شرح فتح المجيد 24

الدرس في شرح فتح المجيد 24، ألقاها

الرد على اعتقاد النصارى بعيسى عليه السلام

يناقش اعتقاد النصارى بعيسى عليه السلام ويبين أن الحديث النبوي يشير إلى أنه عبد الله ورسوله. يوضح أن النصارى لديهم أقوال مختلفة حول عيسى، منها أنه إله أو ابن إله أو ثالث ثلاثة.

عقيدة النصارى في عيسى وتقرير شيخ الإسلام ابن تيمية

ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن النصارى متفقون على التسريت، أي أن عيسى هو الله أو ابن الله أو ثالث ثلاثة. يُشدد على أهمية شهادة أن عيسى عبد الله ورسوله لصحة الإيمان.

براءة المسيح عيسى بن مريم من الإفك

يشرح براءة المسيح عيسى بن مريم من الإفك والبهتان الذي نسب إليه. يُظهر أن عيسى عليه السلام لم يستنكف أن يكون عبداً لله وأنه يوم القيامة يتبرأ مما نسب إليه.

توثيق رواة الحديث النبوي

يتناول توثيق راوٍ معين من خلال رواية أبي زرعة الرازي عنه. يشير إلى أن أبو زرعة لا يروي إلا عن ثقات، مما يدل على وثاقة الراوي.

