الدرس في شرح فتح المجيد 46، ألقاها
يتناول المقطع أسئلة متعددة حول تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله، مثل العلاقة بين الباب الحالي والسابق وتعريف البصيرة. يطرح تساؤلات حول الشرك والدعوة إلى الله وأول واجب على العبد.
يشرح المقطع سبب تكرار الشيخ لذكر تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله لزيادة الإيضاح لجهل الناس بمعناها. يُبين أيضًا تفسير آية الإسراء التي استدل بها الشيخ على أهمية التوحيد.
يتناول المقطع تفسير ابن كثير لآية وجعلها كلمة باقية في عقبه، حيث يشير إلى أن الكلمة الباقية هي 'لا إله إلا الله'. يذكر آراء السلف في تفسير هذه الآية ويبين معنى تولي الله للعبد.
كلما تقرب العبد إلى الله، تقرب الله منه أكثر. الله عز وجل كريم ويجزى عن الحسنة بأضعافها ويتجاوز عن السيئة.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن آله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، طيب الأسئلة المتعلقة بالباب كثيرة، فنذكر منها ما تيسر، بإذن الله عز وجل، كتلخيص للباب. أول هذه الأسئلة: ما العلاقة بين هذا الباب وبين الباب الذي قبله؟ والسؤال الثاني: ما هي العلاقة بين الأدلة المذكورة في الباب وبين الباب؟ السؤال الثالث: ما تعريف البصيرة، وكم درجات العلم؟ طيب في قول الله عز وجل: ﴿وَمَن يَتَّبِعْنِي﴾ معطوف على ماذا؟ السؤال الذي يليه: قوله تعالى: ﴿طُولَ﴾ فيه مجانبة أي في الحديث مجانبة المشركين من كل وجه، فما وجه ذلك في الحديث؟ الباب في الآية: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، هذا سؤال، جواب طيب. الشرك مسبة لله عز وجل من أي وجه؟ المدعوون كم أقسام؟ وكيف الدعوة؟ وكيف تكون الدعوة لهم؟ ما هي شروط الداعي لله؟ الذي يليه: ما هي أو ما هو أول واجب على العبد، وما دليله؟ الذي يليه: ما هي شروط كلمة التوحيد "لا إله إلا الله"؟ الذي يليه: هل معرفة الله تحتاج إلى برهان، ولماذا؟ طيب الذي يليه: لماذا لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث -أي في حديث معاذ في بعث معاذ- الصيام والحج؟ الذي يليه: في الحديث قبول خبر الآحاد، فما وجه ذلك؟ طيب الذي يليه: قتال مانع الزكاة على كم قسم، مع التوضيح؟ الذي يليه: في حديث معاذ التدرج في الدعوة إلى الله، فما وجهه؟ طيب في حديث سهل فضيلة لعلي، فما وجهها؟ وهل هذه الفضيلة خاصة به، منفية عن غيره، ولماذا؟ طيب ما الفرق بين اللواء والراية؟ الذي يليه: في الحديث "إن الله يحب ويحب"، ما وجهه؟ وفيه رد على من من الطوائف؟ طيب الحديث فيه الإيمان بالقدر، حديث علي -أي حديث سهل- في بعث علي إلى خيبر، فيه دليل على الإيمان بالقدر، فما وجهه؟ الذي يليه: فيه تعليم، أو ما وجهه؟ أو فيه تعليم؟ نعم. السؤال الذي يليه: أن الإمام الأعظم ينبغي له أن يعلم من يرسل من العمال والأمراء، فما وجه ذلك؟ طيب نكتفي بهذا، وندخل في درسنا الجديد إن شاء الله. تفضل يا خال. قال المصنف رحمه الله تعالى: "باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله". أراد المصنف رحمه الله تعالى بهذه الترجمة، وما جاء بعدها من الآيات والحديث، أن يزيد هذا المقام بيانًا وإضاحًا، وإلا فقد تقدم في الآيات والأحاديث ما يفسر "لا إله إلا الله"، وما دلت عليه من التوحيد، ونفي الشرك والتنديد. يعني يريد الشيخ رحمه الله تعالى هنا يبين أن الشيخ رحمه الله تعالى ذكر هذا الباب مع وضوحه وبيانه، ذكر هذا الباب، وهو قوله "تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله"، ذكره الشيخ رحمه الله تعالى هنا مع أنه قد تقدم التنبيه على معنى "لا إله إلا الله"، وعلى تفسيرها، وبيان معناها، ومقتضاها، ولوازمها، تقدم في الأبواب السابقة. ولكن الشيخ رحمه الله تعالى كرر هذه الترجمة لمعنى من المعاني، وهو زيادة الإيضاح، والاهتمام لهذا المقام، وهو أن كثيرًا من الناس ينطقون بـ "لا إله إلا الله" ولا يعلمون معنى هذه الكلمة التي هي أعظم الكلام، وأجل الكلام، لا يعلمون معنى هذه الكلمة. فلأجل هذا المعنى العظيم، أراد الشيخ رحمه الله تعالى بهذا الباب أن يقرر، وأن يزيد