الدرس في شرح فتح المجيد 135، ألقاها
تطرق الدرس إلى الأسماء الخاصة بالله جل وعلا والأسماء المشتركة بينه وبين المخلوقات، مع ذكر ضوابط تمييز الأسماء المختصة بالله. كما ناقش آراء العلماء حول شروط تسمية المخلوقات بأسماء الله الحسنى المشتركة.
ناقش المقطع معاني اسم الله "الحكم" واختصاصه بالحكم الكلي لله، وفرق بين حكم الله وحكم المخلوقين، وبين شروط تسمية المخلوقين بأسماء الله الحسنى.
شرح المقطع معنى الحكم المطلق لله تعالى في الدنيا والآخرة، وبين أهمية الاجتهاد في الأحكام الشرعية بشروط معينة، وفرق بين الحكم الشرعي والحكم الجزائي والحكم الكوني.
شرح المقطع عدم جواز التحاكم إلى غير حكم الله ورسوله، مثل أحكام الكهان وأهل الكتاب، وأكد على أهمية اتباع ما أنزل الله وعدم تقليد من لا يجب تقليدهم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، توقفنا في الدرس الماضي عند ذكري مسألة الأسماء: متى تكون خاصة؟ ومتى تكون مشتركة؟ وأمس انقطعنا بسب أذان المغرب، فنكمل أو نعيد ما ذكرناه أمس من أجر الدرس. فذكرنا أمس أن العلماء -رحمهم الله تعالى- ذكروا بعض الضوابط في هذا الباب، التي بها تضبط مسألة الأسماء المختصة بالله جل وعلا، والذي لا يجوز أن يسمى بها غير الله جل وعلا، وبين الأسماء المشتركة الذي يجوز أن يسمى بها غير الله جل وعلا. فمما ذكر معنا في الدرس الماضي أن العلماء قالوا -رحمهم الله تعالى-: أسماء الله جل وعلا منها ما هي علم شخص، كـ «الله»، فهذا خاص بالله، لا يقبل الشركة لا من قريب ولا من بعيد. كذلك مما ذكر في الدرس الماضي: اسم «الخالق» و «البارئ» و «الرحمن» و «القيوم» وما كان على هذا المعنى، الذي فيه معنى الاختصاص، والذي صارت أعلامًا على الله جل وعلا. بمعنى أن الإنسان إذا ذكر ذلك الاسم لا يتبادر إلى ذهنه إلا الله جل وعلا، فهذه الأسماء لا يجوز فيها الشركة، ولا يجوز أن يتسمى بها غير الله جل وعلا. فلا يجوز أن يسمى إنسان بالخالق أو البارئ أو الرحمن أو ما شابه ذلك. القسم الثاني: إذا كان الاسم مشتركًا بين الخالق والمخلوق، كـ «العزيز» و «الحكيم» و «الملك»، كذلك «الجبار» و «المتكبر» وما كان في معناها، فمثل هذا -لا سيما اسم «العزيز» اسم «الحكيم» «الملك»- هذه أسماء مشتركة. فإذا كان كذلك، قالوا: فيجوز أن يتسمى بها غير الله جل وعلا، وقد أخبر القرآن بتسمية بعض المخلوقات بهذه الأسماء. إلا أن بعض أهل العلم ذكر قيودًا إضافية إلى ما ذكر، أي في هذه الأسماء المشتركة التي هي مشتركة بين الخالق والمخلوق. أما الأسماء المختصة، فالأمر فيها واضح؛ الأسماء المختصة الأمر فيها واضح، أنه لا يجوز أن يسمى بها غير الله جل وعلا. بقي الأسماء المشتركة، بعض أهل العلم ذكر كذلك قيودًا في الأسماء المختصة، فقال بأن الأسماء المختصة أو الأسماء المشتركة ذكر فيها قيودًا. فقال: إن الأسماء المشتركة يجوز أن يسمى بها غير الله جل وعلا إذا لم يراع فيها الصفة، أي المعنى الذي لأجل سمي ذلك الإنسان بذلك الاسم. قالوا: وإلا لم يجوز. لذا غير النبي صلى الله عليه وسلم اسمًا كان اسمه «الحكم»، كما في الحديث الذي نحن في صدده. قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم غير اسمه لأنه -أو غير كنيته- إن كنيته كانت «أبو الحكم»، لماذا؟ لأنه كان يحكم بين الناس. فإذا الصفة الإسم له تعلق بماذا؟ بالصفة. قالوا: وهذا لا يكون إلا في حق الله جل وعلا؛ هذا لا يكون إلا في حق الله جل وعلا. بمعنى أن الاسم يدل على اسم معين، بمعنى أن الاسم يراعى فيه أو يدل على معنى. بخلاف أسماء المخلوقات، فإن المعاني لا تراعى. فالحاصل أنهم قالوا: إذا روعي فيه المعنى، فإنه يجب تغييره. واستدل على ذلك بهذا الحديث: بأن الرجل كان يكنى «أبا الحكم»، فغير النبي صلى الله عليه وسلم كنيته. قال لهذا المعنى. وبعض أهل العلم أيضًا -رحمهم الله تعالى- ذكروا قيدًا آخر، فقالوا: إن هذه الأسماء التي يراعى فيها معنى الصفة، أو قد يراعى معنى الصفة، فإنه يطلق الاسم مطلقًا، من غير إدخال الألف واللام عليه. مثلا: لا يقال «الحكم»، ولكن يقال «حكم». ولا يقال «العزيز»، ولكن يقال «عزيز». باعتبار أن الألف واللام تدل على استغراق جميع معاني تلك الصفة؛ استغراق جميع معاني تلك الصفة. بخلاف إذا كان من غير الألف واللام، فإنه لا يدل على هذا، وإن دل على أصل المعنى. ففي هذه الحالة يحصل تمايز بين الاسم وبين إسم الله جل وعلا، الذي يدل على معنى الكمال من كل وجه، وعلى معنى إسم المخلوق الذي قد يكون كمالا من وجه، ليس مطلقًا من كل وجه. وهذه -كما سمعتم- القيود منهم، يعني كما يقال لها، بعضها قد تكون معتبرة، وبعضها قد لا تكون معتبرة؛ باعتبار أن الناظر في قول الله جل وعلا -مثلا- في قول إخوتي يوسف ليوسف: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾، «العزيز» ها هنا بالألف واللام أم لا؟ بالألف واللام. وهل كان فيه معنى هذا؟ أن كانت عنده معنى «العزة» أم لا؟ كانت فيه معنى «العزة». وكذلك لو نظرنا، وقال: «الملك»، أتوني به «الملك»، سمي ملكًا. وكذلك «الملك» عندهم معنى ماذا؟ «الملك». وإن كان ملكهم ماذا؟ قاصر. فالحاصل -والله تعالى أعلم- أن مسألة مراعاة القيود المذكورة أخيرًا هذه تحتاج إلى مزيد نظر، تحتاج إلى مزيد بحث، وإلى مزيد نظر. وإلا -كما سمعتم- فإن الله جل وعلا أطلق، وأيضًا لو روعي المعنى، لو روعي المعنى، فإن الله جل وعلا أطلق هذه المعنى على بعض المخلوقات، كما ذكرنا وأشرنا. وأيضًا في معنى «الحكم»، هل غيره النبي صلى الله عليه وسلم للمعنى؟ أو غيره لأمر آخر؟ فعلى القول الأول: أنه غيره للنظر في المعنى. لكن قد يشكل علينا قول الله جل وعلا في شأن الرجل مع امرأته، إذا اختصم، فإن الله جل وعلا يقول: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾. هذا الذي يكون حكمًا، يلقب هذا جماعة بأنه «حاكم»، وأنه «حكم»، واضح جماعة. وهو «حكم» في ماذا؟ روعي فيه المعنى أم لم يرع فيه المعنى؟ روعي فيه المعنى. ومع هذا أطلق عليه ربنا جل وعلا هذا المعنى. لذا بعض أهل العلم ذهب إلى أن هذا الحديث الذي فيه: «إن الله هو الحكم وإليه الحكم»، أن المقصود أن «أبا الحكم» كان يحكم بين قومه بالصلح، وكان يحكم بين قومه ليس بالشرع؛ باعتبار أنه لم يكن يحكم بين قومه بماذا؟ لأنه لم يكن على إسلام بعد. قال العلماء -رحمهم الله تعالى-: يحتمل أن يكون كان يحكم عليهم بماذا؟ بالعدل؛ يحكم بينهم بماذا؟ بالعدل. وإن لم يكن بماذا؟ بالشرع؛ لأنه حين لم يكن بعد مسلمًا، واضح جماعة. لا لأنهم -كما سيأتي معنى أنه أسلم- أو قرأناه أمس: أنه قال: إنه أسلم في عام الفتح، أنه يقال بأنه أسلم عام الفتح، فإسلامه متأخر. وهو يخبر أن قومه كانوا إذا اختصموا، وإذا وقع بينهم الخلاف، جاءوا إليه، فماذا؟ فحكم بينهم. فدل هذا على أنه قبل ذلك كان يحكم بينهم بماذا؟ بشرع الله. وهو ليس بمسلم. الجواب: لا، واضح. لكن يحكم بينهم بالعدل، ولكنه يحكم بينهم بماذا؟ بالعدل؛ قد تكون بحسب الأعراف، بحسب ما كان حاصلًا هناك. فالشاهد أن العلماء قالوا: إن بعض أهل العلم ذهب إلى أنه غير اسمه لأنه كان يحكم بهذا الاعتبار، لا بحكم الشرع، لا بحكم ماذا؟ الشرع. إذ لو كان يحكم بحكم الشرع، لصدق عليه بأنه ماذا؟ بأنه «حكم»، بأنه «حكم». ولا مانع بأن يقال فيه بأنه ماذا؟ بأنه «حكم»؛ باعتبار حكمه الشرعي، باعتبار حكمه الشرعي. وبعض أهل العلم كذلك نظر إلى منظر آخر، وهو أن «الحكمة» -الحكمة- هو الذي له الحكم في الدنيا والأخرى؛ هو الذي له الحكم في الدنيا والأخرى. و «الحكم» -كما مر معنا- قد يكون حكمًا شرعيًا، وقد يكون حكمًا كونيًا، وقد يكون حكمًا جزائيًا، أي يوم القيامة. وهذا لا يكون إلا لله رب العالمين جل جلاله. فهذه بعض المعاني التي لأجلها ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذا الاسم، أنه غير «أبو الحكم» هذا الرجل الصحابي -رضي الله عنه- إلى «أبي شريح». بقي إذا قال لنا قائل: مضى معنا في الدرس الماضي أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله هو الحكم وإليه الحكم»، وقد تقدّم معنا أن هذا اللفظ فيه معنى من معاني اختصاص، فيه معنى من معاني اختصاص، واضح جماعة. عملًا. فكيف نقول: أن فيه معنى من معاني اختصاص؟ وقد ذكرنا أن الله جل وعلا سمى بعض مخلوقاته بأنه ماذا؟ بأنه «حكم»: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾، وما شابه ذلك. فالجواب: أن هذا الاختصاص باعتبار ماذا؟ باعتبار أن الله جل وعلا هو الحكم، وإليه الحكم كله؛ سواء كان الحكم سواء كان الحكم الشرعي، أو كان الحكم الكوني، أو كان الحكم الجزائي. بخلاف ماذا؟ بخلاف حكم المخلوق؛ فإنه لا يجوز له إلا أن يحكم بحكم الله جل وعلا. بخلاف حكم المخلوق؛ فإنه لا يجوز له أن يحكم إلا بحكم الله جل وعلا. فإن حكم بغير حكم الله جل وعلا، فإنه يكون ما لا يكون فاسقًا إن لم يستحل، وإن استحل كان كافرًا بالله العظيم. على ما تقدّم معنى في «الحكم بغير ما أنزل الله». إذن حكم المخلوق حكم مقيد مخصوص، واضح جماعة. حكم المخلوق، وإن أثبت له حكمًا، فإن حكمه ماذا؟ حكمه مقيد، ومخصوص. بخلاف حكم الله جل وعلا؛ فإن له الحكم كله -سبحانه وتعالى- وله الأمر كله -سبحانه وتعالى-. إذن يكون معنا الاختصاص يكون معنا الاختصاص بمعنى ماذا؟ بمعنى أن الحكم كله لله جل وعلا، واضح هذا جماعة. وعلى هذا يتفرع معنا أمر آخر، ومسألة أخرى، وإشكال آخر. قد يقول قائل أيضًا: الله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، وقد تقدم معنا مرارًا أن تقديم ما حقه التأخير يفيد ماذا؟ الحصر، هذا جماعة، والاختصاص. فإن قال لنا: كيف إذا كانت أسماء الله جل وعلا الحسنى خاصة بالله، خاصة بالله جل وعلا؟ فكيف يجد أن نسمي بها المخلوق، فنسمي المخلوق بأنه «العزيز»، وهو من أسماء الله، ونسمي المخلوق بأنه «الملك» إلى غير ذلك من أسماء المشتركة، واضح جماعة. فالجواب عن هذا الإشكال: ما هو الجواب؟ هو الجواب عن الإشكال الأول، وهو أن معنى الآية: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، أي الأسماء الحسنى التي فيها هذا المعنى، الذي فيها الكمال كله، الذي فيه معنى الكمال ماذا؟ كله. فلله عز وجل الأسماء الحسنى، والأسماء الحسنى هي التي دلت على الكمال كله، واضح جماعة. على الكمال المطلق؛ التي دلت على الكمال المطلق. بخلاف أسماء المخلوق؛ فإنه وإن دلت على كمال، ولكنه كمال ماذا؟ مقيد، مخصوص. وضح هذا جماعة: أسماء المخلوق، إن دلت على كمال، فهو كمال مقيد مخصوص. هذا حاصل ما يقال. وهذا -أو هذه الأمور- هو أمر آخر كذلك يضاف إلى ما تقدم. أن بعض أهل العلم أيضًا نبه في تسمية المخلوق ببعض الأسماء المشتركة، كـ «الجبار» و «المتكبر» ونحو ذلك. وإن أطلقها الله جل وعلا على بعض خلقه، قالوا: إلا أنه لا يجوز أن يسمى بها المخلوق؛ لما فيها من معنى التجبر والتكبر، واضح جماعة. أما لا يجوز أن يسمى المخلوق بالجبار، وإن سمى الله جل وعلا بعض مخلوقاته بأنه ماذا؟ بأنه «جبار». ولكن على سبيل ماذا؟ على سبيل الذنب، «المتكبر» على سبيل الذنب كذلك. فمثل هذه الأسماء التي فيها معنى الذنب، فإنها لا تجوز؛ لا يجوز أن يسمى بها غير الله جل وعلا؛ إلا على هذا السبيل، على هذا السبيل يقال: «فلان المتكبر»، وما شابه ذلك. أما أن يسمي نفسه أو يسمي غيره، فلا يجوز؛ إلا على الوجه الذي ذكره الله جل وعلا في كتابه. قال الشارح -رحمه الله-: فمن رزقه الله تعالى قوة الفهم، وأعطاه ملكة يقتدر بها على فهم الصواب من أقوال العلماء، يسر له ذلك بفضله ومنه عليه وإحسانه إليه. فما أجلها من عطية. فنسأل الله من فضله. وهذا حين أتكلم -رحمه الله تعالى- على أن مسألة الاجتهاد والبحث والنظر في أقوال أهل العلم، وفي أدلتهم، لا يزال الأمر مفتوحًا -بحمد الله جل وعلا-. فالباحث الفهم، النظر والبحث والتحري، ينظر في أقوال أهل العلم، ويتحرى الصواب منها بدليله، وله أن يجتهد في تحصيله، وفي القول به. وهذا -كما ذكر -رحمه الله تعالى- من رزقه الله تعالى قوة فهم، وعطاه ملكة يقتدر بها على فهم الصواب من أقوال العلماء. وهذا إن وفق الله جل وعلا العبد إليه، فقد فتح عليه بابًا واسعًا من أبواب الخير؛ لأن هذا يصدق عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين». فمن وصل إلى هذه المرحلة، فهذا باب واسع من أبواب الخير التي فتحها الله عز وجل -أو يفتحها الله جل وعلا- على من شاء من خلقه. وفي هذه إشارة، وفي هذا إشارة إلى بعض الناس من المقلدة، الذين يقولون: إن الاجتهاد -إن باب الاجتهاد قد أغلق-، إن باب الاجتهاد قد أغلق، ولا يجوز للإنسان أن يجتهد بعد عصر الأئمة، هذا قول باطل. وقد تقدّم معنى أن الإمام محمد بن عبدالوهاب -رحمه الله تعالى- نبه على هذا الأصل في كتابه «ستة الأصول»، وكذلك رد على هذا الباطل الإمام الصنعاني -رحمه الله تعالى- في كتابه «إرشاد النقاد إلى صحيح الاعتقاد»، في هذا الكتاب تكلم على هذه المسألة، وبسط القول فيها -رحمه الله تعالى-. وهذا الكتاب يعد من أفضل الكتب في هذا الباب، بل كان شيخنا العلامة الوادعي -رحمه الله تعالى- يحض عليه، ويحث على قراءته، وعلى تدريسه؛ لما فيه من الفائدة الجليلة في هذا الباب. قوله: «وإليه الحكم في الدنيا والآخرة»، كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. طيب، قوله -رحمه الله تعالى-: «وإليه الحكم في الدنيا والآخرة»، يدل على معنى من المعاني المذكورة في توجيه الحديث، على معنى من المعاني المذكورة: الحكم المطلق، وأن الحكم المطلق إنما هو لمن لله جل جلاله. أما غيره -سبحانه وتعالى- فإن حكمه ماذا؟ مقيد، حكمه مقيد، المخصوص. فالحكم إلى الله، فالحكم إلى الله، وهو الحكم إلى كتابه، والحكم إلى رسوله، هو الحكم إليه في حياته، وإلى سنته بعد وفاته. وقد قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ -لما بعثه إلى اليمن-: قال له: «بما تحكم؟» قال: «بكتاب الله». قال: «فإن لم تجد؟» قال: «فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم». قال: «فإن لم تجد؟» قال: «أجتهد رأيي». وقال: «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله إلى ما يرضي رسول الله». تقدم الكلام على هذا الحديث. طيب، عفوا ذكرت: لما قلنا تقدم الكلام على هذا الحديث مرة معنا في درس أمس، كذلك باب التسمي بقاضي القضاء ونحوه. حديث: «اللهم إني أسألك الحمد، اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله»، لم نعلق عليه. فالحديث رواه الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- وغيره، من حديث حذيفة بن اليمان. والراوي عن حذيفة رجل مبهم، جاء في بعض الطرق أنه قال: «الراوي عنه قال: حدثني بعض»، ولا «الحذيفة»، فالراوي مبهم. ولأجله ضعف الحديث، فالحديث ضعيف لأجل إبهام الراوي عن الحذيفة. قال -رحمه الله-: فمعاذ -من أجل- علماء الصحابة بالأحكام، ومعرفة الحلال والحرام، ومعرفة أحكام الكتاب والسنة. ولهذا ساغ له الاجتهاد إذا لم يجد القضية حكمًا في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله. على خلاف ما يقع اليوم قبله من أهل التفريط في الأحكام، ممن يجهل حكم الله في كتابه، وسنة رسوله، فيظن أن الاجتهاد يسوق له مع الجهل بأحكام الكتاب والسنة. وهذا في إشارة كذلك على أنه ليس لكل أحد ليس لكل أحد أن يجتهد، وأن يتكلم في دين الله جل وعلا؛ ليس لكل أحد، بل يجب على من تكلم في دين الله جل وعلا، وتكلم في الأحكام الشرعية، لا بد أن يكون لا بد أن تتوفر فيه آلات الاجتهاد. لا بد أن تتوفر فيه آلات الاجتهاد؛ بمعنى أن يكون عنده آلات الاجتهاد. وليس من شرطها أن يكون مجتهدًا مطلقًا، ليس من شرطها أن يكون مجتهدًا مطلقًا كأبي بكر وعمر، أو كالإمام أحمد والشافعي، أو كشيخ الإسلام ابن تيمية، ومن القيم، أو نحو هؤلاء. بل -كما قال علماء-: أن يكون فيه آلات الاجتهاد التي بها يستطيع أن يستنبط، وأن يحكم، وأن يصل في الأمر، أي يتميز له الحق والصواب من غيره. قالوا: فإذا كان كذلك، فعليه بعد هذا أن يكون حريصًا على إصابة الحق، ما استطاع إلى ذلك سبيلًا. وثالثًا كذلك يجب عليه أن يستفرغ وسعه، أن يستفرغ وسعه لتحصيل ذلك الحق؛ لتحصيل ذلك الحق. فإن أصاب بعد ذلك فله أجران، وإن أخطأ فله أجر. إذن لا بد أن يكون عنده آلات الاجتهاد أولًا، ثانيًا أن يكون قصده أن يكون قصده إصابة الحق. الثالث: أن يستفرغ وسعه لتحصيل ذلك الحق، أن يستفرغ وسعه لتحصيل ذلك الحق. فإن أصاب فله أجران بعد ذلك، بعد ذلك. وإن أخطأ فله أجر واحد. الأمر لا إفراط ولا تفريط، لا نغلق باب الاجتهاد، ولا يفتح باب الاجتهاد على ماذا؟ على مصرعيه. الأمر مضبوط -بحمد الله جل وعلا-. وأما يوم القيامة، فلا يحكم بين الخلق إلا الله، إذا فصل القضاء بين العباد، فيحكم بين خلقه بالحق. وهو الذي لا يخفى عليه خافية من أعمال خلقه، إن الله لا يضيع مثل ذرة، وإن تكو حسنة يضاعفها، ويؤتي من لدنه أجرًا عظيمًا. والحكم يوم القيامة إنما هو بالحسنات والسيئات، فيأخذ للمظلوم من الظالم من حسناته بقدر ظلامته، بقدر ظلامته، إن كان له حسنات. وإن لم يكن له حسنات، أخذ من سيئات المظلوم، وطرح على سيئات الظالم. لا يجحد على هذا مثقال ذرة، لا يجحد على هذا مثقال ذرة، ولا ينقص هذا من حقه بمثقال ذرة. طيب، وهذا -كما سمعته- هذا الحكم هو الحكم الجزائي؛ هذا الحكم هو الحكم الجزائي، أي الذي يكون يوم القيامة، يحكم به ربنا جل وعلا بين عباده يوم القيامة بالحق. والحكم الذي قبله: الحكم الشرعي، والحكم الذي قبله: الحكم الشرعي. وكذلك من الحكم الذي هو مختص بالله جل وعلا: الحكم الكوني، الذي حكم الله جل وعلا كونًا بما شاء أن يكون على ما شاء -بما حكم الله جل وعلا- بما شاء أن يكون على ما شاء -سبحانه وتعالى-، وحكمه عدل -سبحانه وتعالى-. صدق، قال -رحمه الله-: قوله: «فإن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم، فربي كلا الفريقين»، فقال: «ما أحسن هذا»، فالمعنى -والله أعلم- أن «أبا شريح» لما عرف منه قومه أنه صاحب إنصاف، وتحر للعدل بينهم، ومعرفة ما يرضيهم من الجانبين، صار عندهم مرضيًا. وهذا هو الصلح؛ لأن مداره على الرضا، لا على إلجام، ولا على أحكام الكهان، هو أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ولا على الاستناد إلى أوضاع الجاهلية من أحكام كبرائهم وأسلافهم، التي تخالف حكم الكتاب والسنة؛ كما قد يقع اليوم كثيرًا. كحال الطواغيث الذين لا يلتفتون إلى حكم الله، لا كحال الطواغيث الذين لا يلتفتون إلى حكم الله، ولا إلى حكم رسوله، وإنما المعتمد عندهم ما حكموا به بأهوائهم وآرائهم. وقد يلتحق بهذا بعض المقلدة لمن لا يسوغ تقليده؛ بمعنى أنه يقلد من لا يجب تقليده، أو لم يسغ تقليده. فيعتمد على تقليده، ويترك ما هو الصواب الموافق لأصول الكتاب والسنة. والله المستعان. طيب، قوله -رحمه الله تعالى-: «في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ما أحسن هذا»، هذا من النبي صلى الله عليه وسلم خرج مخرج الإعجاب، خرج مخرج الإعجاب والإقرار لهذا الفعل، أنه «ما أحسن هذا»، أن تكون حكمًا بالعدل بين قومك، وأن تصلح بين قومك، وأن يرضى قومك منك ذلك الصلح. لذا قال الشيخ -رحمه الله تعالى-: وهذا هو الصلح؛ لأن مداره على الرضا، لا على الإلزام؛ لأنه قال ماذا؟ قال: «ومع هذا»، قال -رحمه الله تعالى-: جاء في الحديث أن «أبا شريح» قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «فحكمت بينهم فرضيا كلا الفريقين». والرضا لا يكون إلا عن ماذا؟ إلا عن صلح. بخلاف الحكم الذي هو بمعنى الإلزام؛ الحكم الذي هو بمعنى الإلزام، فإنه -كما هو معلوم- غالب الناس لا يرضون إذا كان الحكم عليهم، إذا كان الحكم عليهم ربما لا يرضى. لكن بخلاف الصلح؛ الصلح لا يكون إلا عن ماذا؟ عن الرضا. لذا قال الشيخ -رحمه الله تعالى-: وهذا هو الصلح، وهذا هو الصلح؛ لأن مداره على الرضا، لا على إلزام. قال: ولا على أحكام الكهان؛ لأن الكهان كذلك كانوا يتحاكمون إليهم، فيتكهنون لهم: إنك أنت المصيب، أو أنت المخطئ، أو ما شابه ذلك. قال: ولا كذلك ولا على أحكام الكهان، وأهل الكتاب من اليهود والنصارى. معروف أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى قد غيروا وبدلوا دين الله جل وعلا، فيحكمون في الناس بغير حكم الله جل وعلا. وما قصة ما وقع في حديث صحيحين في قصة اليهود الذي زنيا باليهودية، فقالوا: وكان كلاهما ماذا؟ محصنين. فقال حكمهم ماذا؟ «التحميم»، وأن يطاف بهم بين الناس. فلما قال النبي صلى الله عليه وسلم لبعض أحبارهم: «أسألك بالذي نزل على موسى التوراة، أهكذا تجدون الرجم في كتابكم؟» فقال: «لولا أنك استحلفتني بذلك لم أقل، لم أقر لك بذلك». فقال: «ليس هذا في حكمه في كتابنا، ولكن كان كنا إذا زن الشريف تركناه، وإذا زن الوضيع قتلناه». قال: «فاجتمعنا فقلنا: نضع حكمًا نحكم فيه بين الناس بالسوية، فوضعنا هذا الحكم». فالحاصل أنهم ماذا؟ غيروا وبدلوا حكم الله جل وعلا. فشهد النبي صلى الله عليه وسلم رمى أولئك، ثم قال: «اللهم إني أشهدك أني أول من أحيا ما أمات»، أو كما قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فالحاصل أن حكم الكهان، وحكم كذلك أهل الكتاب، كان ملزما، كان ملزما، وكان صادرًا عن غير حكم الله جل وعلا. بخلاف حكم «أبي شريح»؛ فإنه كان عن رضا، وكان بالعدل؛ كان عن رضا، أي كان صلحًا، وكان بماذا؟ كان بالعدل. قال: وعلى الاستناد إلى أوضاع الجاهلية، على أوضاع الجاهلية من أحكام كبرائهم وأسلافهم؛ كما يحصل في أيامنا هذه، وقبل أيامنا هذا، إلى أيامنا هذه يحصل هذا الأمر: أن بعضهم يستند إلى ماذا؟ إلى أوضاع القبائل، وأحكام القبائل، وإن كانت مخالفة أصرًا ورأسًا لشرع الله جل وعلا. قال -رحمه الله تعالى-: كما يقع اليوم كثيرًا، أي يقع ذلك الأمر اليوم كثيرًا. قال: كحال الطواغيث الذين لا يلتفتون إلى حكم الله، ولا إلى حكم رسوله. وقد تقدّم معنى إلى هؤلاء الذين يتحاكمون إلى غير حكم الله ورسوله. قال: وإنما المعتمد عندهم ما حكم به بأهوائهم وآرائهم. قال: وقد يلتحق بهذا بعض المقلدة لمن لم يسغ تقليده؛ بمعنى أنه يقلد من لا يجب تقليده، أو لم يسغ تقليده. قال: فيعتمد على تقليده، ويترك ما هو الصواب الموافق لأصول السنة والكتاب. والله المستعان. وأصل التقليد، وأصل التقليد: هو اتباع من ليس بحجة بغير حجة؛ هذا هو أصل التقليد. اتباع من ليس بحجة بغير ماذا؟ بغير حجة. وهذا لا يجوز، ولا سيما مع ظهور الكتاب، دليل الكتاب والسنة. وهذا بإجماع -كما تقدّم معنى- في المساء الماضية: نقل الإجماع الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- وغيره. وقد قال الله جل وعلا: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾. قوله: «فما لك من الولد؟» قال: «شريح مسلم وعبد الله». قال: «فمن أكبرهم؟» قلت: «شريح». قال: «فأنت أبو شريح». قال: فيه تقليم الأكبر في الكنية وغيرها غالبًا، وجاء هذا المعنى في غير ما حديث. والله أعلم. بمعنى أن من المستحب والمستحب أن يكن الإنسان بأكبر أبنائه؛ أن يكن الإنسان بأكبر ماذا؟ أبنائه. فتكون كنيته بأكبر أبنائه. ويجوز أن يكن بغير ذلك. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.