الدرس في شرح الشمائل المحمدية 48، تابع : باب ما جاء في صفة شرْب رسول الله صلى الله عليه وسلم . ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يستعرض المقطع أحاديث شرب النبي صلى الله عليه وسلم واقفاً وبيان جوازه بكراهة تنزيه، ثم يركز على هديه في التنفس خارج الإناء ثلاثاً لقوله: «هو أمرأ وأروأ وأبرأ». يبين الفرق بين التنفس في الإناء (خارجه) المشروع، والتنفس في الإناء (داخله) المنهي عنه لتجنب التقيذر والأذى، مع جواز الشرب بنفس واحد إذا لم يتنفس داخل الإناء.
يشرح المقطع تفصيل النهي عن التنفس داخل الإناء، مبيناً جواز الشرب بنفس واحد لمن لم يتنفس فيه، واستحباب الشرب في ثلاثة أنفاس مع التسمية والتحميد في كل مرة. كما يناقش مسألة الشرب من فم القربة مباشرةً كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع كبشة، موضحاً خلاف العلماء في الجمع بين فعله والنهي عن اختناث الأسقية، وراجحاً قول النووي بأن النهي للتنزيه لا للتحريم.
يناقش المقطع خلاف العلماء في حكم الشرب من فم القربة، حيث ذهب النووي إلى الكراهة للتنزيح مستدلاً بأحاديث الرخصة، بينما رد الحافظ ابن حجر ونقل عن مالك وابن حزم القول بالتحريم لعلة النهي الثابتة. ووجه الحافظ فعل النبي صلى الله عليه وسلم بالشرب من فم القربة بأنه كان لعذر كتعليق القربة وعدم وجود إناء، وأن النهي محمول على غير عذر.
يختم الشيخ الحديث عن مشروعية الشرب قائماً والشرب من فم القربة المعلقة إذا أمن من الهوام وكانت محكمة الإغلاق، مستدلاً بأحاديث تؤيد ذلك. ثم يختم المجلس بالتسبيح والاستغفار والدعاء.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد، فقد أخذنا في الشمائل باب ما جاء في شرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذنا في هذا الباب ثلاثة أحاديث: حديث ابن عباس الأول، أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب من زمزم وهو قائم، وهو حديث صحيح أصله في الصحيحين. وهكذا الآخر حديث ابن عباس قال: سقيت النبي صلى الله عليه وسلم من زمزم فشرب وهو قائم. وحديث علي أنه أتي بكوز من ماء وهو في الرحبة، والمراد بالرحبة المكان المتسع، ورحبة المسجد ساحته، وقال: الرحبة في المسجد يعني الساحة. وأخذ يتوضأ ثم شرب وهو قائم. وفي البخاري أنه قال: إن ناساً يكرهون الشرب قائماً، وإن النبي صلى الله عليه وسلم صنع مثل ما صنعت. وذكرنا في هذا الباب، أو في شرح هذه الأحاديث، كلام أهل العلم، وأنهم سلكوا في ذلك مسالك؛ خاصة أنه وردت أحاديث فيها النهي عن الشرب قائماً. ورجح جماعة من العلماء، ومنهم النووي والحافظ ابن حجر، أن الأحاديث تحمل على كراهة التنزيه، وأن الشرب قائماً جائز مع الكراهة. وهذا والله تعالى أعلم في هذه المسألة. قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: حدثنا قتيبة بن سعيد، ويوسف بن حمان، وهو المعني، وهو ثقة، وقتيبة إمام تقدم كثيراً. قال: حدثنا عبد الوارث بن سعيد، وهو ثقة ثبت، وله ولد اسمه عبد الصمد، وهو أيضاً من المحدثين، ولعبد الصمد ولد اسمه عبد الوارث، وهو أيضاً من المحدثين. قال: عن أبي عصام، وقيل إن اسمه ثمامة، وهو مقبول، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتنفس في الإناء ثلاثاً إذا شرب، ويقول: «هو أمرأ وأروأ». وهذا الحديث أيضاً أصله في مسلم، لكن جاءت زيادة أيضاً في صحيح مسلم لم تذكر في هذا الحديث هنا، وهي زيادة: «أبرأ، هو أمرأ وأروأ وأبرأ». وهذه لها معاني: أما