شرح فتح المجيد 127

الدرس في شرح فتح المجيد 127، ألقاها

أحكام الحكم بغير ما أنزل الله وتكفير من يفعل ذلك

يشرح حكم من يحكم بغير ما أنزل الله مستدلاً بآية قرآنية وشرح الإمام ابن كثير، ويبين أن الحكم بغير شرع الله يعد حكم الجاهلية والطاغوت. يتطرق إلى مسألة التكفير لمن يفعل ذلك.

كمال الإيمان واتباع أوامر الله ورسوله

يشرح حديث النبي حول كمال الإيمان واتباع أوامر الله ورسوله، ويبين معناه من خلال الآيات القرآنية وأقوال العلماء. يشير إلى ضعف سند الحديث ولكن صحة معناه.

معاملة من آذى الله ورسوله ونقض العهد

يروي قصة كعب بن الأشرف اليهودي الذي نقض عهده مع النبي بسبب عداوته له، وقتل على يد محمد بن مسلمة وصحابة آخرين بإذن من النبي. يدل على أن من آذى الله ورسوله لا عهد له ويستحق القتل.

حكمة النبي في التعامل مع المنافقين

يشرح حكمة النبي في عدم قتل المنافقين لئلا ينفر الناس عن الدين ويظنوا أنه يقتل أصحابه. يدل على حكمة النبي في التعامل مع المنافقين والمحافظة على انتشار الدين.