الأمر إيضاحًا إلى إيضاحه. قال رحمه الله: "وقول الله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾". يتبين معنى هذه الآية بذكر ما قبلها، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا﴾. الصواب: "يتبين معنى هذه الآية بذكر ما قبلها، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَدْعُوا الَّذِينَ﴾". يقول الشارح رحمه الله تعالى: أن قول المصنف رحمه الله تعالى استدلال بقول الله عز وجل بعد قوله "باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله"، وقوله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾. قال: "يتبين معنى هذه الآية بذكر ما قبلها"، إذ أن هذا الجزء من الآية لا يوضح المراد من إيراد الشيخ رحمه الله تعالى هذه الآية تحت هذا الباب. لكن إذا قرئت الآية من أولها، وهو قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾. يعني يقول الشارح رحمه الله تعالى: أن تلك الآلهة لا تملك هذا الأمر، لا تملك كشف الضر، ولا تملك تحويلًا للأمر من حال إلى حال. بخلاف الرب سبحانه وتعالى، فإنه المالك لذلك كله، فهو الذي يكشف الضر، وهو الذي يملك النفع، وهو الذي يحول الأمور من حال إلى حال، سبحانه وتعالى وحده. قال ابن كثير: "يقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله ونبيه إمامًا حنفًا، ووالد من بعث بعده من الأنبياء، الذي تنتسب إليه قريش في نسبها ومذهبها، إنه سبرأ من أبيه وقومه في عبادتهم الأوثان، فقال: ﴿إِنِّي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾". إلى قوله: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. أي هذه الكلمة، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأوثان، وهي "لا إله إلا الله"، جعلها في ذريته، يقتدي به فيها من هداه الله من ذرية إبراهيم عليه السلام، لعلهم يرجعون إليها. قال عكرمة، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، والسدي وغيرهم في قوله: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾: "يعني 'لا إله إلا الله'، لا يزال في ذريته من يقولها". أثر عكرمة لم أقف عليه، وأما أثر مجاهد فرواه ابن جرير الطبري، وهو من طريق ليس بن أبي سليم عن مجاهد، وليس بثقة، فالأثر ضعيف. قال رحمه الله: "فتبين أن معنى 'لا إله إلا الله' توحيد الله بإخلاص العبادة له، والبراءة من كل ما سواه". وهذا واضح من آثار المذكورة، وقبل ذلك من تفسير ابن كثير رحمه الله تعالى الآية. فتفسير من فسرها من السلف رحمه الله تعالى فيها: أنهم يقولون "لا إله إلا الله"، إلا يزال في ذريته من يقولها، لم تنقطع حال الكلمة في ذرية آدم عليه السلام، بل تبقى ولو بقيت في أفراد. قال المصنف: "وذكر سبحانه أن هذه البراءة وهذه الموالاة هي شهادة أن لا إله إلا الله". وفي هذا المعنى يقول العلامة الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى في "الكافية الشافية": "وَإِذَا تَوَلَّاهُ امْرُؤٌ دُونَ الْوَرَاءِ طُرًّا تَوَلَّاهُ الْعَظِيمُ الشَّأْنِ". أي تولى الله عز وجل، وأقبل على الله عز وجل، طرًا تولاه العظيم الشأن، أي صار الله جل وعلا وليًا له. من تولى الله عز وجل، صار الله عز وجل أو تولاه الله عز وجل، ومن أحبه الله، ومن أقبل على الله عز وجل، أقبل الله عز وجل عليه. قال ربنا جل وعلا: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾. وقال نبينا صلى الله عليه وسلم عن ربه: "وما تقرب إلي عبد بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته صرت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به...". الحديث. إلى أن قال: "ولئن أتاني يمشي أتيته هرولة". فكلما تقرب العبد إلى الله، كلما تقرب الرب جل وعلا من العبد، فعلى قدر سير العبد إلى الله يكون القرب من الله عز وجل لذلك العبد. والله عز وجل كريم، سبحانه وتعالى، بل هو أكرم الأكرمين، سبحانه وتعالى، فيجزع عن الحسنة بأضعاف أضعافها، ويتجاوز عن السيئة، وإن جاء بها كتبها سيئة واحدة، وهذا من كرمه وفضله وإحسانه، سبحانه وتعالى. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.