلى الله جل وعلا. الجنة طوبى لأصحاب الأقوال الطيبة التي كانت أقوالهم طيبة، لا يقولون ألفاظ الفحش من القول، وإنما أقوالهم طيبة، كلام طيب، ليس في كلامهم لعن، ولا سب، ولا شتم، ولا كلام بذيء، أقوالهم طيبة. طابت أسماعهم عن الحرام، أسماعهم طيبة، لا تسمع إلا الطيب الذي يرضاه الله جل وعلا من الأقوال، يسمعون القرآن، ويسمعون الذكر، ويسمعون الخير، لا يسمعون الباطل، ولا يشهدون الزور، ولا يقولون الباطل. أقوالهم طيبة، ألسنتهم طيبة، لا يخرج منها إلا الكلام الطيب، الكلام الحسن الذي يرضي الله جل وعلا. وأسماعهم كذلك، وأبصارهم كذلك، لا تنظر إلا إلى الطيب الذي يرضي الله جل وعلا، فكانت أسماعهم طيبة، وكانت أبصارهم طيبة، وكانت ألسنتهم طيبة، وكانت قلوبهم طيبة. القلوب طيبة، لم تحمل الحسد، والحقد، والغل، والشحناء، والبغضاء. قلوبهم كانت طيبة، فكانوا أهلا لطوبى. إذا أردت يا عبد الله أن تكون أهلا لطوبى، للجنة، فاجعل أقوالك طيبة، وسمعك طيبا، وبصرك طيبا، وقلبك طيبا، وجوارحك طيبة. كن طيبا في جميع أمورك؛ لأن الله جل وعلا هو الطيب، الله جل وعلا جنته طوبى الطيبة، وهو جل وعلا الطيب الذي لا يقبل إلا الطيب. كما في مسلم، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا». فالله جل وعلا طيب، لا يقبل إلا طيبا. فاحرس يا عبد الله أن تموت وأنت طيب، احذر من أن تموت وأنت على خبث، والعياذ بالله. وإنما احرس على الوفاة وأنت طيب. «الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون»، هؤلاء أهل طوبى، الذين توفتهم الملائكة طيبين، خرجت أرواحهم وهي طيبة. «أيتها الروح الطيبة في الجسد الطيب اخرجي إلى رب غير غضبان»، اخرجي إلى رضوان من الله جل وعلا. روحه طيبة، فخرجت من هذا الجسد الطيب. توفته الملائكة وهو طيب، لما صاروا طيبين دخلوا الجنة، وكانوا أهلا للجنة. كما قال جل وعلا: ﴿وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طيبتم فادخلوها خالدين﴾، سلام عليكم طيبتم فادخلوها خالدين. أي: لما طيبتم فادخلوها، لكم دخولها، ولكم الخلود فيها؛ لأنكم صرتم طيبين، طيبين في أموركم كلها. فعلى العبد أن يحرص على أن يكون طيبا، طيب الأقوال والأعمال والاعتقادات، وأن يكون طيبا في أموره كلها؛ لأن الجنة طابت لهؤلاء. هي جنة طابت وطاب نعيمها، نعيمها طيب، من المساكن، والحور العين، والعسل، واللبن، والفواكه، والرمان، والزيتون، إلى آخر ما لا يحصيه إلا الله جل وعلا، كل ذلك طيب. نعيم طيب، ودائم، ومستمر، وكلها دائم، وظلها. ﴿الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب﴾، الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم، وحسن مآب، حسن مرجع إلى الله جل وعلا، ولهم الجنة دار كرامة الله جل وعلا. هي جنة طابت وطاب نعيمها، فنعيمها باق وليس بفان، لا يفنى نعيم الجنة. العبد في الجنة شباب، لا يفنى شبابه، ولا تبلى ثيابه، فهو على صحة لا يسقم أبدا، وهو حي لا يموت أبدا. كما جاء في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «أن مناديا ينادي يا أهل الجنة إن لكم أن تصحوا ولا تسقموا، وأن تشبوا ولا تهرموا»، وهكذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام: «وأن تحيوا ولا تموتوا». وجاء في الصحيح أيضا، قال عليه الصلاة والسلام: «من دخل الجنة فإنه ينعم ولا يبأس، ينعم ولا يبأس، ينعم، كون في نعيم لا يلحقه بؤس، ولا شقاء، ولا هم، ولا حزن، ولا غم». نعيم دائم ومستمر، ينعم ولا يبأس. فالجنة دار النعيم الباقي، الدنيا النعيم فيها فان. وهنا ابن القيم يعمل مقارنة، هو يذكر ويقارن بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة. نعيم الدنيا فان، نعيم الدنيا يزول، نعيم الآخرة باق لا يفنى. نعيم الآخرة طيب كله طيب، ولا يزول. ونعيم الدنيا منه من يتنعم بالطيب، ومن يتنعم بالخبيث، ويتنعم به. لكن نعيم الجنة كله طيب، ولذلك جاءت الآيات في كتاب الله جل وعلا: ﴿خالدين فيها أبدا هم خالدون في الجنة يتنعمون والنعيم لا يفنى إن هذا لرزقنا ما له من نفاد إن هذا لرزقنا ما له من