قوله «أمرأ» فهي بالهمز من المراءة، يقال: مرأ الطعام بفتح الراء يمرأ بفتحها، ويجوز كسرها، أي صار مريئاً. وقوله «أروأ» هو من الري بكسر الراء غير مهموز، أي أكثر رياً، ويجوز أن يقرأ مهموزاً للمشاكلة، أي يقال: أكثر رياً. قال الحافظ في هذا: ويؤخذ من ذلك أنه أقمع للعطش، يعني عندما يتنفس الشخص خارج الإناء، أنه أقمع للعطش وأقوى على الهضم وأقل أثراً في ضعف الأعضاء وبرد المعدة. ويؤخذ منه أن النهي عن الشرب في نفس واحد للتنزيه. قلنا: وجاءت الزيادة في صحيح الإمام مسلم: «هو أمرأ وأروأ وأبرأ». قال النووي: ومعنى «أبرأ» أي أبرأ من ألم العطش، وقيل: أبرأ أي أسلم من مرض أو أذى يحصل بسبب الشرب في نفس واحد. ومعنى «أمرأ» أي أجمل انسياغاً، والله أعلم. هذا الحديث الذي بين أيدينا فيه هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشراب. ما هو هديه؟ هديه هو أنه كان يتنفس عليه الصلاة والسلام في الشراب. ما معنى يتنفس في الشراب؟ يتنفس خارج الإناء، وليس معناه أنه يتنفس في نفس الإناء، بل يأخذه فإذا شرب نحاه ثم تنفس ثم عاد يشرب، ثم رجع وتنفس، ثم رجع الثالثة. هكذا وهذا معنى قولهم: يتنفس في الإناء. هذا معنى قول: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتنفس في الإناء ثلاثاً، لا أنه يتنفس في نفس الإناء عندما يشرب، بل ينحيه ثم يأخذ نفساً ثم يشرب مرة أخرى. قال: هذا أروى وأمرأ وأبرى، يعني عندما الشخص يفعل هكذا يكون في صحة وعافية، بعيداً عن الأمراض، وبعيداً عن الشرق. وقد جاء أحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التنفس في الإناء. ما معنى التنفس في الإناء؟ أي أن يتنفس داخل الإناء بحيث يخرج نفسه في نفس الشراب داخل ذلك الإناء الذي يشرب منه. قال الحافظ رحمه الله: قال الأثرم، والمراد بالنهي عن التنفس في الإناء أن لا يجعل نفسه داخل الإناء، وليس المراد أن يتنفس خارجه طلباً للراحة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يتنفس في الإناء. معنى يتنفس في الإناء: انتبه، لأن اللفظة متشابهة. نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التنفس في الإناء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم كما يقول أنس يتنفس في الإناء. فما معنى قول أنس: يتنفس في الإناء؟ معنى قول أنس: يتنفس في الإناء خارج الإناء، خارج ماذا؟ الإناء، فيتنفس ثم يعود يشرب من ذلك الإناء. وأما النهي عن التنفس في الإناء فهو المراد: التنفس داخل الإناء. والعلة في ذلك كما قال القرطبي، وسيأتي من كلام العلماء: قال القرطبي رحمه الله: معنى النهي عن التنفس في الإناء، لماذا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التنفس في الإناء؟ قال: لألا يتقذر به من بزاق أو رائحة كريهة تتعلق بالماء. وعلى هذا، إذا لم يتنفس يجوز الشرب بنفس واحد. معنى: إن فيه ماء أو أي شيء شراب أو نحو ذلك، فهذا لا يتنفس فيه، لأنه قد يخرج منه بزاق، وقد يخرج منه شيء من المخاط أو غير ذلك في ذلك الإناء، أو رائحة كريهة، فيتقذر من يراه. ربما هذا الإناء يستخدمه أكثر من واحد، فإذا رأى الإنسان يتنفس داخل الإناء ربما تقذر ذلك الشخص الذي يشرب من ذلك الإناء، أو قد يكون الشراب كثيراً وأنت تشرب لتناوله غيرك، سواء كنت في البيت أو غير ذلك، فربما من يراك تتنفس في الإناء يتقذر من فعلك هذا، ويدع الشرب. ومعلوم أن المسلم يكون بعيداً عن ماذا؟ عما يؤذي ويضر الآخرين. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا ضرر ولا ضرار»، وأيضاً أنها عنذية المسلم. وأما الشرب بنفس واحد، فمتى؟ متى يجوز للشخص أن يشرب بنفس واحد، ولا يشرب في ثلاثة أنفاس؟ إذا لم يتنفس في الإناء، يجوز لك أن تشرب بنفس واحد. مثلاً عندك نفس كبير، وبعد ذلك ماذا؟ تشرب شربة واحدة. هل يجوز أن تشرب شربة واحدة بدون أن تتنفس مرتين أو ثلاثة؟ الجواب: نعم، بنفس واحد يجوز أن تشرب ذلك الماء بنفس واحد. ولكن الأفضل أن تجعله ثلاثاً كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع، لأنه بعيد عن ماذا؟ عن الشرق. لأن الإنسان إذا شرب الماء دفعة واحدة ودخل إلى بطن دفعة واحدة، ربما حصل له شيء من الشرق، بحيث يفيض الماء على هذا المريء أو البلعوم الذي يدخل منه الماء، ويدخل إلى مكان التنفس، فيحصل له شرق بذلك. قال الحافظ: واستدل به لمالك على جواز الشرب بنفس واحد، وأخرج ابن أبي شيبة الجواز عن سعيد بن المسيب وطائفة. وقال عمر بن عبد العزيز: وهذا كلام رصين. كلام الإمام عمر بن عبد العزيز يقول: إنما نهى عن التنفس داخل الإناء، فأما من لم يتنفس أي في الإناء، فإن شاء فليشرب بنفس واحد. قلت: والكلام للحافظ، وهو تفصيل حسن. وقد ورد الأمر بالشرب بنفس واحد من حديث أبي قتادة مرفوعاً، أخرجه الحاكم، وهو محمول على التفصيل المذكور. متى يجوز الشرب بنفس واحد؟ إذا لم تتنفس في الإناء، إذا لم تجعل نفسك في الإناء، يجوز أن تشربه بنفس واحد، بنفس واحد أي مرة واحدة. أما إذا لم تستطع، فعليك أن تشرب ثم تبعد الإناء، فتأخذ لك نفساً ترتاح، ثم تشرب، ثم تأخذ لك نفساً ترتاح خارج الإناء، ثم تشرب الثالثة، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل، كما هو في الصحيح من حديثي أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه. قال الترمذي: وحدثنا علي بن خشرم، وهو ثقة، قال: أنبأنا عيسى بن يونس، وهو ثقة مأمون، عيسى بن يونس ابن أبي إسحاق، قال: عن رشدين بن كريب، وهو ضعيف، عن أبيه، وهو كريب، يقال: أبو رشدين، وهو ثقة، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا شرب تنفس مرتين. وهذا الحديث بهذا الإسناد ضعيف، ضعفه الألباني برقم مائة وواحد وثمانين. قال الحافظ: وهذا لأنه ذكره في الفتح، قال: وهذا ليس نصاً في الاقتصار على المرتين، لأن لو قال: قال مثلاً، لو أن الحديث ثبت، كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم يتنفس مرتين؟ وأنا سأقول: أن النبي صلى الله عليه وسلم تنفس ثلاث مرات. يقول: وهذا ليس نصاً في الاقتصار على المرتين، بل يحتمل أن يراد به التنفس في أثناء الشرب، فيكون قد شرب ثلاث مرات وسكت عن التنفس الأخير لكونه من ضرورة الواقع. يعني أنه ما تنفس ثلاث مرات، تنفس مرتين، بأن أخذ فشرب ثم تنفس، ثم أخذ فشرب ثم تنفس، ثم الثالث شرب، ثم الراب... آد الثالثة التي هي بعد الشرب الثالثة تكون من ضرورة الواقع، لأنه ماذا سيتنفس بعدها؟ فليس المراد أنه تنفس مرتين، بل كما يحمل في حديث أنس أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يتنفس ثلاثاً، وهنا فإذا... أخرج الطبراني في الأوسط بسند حسن عن أبي هريرة، وهذا حديث حسن، حسنه الألباني رحمه الله في الصحيحة. أخرج الطبراني في الأوسط بسند حسن عن أبي هريرة، لأن هذه قد لا يعلمها كثير من الناس: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشرب في ثلاثة أنفاس، إذا أدن الإناء إلى فيه سمى، سمى الله تعالى، وإذا أخرجه حمد الله تعالى، يفعل ذلك ثلاث مرات. إذن هذا الحديث، الألباني رحمه الله صححه أو حسنه برقم ألف ومائتين وسبعة وسبعين، وهو في الصحيحة. كيف هذا الفعل؟ يقول: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتنفس ثلاث مرات، لكن في كل مرة يسمي ويحمد الله تعالى، فيقول: بسم الله، فيشرب، ثم ينحيه، الحمد لله، ثم يقول: بسم الله، فيشرب، ثم ينحيه، ثم يقول: الحمد لله، ثم في الثالثة: بسم الله، فيشرب، ثم ينحيه، فيقول: الحمد لله. قال: يفعل ذلك ثلاثاً. عند ثبوت هذا الحديث كما هو عندكم، فإنه يكون ذلك أيضاً من هدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الشراب. خلاصة هذا أو هذه الأحاديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتنفس في الإناء خارج الإناء ثلاثاً، وهذا هو الأفضل، من حيث أنه قال عليه الصلاة والسلام: «هو أمرأ وأروأ وأبرى». قال الترمذي رحمه الله تعالى: وحدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان، عن يزيد بن يزيد بن جابر. وابن أبي عمر قد تقدم في الإسناد قبل هذا الباب، وهو محمد بن يحيى العدني، وسفيان الذي يروي عنه العدني هو من دائماً يكون ابن عيينة، ابن عيينة رحمه الله. قال: عن يزيد بن يزيد بن جابر، ووثقه فقه، قال: عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، وتابع ثقة، عن جدته كبشة رضي الله عنها قالت: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم فشرب من في قربة معلقة قائمة، فقمت إلى فيها فقطعته. والحديث صححه الألباني رحمه الله برقم مائة واثنين وثمانين. الحديث صحيح: أن النبي عليه الصلاة والسلام دخل على هذه الصحابية واسمها كبشة رضي الله عنها، فماذا فعل؟ وكان عندها قربة، كان عندها قربة معلقة، فشرب عليه الصلاة والسلام من القربة وهو قائم. وهذا أيضاً مما استدل به على جواز الشرب قائماً، يضاف إلى تلك الأحاديث المتقدمة. ماذا فعلت رضي الله عنها بعدما شرب؟ قامت وقطعت المكان الذي شرب منه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا الحديث مع ما سيأتي بعده، وهو حديث أم سليم، فيه الشرب من في القربة مباشرة، أن النبي عليه الصلاة والسلام شرب من في القربة، أي من فم القربة، ولم يصب في إناء. وقد جاءت أحاديث فيها النهي عن اختناث الأسقية، كحديث عائشة رضي الله عنها الذي رواه البخاري: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اختناث الأسقية. ومعنى اختناث الأسقية: أن يشرب من فمها. وهكذا جاء صحيحاً في النهي عن الشرب من فم القربة. وقد جاءت التعاليل بذلك في عدة أحاديث وردت، منها: أن رجلاً شرب من فم قربة، فخرجت منها حية، خرجت حنش، خرجت عندما فتح القربة وأراد أن يشرب منها، فنهى النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك عن من يشرب من في السقة. لماذا؟ لأجل أن لا يحصل مثل هذا مرة أخرى، لأنها قد تدخل القربة شيء من الهوام والدواب التي قد يتضرر بها الإنسان عندما يشرب من شيء لا يرى داخله، كالكوز أو كذلك القربة أو غيرها مما يكون مغلفاً ولا يرى ما بداخله. فلذلك لا يفتح مباشرة ويشرب منه، لألا يحصل له كما حصل لذلك الرجل. هذه إحدى العلل. ومنهم من قال: إن النهي إنما لأجل أن لا يشرق أو ينصب على حلقه كثيراً من الماء، فربما تضرر به، أو حصل بذلك الأذى والموت وغير ذلك. فالأحاديث التي وردت في النهي عن الشرب من فم السقة، كحديث أبي هريرة وحديث ابن عباس وغيرهما، هي موجودة في الصحيحين، موجودة في الصحيحين. وهنا فعله صلى الله عليه وسلم أنه ماذا؟ شرب من فم القربة مباشرة. العلماء اختلفوا في ذلك في توجيه هذه الأحاديث بعضها مع بعض، كما تقدم في الباب الذي قبله في الشرب قائماً ونهي صلى الله عليه وسلم عن الشرب قائماً. قال النووي رحمه الله تعالى: اتفقوا على أن النهي هنا للتنزيه لا للتحريم. النبي عليه الصلاة والسلام نهى أن تشرب من فم القربة مباشرة، هذا النهي هل هو للتحريم أم هو للتنزيه؟ يقول النووي رحمه الله: إن النهي للتنزيه لا للتحريم. قال الحافظ: وفي نقل الاتفاق نظر، لأن النووي نقل الاتفاق، قال: اتفقوا، لكن المسألة فيها ماذا؟ فيها خلاف. وكثيراً ما يتعقب الحافظ اتفاقات وإجماعات النووي رحمه الله تعالى. قال: فقد نقل ابن التين وغيره عن مالك أنه أجاز الشرب من أفواه القرب، وقال: لم يبلغني فيه نهي. قال النووي: ويؤيد كون هذا النهي للتنزيه أحاديث الرخصة في ذلك، حديث الرخصة في ذلك. النووي رجح أن هذا النهي للتنزيه، لماذا؟ قال: لأنه جاءت أحاديث أخرى ترخص في الشرب من أفواه القرب. لكن الحافظ رد عليه في نسبة الاتفاق، لأن الإمام مالك رخص في الشرب من أفواه ماذا؟ القرب. قال الحافظ: لم أر في شيء من الأحاديث المرفوعة، يتعقب النووي كذلك في هذا، ما يدل على الجواز، لا من فعله إلا من فعله صلى الله عليه وسلم، وأحاديث النهي كلها من قوله، فهي أرجح. إذا نظرنا إلى علة النهي عن ذلك، ما هي علة النهي عن أن نشرب من أفواه القرب مباشرة؟ ذكرنا لكم علة وعلتين منها: ماذا؟ لألا لألا يخرج منه شيء من الهوام كالحية وغيرها فيتضرر به، وكذلك ماذا؟ لألا يحصل به ماذا؟ الشرق. يشرق إذا شرب مباشرة من فم القربة. وقال الشيخ محمد بن أبي جمرة، ما ملخصه؟ اختلف في علة النهي عن الشرب من أفواه القرب، قال: فقيل: يخشى أن يكون في الوعاء حيوان، أو ينصب بقوة فيشرق به، أو يقطع العروق الضعيفة التي بإزاء القلب، أن تكون هنا في الحلق عروق ضعيفة، قال: التي بإزاء القلب، فربما كان سبب الهلاك، أو بما يتعلق بفم السقاء من بخار النفس، أو بما يخالط الماء من ريق الشارب فيتقذره غيره، أو لأن الوعاء يفسد بذلك. يعني إذا كلنا نشرب مثلاً من هذا المكان، لا شك أنه يحصل فيه رائحة، لأن هذا ربما ذاك لا ينظف أسنانه، وذاك تخرج منه رائحة، وإذا كلنا نشرب من فم القرب ستكون هناك رائحة في فم القرب، فلذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الشرب من فيه أسقاء. هذه إحدى العلل، أو لأن الوعاء يفسد بذلك في العادة، فيكون من إضاعة المال. والذي يقتضيه الفقه أنه لا يبعد أن يكون النهي لمجموع هذه الأمور، هذه كلها أمور ترجح النهي: منها حيوان أو دواب، أو كذلك الشرق، يقطع العروق الضعيفة، أو التقذر، أو فساد ذلك المكان، فكلها علل تؤيد ماذا؟ النهي عن الشرب من فم السقاء. قال: والذي يقتضيه الفقه أنه لا يبعد أن يكون النهي لمجموع هذه الأمور، وفيها ما يقتضي الكراهة، وفيها ما يقتضي التحريم، والقاعدة في مثل ذلك ترجيح التحريم. وقد جزم ابن حزم بالتحريم. إذن من الذي قال لا يجوز، محرماً تشرب من فم القرب؟ هو ابن حزم رحمه الله. والحافظ يميل إلى هذا القول، أن علة النهي أقوى من ماذا؟ من مجرد الفعل. وسيأتي توجيه فعل النبي صلى الله عليه وسلم، أن النبي عليه الصلاة والسلام شرب من فم القرب، سيأتي توجيه هذا الفعل. قال: وقد جزم ابن حزم بالتحريم لثبوت النهي، وحمل حديث الرخصة على أصل الإباحة. وأطلق أبو بكر الأثرم صاحب أحمد أن حديث النهي ناسخ للإباحة، لأنهم أولاً كانوا يفعلون ذلك، حتى وقع دخول الحية في بطن الذي شرب من فم السقى، فنسخ الجواز. يعني أن حديث النهي متأخرة، لأن ذلك الرجل شرب فخرجت حية فوقعت في بطنه فمات بسبب ذلك، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الشرب من فم السقى. طيب، عندنا الآن توجيه الفعل، توجيه الفعل: لماذا شرب النبي صلى الله عليه وسلم من فم القربة؟ بعض العلماء قال: لأن القربة محكمة، يعني في الإغلاق، وأيضاً أنه صلى الله عليه وسلم لا يتقذر منه أحد، لا يتقذر منه أحد إذا شرب من فم القربة. فإذا كانت القربة محكمة عند الإغلاق، أو كانت القربة صغيرة وليست من النوع الكبير، قال: فهذا يجوز الشرب منها مباشرة. قال الحافظ: وقال شيخنا في شرح الترمذي، وشيخه المراد به ابن دقيق العيد، وهو أبو الفتح القشيري، قال: لو فرق بين ما يكون لعذر، كأن تكون القربة معلقة، يعني القربة معلقة هذا عذر، ولم يجد المحتاج إلى الشرب إناء مهيأ، كذلك ما وجد النبي صلى الله عليه وسلم إناء بحيث يصب فيه، قال: ولم يتمكن من التناول بكفه، فلا كراهة حينئذ، وعلى ذلك تحمل الأحاديث المذكورة، وبين ما يكون لغير عذر، فتحمل عليه أحاديث النهي. إذن أحاديث النهي باقية، ونقول أن أحاديث الجواز من فعله صلى الله عليه وسلم يوجه، ما هو التوجيه؟ أن تكون القربة محكمة، أو تكون بعيدة ليست في المتناول، بأن يصب في إناء أو بكفه أو نحو ذلك. قال الحافظ: وقد سبق ابن العربي، وهو المالكي، إلى نحو ما أشار إليه شيخنا، لأن ابن العربي متقدم على ابن دقيق العيد، فقد سبق إلى هذا التوجيه، فقال: يحتمل أن يكون شربه صلى الله عليه وسلم في حال ضرورة، إما عند الحرب، وإما عند عدم الإناء، أو مع وجوده لكن لم يتمكن لشغله من التفريق، من السقاية، الإناء، ويحتمل أن يكون شرب من إداوة، يعني لم تذكر في الحديث، والنهي محمول على ما إذا كانت القربة كبيرة، لأنها مظنة وجود الهوام. كذا قال. هذا نقله الحافظ عن ابن العربي رحمه الله تعالى، وهو بنحو ما قاله ابن دقيق العيد. وقد مال الحافظ إلى كلام ابن دقيق العيد، حيث قال: ويؤيده أن حديث الجواز فيها كلها، فيها أن القربة كانت معلقة، والشرب من القربة المعلقة أخص من الشرب من مطلق القربة، فهو ما شرب من أي قربة، إنما شرب عليه الصلاة والسلام من قربة معلقة، فجاء إلى فم القربة فشرب منها، لأنه علم صلى الله عليه وسلم أنه ليس فيها شيء، ولا دلالة في أخبار الجواز على الرخصة مطلقاً. ما يجوز أحد ويقول: أنا أشرب من أي إناء مطلق، لأن النبي صلى الله عليه وسلم شرب من فم القربة، بل هناك نهي صريح في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن اختناث الأسقية، ونهى عن الشرب من فم السقاء، إلى آخر ما قاله الحافظ رحمه الله تعالى. فهذا ما يتعلق بهذا الحديث، وهو شربه صلى الله عليه وعلى آله وسلم من فم القربة. وأرادت كبشة رضي الله تعالى عنها، كذلك أم سليم، قد حصلت هذه الواقعة مرتين من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقامتا فقطعتا ذلك تبركاً بذلك الشيء، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يتبركون أيضاً من موضع شربه. ولعل الوقت قد جاء، وبقيت أحاديث في هذا الباب، وهي أحاديث تؤيد ما تقدم ذكره من الشرب قائماً، أو كذلك من الشرب من فم القربة المعلقة إذا أمنا فيه من ذلك، من الهوام، وكانت مغلقة ومحكمة إحكاماً شديداً، ونحو ذلك، والله تعالى أعلم. إلى هنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. الله أكبر، الله، أشهد أن لا...