الدرس في كتاب الحج 5، ألقاها
السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج لحديث عائشة وقول النبي 'اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي'. يشرح النص الأدلة على ركنية السعي.
واجبات الحج تشمل الإحرام من الميقات والوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة ومنى ورمي الجمرات والحلق أو التقصير. من ترك واجباً متعمداً عليه ذبح دم في مكة.
سنن الحج تشمل الاغتسال والتطيب ولبس ثوبين أبيضين وتقليم الأظافر وطواف القدوم والرمل والإطباع والتلبية والمبيت بمنى والجمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة.
يوم النحر يشمل النزول من عرفة والمبيت في مزدلفة والتوجه إلى المشعر الحرام ثم إكمال بقية مناسك الحج. هذه الخطوات جزء من مناسك الحج في يوم النحر.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، مضى معنا في الدرس الماضي الكلام على بعض أركان الحج، فمما ذكر ركن الإحرام، وكذا ركن الوقوف بعرفة، وكذا ركن طواف الإفاضة. الرابع: السعي بين الصفا والمروة، وهو ركن لحديث عائشة رضي الله عنها، قالت: «ما أتم الله حج مرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة». وقوله صلى الله عليه وسلم: «اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي». قالوا: هذه الأركان لا يتم الحج إلا بها، فمن ترك ركناً منها لم يتم حجه حتى يأتي به. أي لم يتم هذا الحج حتى يأتي به الركن الرابع، السعي، وهو ركن على الصحيح من أقوال أهل العلم، لما جاء في قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. ذكر عروة رضي الله عنه ورحمه الله لخالة عائشة رضي الله عنها وأرضاها، ذكر أن هذه الآية فيها دلالة على عدم وجوب السعي بين الصفا والمروة، فردت عليه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فقالت: «لو أراد الله هذا لقال: ألا يطوف، يعني: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ لو أراد الله رفع الجناح لقال: ألا يطوف». فاستدلت عائشة بهذه الآية على وجوب السعي بين الصفا والمروة، بل على ركنيته، لذا قالت رضي الله عنها وأرضاها: «ما أتم الله حج مرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة». ومنها هنا نعلم هذا الأمر، وننبه ها هنا على أمر، وهو أن قولهم «لحديث عائشة» قد يفهم منه أن الحديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من قول عائشة، فكان الأولى أن يقال: «لقول عائشة». كان الأولى أن يقال: «لقول عائشة رضي الله عنها: ما أتم الله حج مرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة». والحديث المذكور هذا رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه. إلا أن يقال: بأن هذا في حكم المرفوع على قول بعض أهل العلم، أن تفسير الصحابي يكون في حكم المرفوع عند طائفة من أهل العلم. وقوله صلى الله عليه وسلم: «اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي». الحديث كما ذكر رواه الإمام أحمد وابن خزيمة والبيهقي وغيرهم، وصححه العلامة الألباني رحمه الله. وجاء كذلك عند الدارقطني وغيره، والحديث عن نسوة من بني عبد الدار، أنهن سمعن النبي صلى الله عليه وسلم يقول هذا، وهو يسعى بين الصفا والمروة، أنه قال للناس: «اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي». وهذا اللفظ يفيد الأمر الذي من معانيه الوجوب، إذ أن الأمر يقتضي الوجوب. فاستدل العلماء رحمهم الله، القائلون بالركنية السعي بين الصفا والمروة بهذين الحديثين، وما كان في معناهما في الباب، قالوا: وهذه الأركان لا يتم الحج إلا بها، فمن ترك ركناً منها لم يتم حجه حتى يأتي به. المسألة الثانية: واجبات الحج. واحد: الإحرام. أي: بعد أن انفرغ من الكلام على أركان الحج، وهي أربعة، انتقل إلى واجبات الحج، أي: على الأشياء التي هي من واجبات الحج وليست من أركانه. والواجب باعتبار ثمرته هو ما يؤثم تاركه، ويثاب فاعله، باعتبار الثمرة. وباعتبار الواجب من حيث هو: هو كل أمر أمر به الشارع على وجه اللزوم. قال: «واجبات الحج». والأصل في هذا الباب، أي: في باب واجبات الحج، هو قوله صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني مناسككم». والأمر يقتضي الوجوب. ثم إن ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم من مناسك الحج تندرج تحت هذه القاعدة الكلية العامة، فكل فعل هو من أفعال النسك، فيكون داخلاً تحت هذه القاعدة