التفريغ النصي الكامل

رسول الله وعلى آله وصحبه، من وعله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم ما بعد، قال الشيخ عبد الرحمن ابن حسن ابن محمد ابن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه «فتح المجيد»، قال رحمه الله تعالى: قوله «وأن عيسى عبد الله ورسوله» أي قول قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث «وأن عيسى عبد الله ورسوله»، أي خلافا لما يعتقده النصارى قولهم «وأن عيسى عبد الله»، كما تقدم الكلام في حق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه عبد، فلا يعبد، بل يعلم له هذا الأمر، وهو أنه مخلوق مربوب خلقه الله عز وجل، وامتن الله عز وجل عليه بالرسالة، فهو عبد فلا يعبد، وهو كذلك رسول فلا يعصى، ففيه رد على طائفتين، كما في قوله «وأن محمد العبد ورسوله» فيه رد على طائفتين غالية وجافية. وكما مر معنا مرارا أن الله عز وجل ما أمر بأمر إلا ولي الشيطان فيه نزغتان، نزغة إلى إفراط ونزغة إلى تفريط، نزغة إلى إفراط وغلو، ونزغة إلى تفريط وإضاعة، ودين الله عز وجل وسط بين الجاف عنه والغال فيه، كالوادي بين جبلين. فهكذا الأمر في حق عيسى ابن مريم عليهم السلام، أن طائفة غالت فيه فرفعته إلى منزلة الألوهية وإلى منزلة الرب سبحانه وتعالى، وطائفة أخرى تنقصته تنقصا عظيما، فسبته، وقالت بأنه ابن زناء، بل وشرعوا وحاولوا قتله، وزعموا أنهم قتلوه. هؤلاء زعموا بأنه رب، والآخرون زعموا بأنه قتلوه، نحن الذين قتلنا المسيح عيسى بن مريم، فهم يزعمون أنهم قتلوه، والله عز وجل يقول: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾، فالحاصل أن الناس في عيسى ابن مريم عليه السلام كغيره، فيهم الغالي وفيهم الجافي. لذا قال الشيخ رحمه الله تعالى: أي في الحديث «أن عيسى عبد الله ورسوله»، قال: أي خلافا لما يعتقده النصارى أنه الله، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾، قال: أو ابن الله، كما قالت النصارى، كما قال الله عز وجل على النصارى: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾، وقالت اليهود: عزير ابن الله، ﴿ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾، وقال رحمه الله تعالى: أو ثالث ثلاثة، كما قال الله عز وجل: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهُ وَاحِدٌ﴾. فهؤلاء كما ترون، وذكر عنهم الشيخ رحمه الله تعالى أنهم قالوا: إن عيسى الله، وأن عيسى ابن الله، وأن عيسى ثالث ثلاثة. من هم الثلاثة؟ قالوا: الله عز وجل، ويسمونه الأب، وعيسى، ويسمونه الابن، ومريم، ويسمونها الأم. ومنهم من يقول: الروح الله، وعيسى، والروح. وهل هذه الأقوال هي الثلاثة أقوال لثلاث طوائف من طوائف النصارى، أم أنها قول واحد لجميع النصارى؟ واضح هذا، جماعة، هل النصارى منهم من يقول: إن المسيح هو الله، ومنهم من يقول: إن المسيح ثاني اثنين، أي أنه ابن الله، ومنهم من يقول: إنه ثالث ثلاثة؟ أم أن النصارى بأجمعهم تقول: إنه ثالث ثلاثة؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: والنصارى قالت الأقوال الثلاثة، أي أنه الله، وأنه ابن الله، وأنه ثالث ثلاثة. قال رحمه الله تعالى: كما ذكر الله عنهم هذه الأقوال، لكن من الناس من يظن أن هذا قول طائفة منهم، وهذا قول طائفة منهم، كما ذكره طائفة من المفسرين، كابن جرير الطبري والثعلب وغيرهما. واضح هذا، جماعة، شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول: ظن بعض العلماء أن هذه الأقوال هي أقوال لثلاث طوائف من طوائف النصارى، أنها ثلاثة أقوال لثلاث طوائف من أقوال أو من طوائف النصارى. قال الشيخ الإسلام رحمه الله تعالى: بعد أن ذكر الطوائف الثلاث التي ذكرت أن كل طائفة قالت بقول، قال رحمه الله تعالى: والصواب أن هذه الأقوال جميعها قول طوائف النصارى الملكية واليعقوبية والنسطورية، قال: فإن هذه الطوائف الثلاث تقول بالأقانيم الثلاثة: الأب، والابن، وروح القدس، فتقول عن الله: ثالث ثلاثة، إذا سئلوا عن الله عز وجل، قالوا: هو ثالث ثلاثة. قال رحمه الله تعالى: وتقول عن المسيح: إنه الله، إذا سئلوا عن المسيح: من المسيح؟ قالوا: هو الله. قال: وتقول: إنه ابن الله. واضح، جماعة، المسيح من هو؟ الله، طيب، وهل هناك إله آخر؟ نعم، الله رب السماوات. واضح، جماعة، وهذا من قال: هذا الله، وهو كذلك ابن الله. قال رحمه الله تعالى: وهم متفقون على اتحاد اللاهوت والناسوت، اللاهوت: أي الجزء الإلهي، والناسوت: هو الجزء الإنساني. قال: وأن المتحد هو الكلمة، وأن المتحد هو الكلمة، الكلمة الذي يقولون: كن. واضح، جماعة، قال: وهم متفقون على عقيدة إيمانهم التي تتضمن ذلك، وهو قولهم: نؤمن بإله واحد، أب ضابط الكل، خالق السماوات والأرض، كل ما يرى وما لا يرى، واحد يسوع المسيح، ابن مريم، الوحيد المولود من الأب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، من كلام... هذا العقيدة كما يذكرها عنهم شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. وهذا الكلام من شيخ الإسلام رحمه الله تعالى موجود في كتابه «الجواب الصحيح في من بدل دين المسيح» في المجلد الثاني منه صفحة 11 إلى 12. حاصل هذا الكلام المذكور من شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: تقرير في أن النصارى متفقون على التسريت، على أن النصارى كلهم متفقون على التسريت. ولكن الله عز وجل تارة يحكي عنهم قولا: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾، فهم يقولون الذين يقومون بالتسريت يقولون: عيسى ابن مريم هو الله، والله عز وجل هو كذلك الله، والكلمة أو الروح القدس كذلك الله. واضح، جماعة، وهذا نفسه معناه: ثالث ثلاثة. فالحاصل من هذا، كما ذكر الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ليس هناك طوائف مختلفة في هذا الأمر، منهم من يقول: بأنه الله، ومنهم من يقول: بأنه ابن الله، ومنهم من يقول: ثالث ثلاثة، بل الكل يقول: ثالث ثلاثة، ولكن عند التفصيل يقول: بأن عيسى الله، وتارة يقول: بأنه ابن الله. واضح هذا، جماعة، طيب، فإذا علم هذا، علم أن قول الشيخ رحمه الله تعالى: فهنا قال: خلافا لما يعتقده النصارى أنه الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة، يحمل على ما ذكر في القرآن، وأن النصارى يعتقدون في عيسى بأنه الله، ويعتقدون فيه أيضا بأنه ابن الله، ويعتقدون فيه كذلك بأنه ثالث ثلاثة. قال رحمه الله تعالى: ﴿اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. قال: فلا بد أن يشهد أي المؤمن الموحد، لا بد أن يشهد أن عيسى عبد الله ورسوله، فلا يتم إيمان، بل ولا يصح له إيمان، ولا يستقيم له ساق الإسلام إلا بأن يشهد أن عيسى عبد الله ورسوله، أنه عبد فلا يعبد، ولا يرفع منزلة الرب سبحانه وتعالى، وأنه رسول فلا يعصى، بل يصان ويعرف له حقه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: على علم ويقين بأنه مملوك لله، أي مخلوق لله عز وجل، مخلوق لله عز وجل، فهو من ملك الله، وفي ملك الله جل وعلى. قال: خلقه من أنثى بلا ذكر، خلقه الله عز وجل من أنثى بلا ذكر، وهذا يدل على أن الله على كل شيء قدير، وربا سبب يخرج عن أصله لأمر أراده الله عز وجل، فيكون هذا من باب خروج الأشياء عن أمورها المترتبة عليها. قال: كما سمعتم من الأشياء التي رتبها الله عز وجل، وهذا يدل على أن الذي خلق الأسباب وجعل المسببات مرتبة عليها، قادر على إيجاد الأشياء بغير أسبابها، قادر على إيجاد الأشياء بغير أسبابها. فمن المعلوم أن وجود الولد لا بد أن يكون من ذكر وأنثى، والله عز وجل أوجد آدم الذي هو أبو البشر، أوجده من تراب سبحانه وتعالى، وأوجد عيسى ابن مريم الذي هو من البشر، خلقه الله عز وجل من أنثى من غير ذكر. لذا أشار الله عز وجل إلى هذا المعنى بقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾، فيقال لهذا الإنسان، ولأولئك النصارى الذين غلوا في عيسى، وكذلك اليهود الذين طعنوا في عيسى عليه السلام: يقال لهم: آدم ألم يخلق آدم بقول الله عز وجل: كن فكان من غير أب أو أم؟ فالجواب: نعم، فما المانع أن يخلق الله عز وجل أيضا بشرا من أنثى من غير ذكر، بأن يقول له: كن فيكون؟ قال رحمه الله تعالى: فليس ربا ولا إلها، سبحان الله عما يشركون. قال تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾، هكذا يخبر الله عز وجل عن عيسى أنه قال في المهد، حينما أتت به أمه عليها السلام تحمله بعد أن وضعته، ورجعت إلى قومها، وفي يدها هذا الصبي الصغير الذي ما زال في أول أمره، ما زال صبيا في المهد. قالوا حينما سألوا أمه: يا مريم، ما كان أبوك امرأة سوء، وما كانت أمك بغية. فأشارت إليه، قالوا: كيف نكلم من كان في المهد صبيا؟ أي ولد ما زال في المهد، وما زال صبيا لا يتكلم ولا ينطق، كيف نكلمه؟ قال عيسى عليه السلام: قال إني عبد الله، أول كلمة قالها لهم: إني عبد الله. واضح، جماعة، بعد هذه الشهادة: إني عبد الله، إني عبد الله، أي مخلوق لله عز وجل، عابد لله عز وجل، مربوب لله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: وقال لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله، ولا الملائكة المقربون، ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر، فسيحشرهم إليه جميعا. وهذا كذلك إخبار من الله عز وجل، وخبره صدق سبحانه وتعالى، يقول الله جل وعلا: لن يستنكف، والاستنكاف كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى: بمعنى استكبار، قال: أن يكون عبدا لله، لا يستنكف أبدا، ولن يتكبر