نفاد﴾، لا يفنى ولا ينقطع، مستمر. وكما قال عز وجل: ﴿وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ﴾، عطاء غير مجذوذ، أي غير منقطع وغير زائد. وهذا لا ينافي الاستثناء الذي جاء في الآية: ﴿إلا ما شاء ربك﴾. فالاستثناء في هذه الآية فيه أقوال للسلف الصالح. من هذه الأقوال أن الاستنين منقطع، قد قال به بعض أئمة اللغة. ومن الأقوال أن الاستثناء في هذه الآية استثناء عادة الرب جل وعلا، ولا يفعله. وهذا يسوق في لغة العرب، كما يقول الرجل لولده مثلا: «لأضربنك إلا أن شئت»، إلا أن شئت، وهو جازم أن يضربه، وهو جازم على ضربه، ما عنده تردد، سيضرب ابنه، ويقول: «أضربنك إلا أن شئت». ففي لغة العرب يستثنى، ويستثنى، ولا يراد بذلك الاستثناء، ولا يفعل. وهذا من لغة العرب، يفهمه أهل لغة العرب. ومن أهل العلم من قال: «الاستثناء في هذه الآية للتبرك بالمشيئة»، يعني: وهم في خلود، وهم في نعيم غير مجذوذ، كل هذا بمشيئة الله، كل هذا بمشيئة الله. وهذا له نظائر في كتاب الله جل وعلا: ﴿ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين﴾، ليس به التخيير، لا يدخلوا، لا يقولوا: «ادخلوا مصر إن شاء الله». دخولكم بمشيئة الله جل وعلا، فهذا له نظائر. والمعنى: أنكم في خلود، وفي نعيم دائم، في جنة الله جل وعلا، غير منقطع، غير مجذوذ. وهذا بمشيئة الله جل وعلا. ومن الأقوال: أن الاستثناء في الآية هو قبل الدخول. أهل السعادة خالدين في الجنة إلا قبل دخولهم، فهم متى دخلوا فإنهم يكونون فيها على نعيم أبدي. فلا وقت يكونون فيه على غير هذا النعيم الأبدي الذي لا ينقطع. وقت عدم دخولهم، في قبورهم، في الصراط، عند الموقف، هذه مواقف التي لم يدخل فيها أهل الجنة الجنة بعد. لكن إذا دخلوا فإنهم ينعمون فيها نعيما عظيما. وهذا الاستثناء الذي جاء في النار، الذي أخذ به الجهمية، وقال بفناء النار، كذلك أخذ بالآيات التي فيها الاستثناء. والاستثناء يفسر بهذا. بل قد ذكر الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله في تفسيره: أنه قول جمهور المفسرين. قول جمهور المفسرين: أن الاستثناء المراد به قبل دخول الجنة، قبل دخول أهل الجنة الجنة، هذا هو المستثنى. الاستثناء المراد به في هذه الآية. لكن الجهمية، الجهم من صفوان، قال بفناء نعيم الجنة، وأن الجنة تفنى. وكفره السلف، كفره السلف بذلك، كالإمام أحمد، والبخاري، وغيرهم من أئمة الإسلام، كفروه. ومن جملة ما كفروه به: هذا، أنه قال بفناء الجنة، وأنها تفنى، وأن نعيمها يفنى. ونعيم الجنة لا يفنى، بنصوص الكتاب والسنة، لا يفنى. شبابه لا يفنى، وثيابه لا تبلى. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، ونصوص كثيرة في الخلود الأبدي لأهل الجنة. أبو الهذيل العلاف، شيخ المعتزلة، قال بفناء حركات أهل الجنة، قال: «الجنة تبقى، وأهلها فيها يبقون، لكن تفنى حركاتهم». الحركات تفنى. وهذا قوله المضحك. ولذلك ضحك ابن القيم رحمه الله تعالى من هذا القول. فهذا سيأتي معنا. لكن في آخر الكلام، أو في قبل، في هذه الأبيات، حين تكلم عن الجهمية، وقول الجهمية، فذكر قول العلاف، شيخ المعتزلة، له، يقول: «الحركات تفنى». فضحك ابن القيم رحمه الله تعالى، فقال: «ما أدري كيف يكون حال الإنسان إذا جاء وقت الفناء هذا، وقت فناء الحركات؟ إذا أراد الإنسان أن يأخذ الفاكهة، وقد استعد لأكلها، وجاء وقت الفناء، يعني: يبقى هكذا أبد الآباد، يبقى هكذا أبد الآباد». فقال القيم: «وعجب إذا جاء الرجل الحورية في الجنة، قد استعد وتهيأ بما أراد، وجاء وقت الفناء، كيف يكون الحال؟ الصورة معروفة». هذا كلام لا يقوله عاقل، لا يقوله عاقل. وكل هذا بسبب تأصيلات فاسدة، التي أصلها ومعتقدها لسنن الجماعة: أن النعيم في الجنة باق لا يفنى، بدلالة كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإجماع السلف الصالح، خلافا للجهمية والمعتزلة. فنعيمها باق، وليس بفان. قد انتهى الوقت، ونكمل إن شاء الله ما تبقى في هذا الفصل في الدرس اللاحق. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.