شرح الفتوى الحموية 4

الدرس في شرح الفتوى الحموية 4، ألقاها

إثبات علو الله واستقراره على العرش

الدرس يشير إلى صحة حديث "إن الله حي كريم" وإجماع السلف على علو الله واستقراره على العرش. لا يوجد نص في الكتاب أو السنة أو أقوال السلف يخالف ذلك.

مذهب السلف في الأسماء والصفات

شيخ الإسلام ابن تيمية يقرر مذهب السلف في مسائل الأسماء والصفات، حيث يثبتون ما أثبته الله لنفسه دون تمثيل أو تعطيل. يستنكر على المتكلمين الذين يزعمون الإيمان بما أنزل الله وهم يريدون التحاكم إلى الطاغوت.

أصول التعطيل ومصادرها

أصل مقالة التعطيل للصفات مأخوذ عن تلامذة اليهود والمشركين والصابئين. الجعد بن درهم والجهم بن صفوان وأبو نصر الفارابي لعبوا دورًا في نشرها وتطويرها.

الدعاء والاستغفار

الدرس يتضمن الدعاء بحمد الله والاعتراف بوحدانيته والاستغفار والتوبة إليه. يعبر عن تواضع العبد واعترافه بذنوبه ورغبته في التوبة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فقبل أن ندخل في الدرس بإذن الله عز وجل، ننبه على ما تقدم ذكره فيما مضى معنا من الدرس الماضي. نحن ذكرنا في الدرس الماضي أن حديث «إن الله حي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه أن يردهما صفرًا» بهذا اللفظ جاء من حديث سلمان مرفوعًا وموقوفًا، وراجح فيه الوقف. لكن جاء بلفظ «إن الله حي كريم يستحي من عبده...» إلى آخره، جاءت له طرق، وبمجموع هذه الطرق يرتقي الحديث إلى الحسن. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «ثم عن السلف في ذلك من الأقوال ما لو جمعا لبلغ مئين أو ألوفا، ثم ليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من سلف الأمة -لا من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان- ولا عن الأئمة الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف حرف واحد يخالف ذلك، لا نصا ولا ظاهرا. ولم يقل أحد منهم قط: إن الله ليس في السماء، ولا أنه ليس على العرش، ولا أنه بذاته في كل مكان، ولا أن جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء، ولا أنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل ولا منفصل... بل قد ثبت في الصحيح عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خطب خطبته العظيمة يوم عرفة، في أعظم مجمع حضره الرسول صلى الله عليه وسلم، جعل يقول: «ألا هل بلغت؟» فيقولون: «نعم»، فيرفع إصبعه إلى السماء، ثم ينكثها إليهم، ويقول: «اللهم اشهد»، غير مرة. وأمثال ذلك كثيرا». وهذا الكلام من شيخ الإسلام رحمه الله تعالى تقرير لمذهب السلف رضي الله عنهم وأرضاهم في مسائل الأسماء والصفات، أنهم يثبتون ما أثبت الله جل وعلا لنفسه، على الوجه اللائق بالله جل وعلا، إثباتا من غير تمثيل، وتنزيها من غير تعطيل. قال رحمه الله تعالى: «فكيف يجوز على الله تعالى، ثم على رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم على خير الأمة أنهم يتكلمون دائما بما هو إما نص وإما ظاهر في خلاف الحق، ثم الحق الذي يجب اعتقاده لا يبوحون به قط، ولا يدلون عليه، لا نصا ولا ظاهرا، حتى يجيء أنباط الفرس والروم، وفروخ اليهود والنصارى، والفلاسفة، يبينون للأمة العقيدة الصحيحة التي يجب على كل مكلف أو كل فاضل أن يعتقدها؟!». ثم ذكر رحمه الله أن هؤلاء المتكلمين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وقد أمروا أن يكفروا به. ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا. قال رحمه الله: «فهلا قال: من تمسك بالقرآن، أو بدلالة القرآن، أو بمفهوم القرآن، أو بظاهر القرآن في باب الاعتقاد، فهو المهتم؟ وإنما الهدى رجوعكم إلى مقاييس عقولكم، وما يحدثه المتكلمون منكم بعد القرون الثلاثة؟!». ثم أشار رحمه الله إلى أن أصل هذه المقالة -مقالة التعطيل للصفات- مأخوذ عن تلامذة اليهود والمشركين والصابئين. فإن من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام -أعني أن الله سبحانه وتعالى ليس على العرش حقيقة، وأن معنى «استوى» بمعنى «استولى»، ونحو ذلك- هو الجعد بن درهم. وأخذها عنه الجهم بن صفوان، وأظهرها، فنسبت مقالة الجهمية إليه. قال رحمه الله: «وكذلك أبو نصر الفارابي دخل حران، وأخذ عن فلاسفة الصابئين تمام فلسفته. وأخذها الجهم أيضا... فهؤلاء هم رؤوس الفلاسفة». ثم ذكر رحمه الله أن كلام الأئمة -مثل مالك، وسفيان بن عيينة، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، والفضيل بن عياض، وبشر الحافي، وغيرهم- في هؤلاء كثير، في ذمهم وتضليلهم. قال رحمه الله: «وكلام السلف في هذا الباب موجود في كتب كثيرة، لا يمكن أن نذكرها هنا إلا قليلا منها، مثل كتاب السنن للالكائي، والإبانة لابن بطة، والسنة لأبي ذر الهروي، والأصول لأبي عمر الطلمنكي...». ثم ختم رحمه الله كلامه بقوله: «فمن نظر فيها وأراد إبانة ما ذكره من الشبه، فإنه يسير. وإذا كان أصل هذه المقالة -مقالة التعطيل والتأويل- مأخوذا عن تلامذة المشركين والصابئين واليهود، فكيف تطيب نفس مؤمن، بل نفس عاقل، أن يأخذ سبيل هؤلاء المغضوب عليهم أو الضالين، ويدع سبيل الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين؟!». والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على