الكلية، أي: داخلاً تحت الوجوب. فالأول من واجبات الحج: الإحرام من الميقات المعتبر له شرعاً. تقدم معنا أن الإحرام الذي هو بمعنى النية، النية للحج أو للعمرة، أي: النية للدخول في النسك، ركن من أركان الحج. وها هنا: من واجبات الحج الإحرام من الميقات، الإحرام من الميقات، بمعنى أن إن أراد الحج أو أراد العمرة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل مواقيت مكانية لمن أراد الحج والعمرة، يجب عليه أن يحرم منها. فمن تجاوزها فلم يحرم منها، بل تجاوزها كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى، هو بين أمرين: بين أن يرجع فيحرم منها، ويمضي في بقية أعماله، ولا شيء عليه. وبين أن يمضي ولا يرجع إلى تلك المواقيت، فإن فعل ذلك يكون قد ترك واجباً من واجبات الحج. والجمهور على أن من ترك واجباً من واجبات الحج، لا سيما إذا كان متعمداً، فإنه يجبره بدم يذبح في مكة، ويوزع على فقرائها. لما جاء في أثر ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه، أنه قال: «من تعمد -جاء في رواية- على الشك، من نسي أو تعمد، فترك واجباً، فليجبره بدم، أو قال: فليرق دما». والأثر صحيح عن ابن عباس، رواه الدارقطني والبيهقي وغيرهم بإسناد صحيح. وجماهير العلماء رحمهم الله تعالى يسيرون على فتوى ابن عباس. الأمر الثاني أو الواجب الثاني، قالوا: الوقوف بعرفة إلى الليل لمن أتاها نهاراً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف إلى المغرب، كما سيأتي في صفة حجه، وقال: «خذوا عني مناسككم». هذا هو الأمر الثاني، والواجب الثاني: أن الإنسان إذا دخل عرفة بعد الزوال، فإنه يجب عليه أن يبقى فيها إلى أن تغرب الشمس. ومعنى هذا: أنه لا يجوز لهم أن يدفعوا من عرفة قبل ذلك. الدليل على وجوب ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني مناسككم»، مع فعله لذلك، إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدفع من عرفة إلا بعد أن غربت الشمس. وهذا كما ذكرنا في الدرس الماضي: أن من دخل عرفة من بعد زوال الشمس إلى الغروب، ولو دخلها مثلاً قبل العصر أو بعد العصر، فالواجب عليه أن يبقى فيها إلى غروب الشمس. الأمر الثالث: المبيت بمزدلفة ليلة النحر إلى منتصف الليل، إن وافاها قبلهم، لفعله صلى الله عليه وسلم ذلك. أي: بمعنى أن الناس بعد أن يدفعوا من عرفة يصلون إلى مزدلفة، فيصلون فيها المغرب والعشاء، ثم ينامون فيها تلك الليلة. وأقل المحبيت كما ذكر بعض أهل العلم: أن ينام إلى أو أن يبيت فيها إلى بعد منتصف الليل، لأن بعد هذا الوقت قد رخص النبي صلى الله عليه وسلم للضعفة ولأهل الأعذار أن يدفعوا أو أن ينطلقوا إلى رمي جمرة العقبة. فدل ذلك على أن أقصى وقتها، أقصى أو الوقت الواجب في ذلك: أن يبقى فيها إلى بعد منتصف الليل. وهل يشترط المبيت أن ينام؟ هل يشترط المبيت أن ينام؟ الأصل أن الناس في ذلك اليوم يأتون متعبين بعد رجوعهم من عرفة، مع الزحام والتعب والدفع، الغالب أنهم يأتون متعبين. لكن لو أن رجلاً ما نام، هل عليه شيء؟ هل العبرة بالنوم أو بالمبيت فيها؟ العبرة بالمبيت فيها. الأمر الرابع أو الواجب الرابع، قالوا: المبيت بمنى ليالي أيام التشريق، ليالي أيام التشريق، أي: الحادي عشر والثاني عشر، هذا هو الواجب لمن تعجل، ولمن تأخر، والثالث عشر. وهذا أيضاً دليله قوله: «خذوا عني مناسككم»، مع فعله صلى الله عليه وسلم لذلك، إذ أنه بات بمنى ثلاث ليالٍ، صلى الله عليه وسلم. الواجب الخامس: رمي الجمرات مرتباً، رمي الجمرات مرتباً، أي: في أيام التشريق، في أيام التشريق. وإلا في يوم النحر، فإنه لا يرمي إلا الجمرة الكبرى، جمرة العقبة. أما في باقي الأيام، في باقي أيام التشريق، فإنه يرمي الجمار الثلاث، مبتدئاً بالصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى، مرتباً. أي: يبدأ بالأولى فيرمي سبع حصيات، ثم ينحرف قليلاً فيدعو مستقبلاً القبلة، ثم يتقدم فيرمي الثانية بسبع حصيات، ثم ينحرف قليلاً مستقبلاً القبلة فيدعو، ثم يتقدم فيرمي الجمرة الكبرى سبع حصيات، ثم ينطلق ولا يقف. السادس: الحلق أو التقصير، الحلق أو التقصير، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، ولفعله صلى الله عليه وسلم وأمره بذلك. أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم حلق رأسه، فاستبان من ذلك أن من مناسك الحج حلق الرأس أو تقصيره، مع عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني مناسككم». السابع: طواف الوداع لغير الحائض والنفساء، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض». إذن طواف الوداع واجب من واجبات الحج. ومعنى هذا: أن الإنسان بعد أن يقضي أعمال الحج، يبقى أو يبيت بمنى، ثم يرمي الجمار، فإن أراد الرجوع إلى بلده والانصراف إلى بلده، يجب عليه أن يطوف طواف الوداع. فمن ترك واجباً من هذه الواجبات عامداً أو ناسياً، جبره بدم، وصح حجه، لما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنه، ما أنه قال: «من نسي من نسكه شيئاً أو تركه فليرق دما». ولفظ: «من نسي من نسكه شيئاً أو تركه». جاء في الأثر هذا: أن أيوب بن أبي تميمة، شك، فقال: «والله ما أدري أقال: نسي أو قال: ترك». وبعض أهل العلم يقول: ما دام الأمر على الشك، فنرجع للقواعد العامة. والقواعد العامة: أن الناسي أو الجاهل لو ترك واجباً مأموراً به، فإنه يجب عليه الاتيان به. فإن لم يستطع الاتيان به، فهل يجبر بدم أم لا؟ جاءت هذه المسألة. وأما من فعل محظوراً ناسياً، فإنه لا شيء عليه باعتبار الإثم، لا إثم عليه. وهل كذلك يجبر ذلك المحظور الذي ارتكبه بدم أم لا؟ جاءت كذلك هذه المسألة. والجمهور على التعميم: أن من ترك واجباً من واجبات الحج ناسياً أو متعمداً، فإنه يجب عليه أن يرق دما، لأثر ابن عباس هذا المذكور بين أيدينا، وهو كما سمعتم ثابت عنه رضي الله عنه وأرضاه. قالوا: وما سوى ما ذكر من الأعمال، أي: من الأركان والواجبات، فهو سنة. ومن أهم هذه السنة: الاغتسال للإحرام، والتطيب، ولبس ثوبين أبيضين. الاغتسال للإحرام لفعل ابن عمر رضي الله عنهما، أنه كان يغتسل لإحرامه إذا أحرم، ويغتسل لدخوله مكة إذا أراد دخولها، ويسب ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يفعله. وكذا التطيب لما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها، قالت: «طيبته رسول الله صلى الله عليه وسلم بإحرامه، وطيبته بعد حله». ولبس ثوبين أبيضين لعمومات الأدلة في استحباب لبس الثوبين البيض، ومنها ما جاء في السنة من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إلبسوا من ثيابكم البيض، وكفنوا بها موتاكم». الثاني: تقليم الأظافر، وأخذ شعر العانة، والإبط، وقص الشارب، وما يلزم أخذه. وهذا من باب التنظيف والتطيب، لأنه سيدخل عبادة جليلة من العبادات العظيمة. حتى لا تشغله هذه الأمور، لأن بعض أهل العلم ذهب في مسألة من حك شعره فتساقط من شعره، أو قص أظفاره، أو ما شابه ذلك، أنه يكون قد ارتكب محظوراً من محظورات الإحرام. الثالث: طواف القدوم للمفرد والقارن. وطواف القدوم، نقل بعضهم الاتفاق على أنه مستحب، ليس بواجب، وهو خاص بالمفرد والقارن. لماذا؟ ما ذكر المتمتع، لأن المتمتع يدخل طواف القدوم في طواف عمرته، طواف القدوم في طواف عمرته. لأن المتمتع هو ما يدخل بعمرة، فطواف العمرة يدخل فيه طواف القدوم، ويجزئه عن طواف القدوم. الرابع: الرمل في ثلاثة الأشواط الأولى من طواف القدوم. ومعنى الرمل: المشي السريع، المشي السريع مع تقارب الخطا في الأشواط الثلاثة الأولى في طواف القدوم. يعني هذا الرمل إنما يكون في طواف القدوم فحسب، أما طواف الإفاضة فإنه ليس في هذا المعنى. الخامس: الإطباع في طواف القدوم، وهو أن يجعل وسط الرداء تحت عاتقه الأيمن، وطرفيه على عاتقه الأيسر. بمعنى أن يكشف من كتفه الأيمن، واضح هذا. السادس: المبيت بمنى ليلة عرفة، المبيت بمنى ليلة عرفة، أي: في اليوم الذي يريد أن يذهب به إلى عرفة، أي: في اليوم الثامن، يوم التروية، ينطلق الناس إلى منى، فيصلون الظهر والعصر قصرا وجمعا، والمغرب والعشاء كذلك، ثم يبيتون بمنى، ثم ينطلقون منها إلى عرفة. السابع: التلبية من حين الإحرام إلى رمي جمرة العقبة. التلبية من حين الإحرام، أي: من الإحرام بالحج إلى رمي جمرة العقبة. الثامن: الجمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة تقديما. هذا لمن جاء في وقت مبكر، أي: جاء في وقت المغرب، قدم المغرب والعشاء. ومن جاء متأخراً، صلى المغرب والعشاء مثلما وصل إلى مزدلفة. التاسع: الوقوف بمزدلفة عند المشعر الحرام من الفجر إلى الشروق إن تيسر، وإلا فمزدلفة كلها موقف. بمعنى أنه في يوم النحر، ينزل من عرفة، يبقى يبيت في مزدلفة، ثم ينطلق إلى المشعر الحرام، وهو جبل فيها صغير، فيدعو الله عز وجل حتى يسفر، أي: الصبح، ثم ينطلق فيأتي ببقية الأعمال. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أصلي عليك وأتوب إليك.