التفريغ النصي الكامل

أحمد الله، وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، فما كان أهل الجاهلية يحكمون بها من الجهالات والضلالات، كما يحكم بها التتار من السياسات المأخوذة عن جنكسخان، الذي وضع لهم كتابًا مجموعة من أحكام أقيسة من شرائع شتى، وفيها كثير من الأحكام أخذها عن مجرد نظره، وصار في بنيه شرعًا يقدمونه على الحكم بكتاب الله والسنة رسوله، فمن سأل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم بسواه في قليل ولا كثير، إلى غير الله جل وعلا، وإلى غير رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ففي هذه الآية، كما هو ظاهر، الله جل وعلا يقول: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾، ففي هذا دلالة واضحة على أن كل من حكم بغير حكم الله جل وعلا فإنه حكم بحكم الجاهلية، ومعنى هذا أيضًا أن من حكم غير الله جل وعلا فقد حكم الطاغوت، وحكم الطاغوت صادر عن جهالة، لأن كل ما خالف الكتاب والسنة فهو من الباطل والزور. قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى، مفسرًا لهذه الآية: ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله تعالى، المجتمع على كل خير، والنهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاستصلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، فهو كما ترون خرج من شريعة الله، وخرج من حكم الله، أي لم يرتضه، وزد على هذا أنه عدل إلى غيره، أي رضي بحكم غير الله جل وعلا. قال: كما كان أهل الجاهلية يحكمون بها من الجهالات والضلالات، وقال: كما يحكم بها التتار من السياسات المأخوذة من كنجز خان، الذي وضع لهم كتابًا مجموعًا من أحكام أقيسة من شرائع شتى، وهذا الكتاب كما ذكره الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في كتابه البداية والنهاية، أن هذا الكتاب كان يسمى الياسق، وفيه كثير من الأحكام أخذها عن مجرد نظره. قال الحافظ ابن كثير: وصار في بنيه شرعًا يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وهذا كما هو ظاهر بأنه يقدمونه على حكم الله جل وعلا وحكم رسوله، ومن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله. وجاء في البداية والنهاية أنه قال: فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة، كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين. إذن، المسألة مقيدة بقيود، وليست مطلقة، وكلام ابن كثير رحمه الله تعالى هذا الذي ذكره في البداية والنهاية كثيرًا ما يدندن به الحزبيون التكفيريون في هذا العصر، يقولون: ابن كثير قد نقل الإجماع على أن من بدل الشرع أو الشرائع بأنه كافر. ثم ما مرادكم بتبديل الشرع؟ عبارة مطاطة، مرجعها ومآلها إلى أن كل من حكم بغير حكم الله جل وعلا بأنه كافر كفرًا أكبر مخرجًا من الملة. قال رحمه الله: قوله ومن أحسن من الله حكما لقوم يقينون، استفهام إنكار، أي لا حكم أحسن من حكمه تعالى، وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس من الطرف الآخر مشارك، بمعنى أن أفعل الذي من وزن المبالغة والتفضيل تدل على المشاركة وزيادة، ولكن في هذا المقام لا تدل على هذا المعنى، لأن لا أحد حكمه كحكم الله، ولا يشارك حكم الله جل وعلا في الحكم أبدًا. قال المصنف رحمه الله تعالى: عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به، قال النووي: حديث صحيح، قويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح. قال الشارح رحمه الله: هذا الحديث رواه الشيخ أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي الشافعي في كتاب الحجة على تارك المحجة بإسناد صحيح، كما قال المصنف عن النووي، ورواه الطبراني وأبو بكر بن عاصم والحافظ أبو نعيم في الأربعين التي شرط لها أن تكون من صحاح الأخبار. وشاهده في القرآن، أولًا هذا الحديث كما يقول العلماء مداره على نعيم بن حمد الخزاعي وهو ضعيف، وذكر له كذلك الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم على أخرى رجع إليها من ابتغاه عند هذا الحديث، فالحاصل للحديث لا يصح، وإن كان معناه صحيحًا. قال رحمه الله: وشاهده في القرآن، قال تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾ الآية، وقوله: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾، وقوله: ﴿فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم﴾، ونحو هذه الآيات. قوله: لا يؤمن أحدكم، أي لا يكون من أهل كمال الإيمان الواجب الذي وعد الله عليه بدخول الجنة والنجاة من النار، وقد يكون في درجة أهل الإساءة والمعاصي من أهل الإسلام. قال رحمه الله: وقال الشعبي: كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة، فقال اليهود: نتحاكم إلى محمد، عرف أنه لا يأخذ الرشوة، فقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود لعلمه أنهم يأخذون الرشوة، فاتفق أن يأتيا كاهنًا في جهينة فيتحاكم إليه، فنزلت: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون﴾ الآية. وقيل: نزلت في رجلين اختصما، فقال أحدهما: نترافع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف، ثم ترافعا إلى عمر بن الخطاب، فذكر له أحدهما القصة، فقال للذي لم يرض برسول الله صلى الله عليه وسلم: أهكذا قال؟ نعم، فضربه بالسيف فقتله. قوله: أولًا، وقال الشعبي، أثر الشعبي رحمه الله تعالى سنده صحيح إلى الشعبي، رواه ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره بإسناد صحيح إلى الشعبي، ولكنه مرسل، كما ترون، لكن له شاهد، فصحة سبب النزول من حديث ابن عباس كما رواه الطبراني في الكبير والأوسط والبزار، وفي أسباب النزول، قال: كان أبو بردة -وفي بعض النسخ أبو برزة- كاهنًا يقضي بين اليهود فيما يتنافرون إليه، قال: فتنافر إليه أناس من المسلمين، فأنزل الله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به﴾ إلى آخر الآية، وسنده صحيح. قال الشارح: قوله: وقال الشعبي، هو عامر بن شراحيل الكوفي، عالم أهل زمانه، وكان حافظًا علامة ذا فنون، كان يقول: ما كتبت سوداء في بيضاء، وهذا يدل على شدة حفظه. قال: وأدرك خلقًا من الصحابة وعاش بضعًا وثمانين سنة، قاله الذهبي، وفيما قاله الشعبي ما يبين أن المنافق يكون أشد كراهة لحكم الله ورسوله من اليهود والنصارى، ويكون أشد عداوة منهم لأهل الإيمان. قال: وكان كعب بن الأشرف هذا شديد العداوة للنبي صلى الله عليه وسلم، والأذى له، وإظهار عداوته، فانتقض به عهده، وحل به قتله، روى مسلم في صحيحه عن جابر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله. قال محمد بن مسلمة: يا رسول الله أتحب أن أقتله؟ قال: نعم، قال: إذا لي فأذن، قال: إذا لي فأذن، قال: قل، فأتاه فقال له: وذكر ما بينهم، وقال: إن هذا الرجل قد أراد صدقة وقد عنانا، فلما سمعه قال: وأيضًا والله لتلمونه، قال: إنا قد اتبعناه الآن، ونكره أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير أمره. قال: وقد أردت أن أسلفك سلفًا، قال: فما ترهنني؟ قال: ترهنني نساءكم، قال: أنتم أجمل العرب، قال: أنت أجمل العرب، أنا أرهنك نساءنا، قال: ترهنوني أولادكم، قال: يسبوا ابن أحدنا، قال: يسبوا ابن أحدنا، فيقال ذهننا في وسقين من ثمر، ولكن نرهنك الأمة، قال: ولكن نرهنك السلاح، قال: نعم، فوعدوا أن يأتيه بالحرة، وأبو عبس بن جبر، وعباد بن بشر. قال: فجاءوا فدعوه ليلًا فنزل إليهم، قال سفيان: قال غير عمر: قالت له امرأته: إني لأجد صوتًا كأنه صوت دم، قال: إنما هذا محمد بن مسلمة ورضيعه وأبو نائلة، إن الكريم لو دعي إلى طعنة ليلًا لأجاب، قال: إن الكريم لو دعي إلى طعنة ليلًا لأجاب. قال محمد: إني إذا جاء فسوف أمد يدي إلى رأسه، فإذا استمكنت منه فدونكم، قال: فلما نزل نزل وهو متوشح، فقالوا: نجد منك ريح الطيب، قال: نعم، تحتي فلانة أعطر نساء العرب، قال: فتأذن لي أن أشم منها، قال: نعم، فشم، فتناوله فشم، ثم قال: إذا لي أن أعود، قال: فاستمسك، فاستمكنا من رأسه، ثم قال: دونكم، قال: فقتلوه. الحاصل القصة كما ترون أن كعب بن الأشرف كان من اليهود، وكان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد، ولكنه نقض العهد لأنه كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويؤلب عليه، فلأجل هذا المعنى النبي صلى الله عليه وسلم قال لصحابته: من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله. ففي دلالة على أن من آذى الله ورسوله بأنه يستحق القتل، ولا عهد له، فحصل من محمد بن مسلمة رضي الله عنه وأرضاه ومن معه من هؤلاء الصحابة الأبرار أن قاموا بما أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله أتحب أن أقتله؟ قال: نعم، قال: إذن لي فأذن. قال: أقل، أي أقل شيء، أوهم أنني أتنقصه، فقال: إن الرجل قد أراد صدقة وقد عنانا، أي تعبنا بكثرة الأوامر والمطالب، وهذا كما يقول العلماء من المكر الحسن بأعداء الله جل وعلا. قال رحمه الله: في قصة عمر بيان أن المنافق المغموس بالنفاق إذا أظهر نفاقه قتل، كما في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ترك قتل من أظهر نفاقه منهم تأليفًا للناس، فإنه قال: لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه. وفي قصة عمر أي على ثبوتها بيان أن المنافق المغموس أي المتهم والمشهور بالنفاق إذا أظهر نفاقه قتل، رجل معروف أنه يتهم بالنفاق، أنه كافر باطنًا، ثم أظهر الكفر وأظهر النفاق، يجوز في مثل هذه الحالة أن يقتل، ولكن كما سمعتم أن يكون الأمر إلى من ولي السلطان في ذلك. وإنما ترك النبي صلى الله عليه وسلم قتل المنافقين كما ذكر رحمه الله تعالى لأجل أن لا يقول الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، فينفرون عن الدين، ولا يتقلون في دين الله جل وعلا. والله تعالى أعلى وأعلم، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على