أبدا، ولن يتعالى أبدا، أن يكون عبدا لله عز وجل. قال: وللملائكة المقربون، الملائكة أيضا الذين عبدوا عند طوائف من الناس، قد عبدوا الملائكة، هؤلاء الملائكة، وكذلك عيسى ابن مريم الذي قد عبد أيضا، لن يستكبر، ولن يترفع أن يكون عبدا لله سبحانه وتعالى. قال: ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر، فسيحشرهم إليه جميعا، هذا لا يكون، ومع هذا يقول ربنا عز وجل: فسيحشرهم إليه جميعا، أي الكل عباده، والكل راجعون إليه سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: ويشهدوا أيضا من أدلة كذلك التي تدل على براءة المسيح عيسى بن مريم من هذا الإفك ومن هذا البهتان، أن الله عز وجل أخبر عنه بقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا كَانَ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ إلى آخر الآية. فالحاصل أن الله عز وجل أخبر عن عيسى عليه السلام بأنه قال: ما قلت لهم إلا ما أمرتني به، إلا ما أمرتني به، أن اعبدوا الله ربي وربكم. فالمسيح عيسى بن مريم أخبر الله عز وجل عنه، وأنه يوم القيامة يتبرأ مما صنع قومه، قال سبحانك، يتبرأ مما صنع قومه، سبحانك، معنى سبحانك: أنزهك وأقدسك مما حصل، ومما فعل. قال رحمه الله تعالى: كما جاء أيضا في الصحيحين في قصتي نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمن، جاء في الصحيحين عن جماعة من الصحابة، وجاء مفصلا في صحيح مسلم، جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة: أن المسيح ينزل يوم القيامة حكما عدلا، فيكسر الصليب الذي تعبده النصارى، ويزعمون أنه فدى نفسه بهذا، فدى نفسه، وفدى البشرية، أو كما يزعمون. قال رحمه الله تعالى: ويشهد المؤمن أيضا ببطلان قول أعدائه اليهود أنه ولد بغي، لعنهم الله. هؤلاء اليهود كذلك في الطرف الآخر، ما رعوا حق المسيح بأنه رسول من الله، ما رعوا بأنه عبد لله، اليهود ما رعوا بأنه رسول من الله، بل طعنوا فيه، بل طعنوا فيه، وسعوا في قتله، بل حاولوا قتله، بل قتلوا شبيهه، وهم يظنون أنهم قتلوا المسيح، ولكن وقع منهم شك وارتياب، كما قال الله عز وجل عنهم: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾. فالذين قتلوه هم في شك، هل قتلوا أم لا؟ واضح، جماعة، والله عز وجل يقول: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾، وقع شبهه على أحدهم، فظنوه بأنه المسيح، فسعوا في قتله، وهو يقول: أنا فلان، أنا فلان، وقتلوه، ثم وقع منهم الشك: هل مقتول هو عيسى أم أنه صاحبهم الذي دخل يلتمس عيسى ابن مريم؟ لذا قال الله عز وجل في هذه الآية: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾. قال رحمه الله تعالى: قوله «وكلمته ألقاها إلى مريم» قال: إنما سمي عيسى عليه السلام كلمته، لوجوده بقوله: كن، كما قاله السلف من المفسرين، كما مرت معنا الآية قريبا: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾، فقوله في الحديث أيضا «وكلمته»، قال: إنما سمي عيسى عليه السلام كلمته، قال: لوجوده بقوله: كن. قال الإمام أحمد في «الرد على الجهمية»: الكلمة التي ألقاها إلى مريم، حين قال له: كن، فكان عيسى بكن، وليس عيسى هو كن. واضح، يا جماعة، أم لا؟ قال: ولكن كان بكن، فكن من الله تعالى قولا، وليس كن مخلوقا، وكذب النصارى والجهمية على الله في أمر عيسى. انتهى الإمام أحمد رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: وقوله «ألقاها إلى مريم» قال ابن كثير: خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل عليه السلام إلى مريم، فنفخ فيها من روحه بأمر ربه عز وجل، فكان عيسى بإذن الله عز وجل. قال: فهو ناشئ عن الكلمة التي قال له: كن فكان، والروح التي أرسل بها جبريل عليه السلام. قال: قوله «وروح منه» قال أبي بن كعب: عيسى روح من الأرواح التي خلقها الله تعالى، واستنطقها بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ﴾، بعثه الله إلى مريم، فدخل فيها. رواه عبد بن حميد، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وغيرهم. وهذا الأثر عن أبي بن كعب كما ذكر رحمه الله تعالى: رواه عبد الله بن أحمد، كما في زوائد المسند، ورواه من طريقه الضياء المقدسي في المختارة، وغيرهم، ورجالهم كلهم ثقات. إلا الربيع بن أنس، فحسن الحديث، وإلا شيخ عبد الله بن أحمد، وهو محمد بن يعقوب الربالي، لم يوثقه، أو لم يؤثر فيه توثيق. وروى عنه عبد الله بن أحمد، كما في المسند، وكذا أبو زرعة الرازي، وأبو زرعة الرازي لا يروي إلا عن ثقات مشايخ، لا يروي إلا عن ثقة. فرواية أبي زرعة عن هذا الرجل تدل على أنه ثقة عنده. وهذا الأثر كما ترون: ثابت إلى أبي بن كعب، والله أعلى وأعلم. وإلى هنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على