الدرس في شرح العقيدة التدمرية 17، ألقاها
شيخ الإسلام ينتقد الأشاعرة لتشابههم مع المعتزلة في نفي الصفات عن الله، ويستدل على امتناع قولهم بأن الله ليس بداخل العالم ولا خارجه. هذا الانتقاد يستند إلى أن سلب النقيضين ممتنع ببداهة العقول.
يجب الإيمان بما أخبر به الرسول عن ربه عز وجل، سواء عرفنا معناه أو لم نعرف، لأنه الصادق المصدوق. هذا يشمل كل ما جاء في الكتاب والسنة، ويجب على كل مؤمن التسليم لإخبارات رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يجب قبول ما ثبت عن سلف الأمة من الصحابة والتابعين وأئمة الدين، وقد دلت الآية الكريمة على وجوب اتباع السلف. استدل شيخ الإسلام ابن تيمية بهذه الآية على وجوب اتباع السلف وتكفير من خالفهم في الإجماع القطعي.
الرد على من يقول أن الله في جهة معينة، حيث يتم توضيح أن القول بأن الله فوق العالم هو حق، بينما القول بأنه داخل في شيء من المخلوقات هو باطل. هذا يوضح الفهم الصحيح لجهة الله تعالى.
بسم الله والحمد لله، وصلاة الله وسلامه على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، أين توقفنا؟ طيب، فضل بسم الله. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: فإذا قيد لهؤلاء هذا، مستلزم وصفه بنقيض ذلك، كالموت والصمم والبكم، قالوا: إنما يلزم ذلك لو كان قابلا لذلك، وهذا الاعتراض يجد قولهم فسادًا. وكذلك من ضاه هؤلاء، لماذا يجد قولهم فسادًا؟ لما تقدم أن ما كان قابلا للوصفين، ما كان معينا به معًا، أقرب إلى الوجود مما هو لا يقبل، مما هو لا يقبل الوصفين، كما تكرر معنا مرارًا أن ما لا يقبل الوصفين أشد امتناعًا مما يقبل الوصفين مع ما عُسِل به معًا. قال رحمه الله: وكذلك من ضاه هؤلاء، هم الذين يقولون: ليس بداخل العالم ولا خارجه. إذا قيل: هذا ممتنع في ضرورة العقل، كما إذا قيل: ليس بقديم ولا محدث، ليس بقديم ولا محدث، ولا واجب ولا ممكن، ولا قائم بنفسه ولا قائم بغيره. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وكذلك من ضاه هؤلاء، أي من ضاه هؤلاء من الأشاعرة، الذين ضاهوا المعتزلة في التعطيل، كما مر معنا أنهم يسلبون الصفات. ضاه هؤلاء، وقارب هؤلاء، وشابه هؤلاء الأشاعرة، باعتبار الصفات التي نفوها، ومن هذه الصفات صفة العلو. فهم يقولون في حق الله جل وعلا: ليس بداخل العالم ولا خارجه. حقيقة قولهم: يقول شيخ الإسلام: إذا قيل لهم: هذا ممتنع في ضرورة العقل، لماذا؟ لأن ما ليس داخل العالم ولا خارجه، هل هذا له وجود؟ الجواب: لا، لأن هذا من سلب النقيضين، وسلب النقيضين ممتنع، كالجمع بين النقيضين. فهو ممتنع ببداهة العقول. فيقول شيخ الإسلام: إذا قيل لهم: هذا ممتنع في ضرورة العقل، كما إذا قيل: ليس بقديم ولا محدث، أي كما أننا نقول: ليس بقديم ولا محدث، هذا ممتنع، لماذا؟ لأنه سلب النقيضين، وسلب النقيضين كاجتماع النقيضين في الامتناع، واضحة. فإذا فررتم من شيء، فررتم من إثبات علو الله جل وعلا على الوجه اللائق بالله جل وعلا، ظنا منكم أن ذلك يستلزم تشبيهه سبحانه وتعالى بالمخلوقات، فروا من ذلك، فشبهوا بالممتنعات. قيد: قالوا: هذا إنما يكون إذا كان قابلا لذلك، والقبول إنما يكون من المتحيز. فإذا انتفى التحيز، انتفى قبول هذين المتناقضين. رجعوا إلى الشبهة الأولى: أن هذا يمتنع فيما كان التقابل فيه من تقابل العدم والملكة. قالوا: ولكن هذا من باب تقابل العدم والملكة، إذن يجوز أن نقول في حق الله جل وعلا: ليس داخل العالم ولا خارج العالم، لماذا؟ قالوا: لأن هذا التقابل من هذا الباب. قال رحمه الله: فيقال لهم: علم الخلق بامتناع الخلوء منه هذين النقيضين، هو علم مطلق، لا يستثنى منه موجود. قال: والتحيز المذكور، إنما أريد به كون الأحياز الموجودة تحيط به. قال: فهذا هو الداخل في العالم. وإن أريد به أنه منحاز مع المخلوقات، أو منحاز عن المخلوقات، أي مباين لها، متميز عنها، فهذا هو الخارج. فالمتحيز: يراد به تارة ما هو داخل العالم، وتارة ما هو خارج العالم. فإذا قيل: ليس بمتحيز، كان معناه: ليس بداخل العالم ولا خارجه. فهم غيروا العبارة ليوهموا من لا يفهم حقيقة قولهم أن هذا معنى آخر، وهو المعنى الذي علم فساده بضرورة العقل. القاعدة الثانية: أن ما أخبر به الرسول عن ربه عز وجل، فإنه يجب الإيمان به، سواء عرفنا معناه أو لم نعرف، لأنه الصادق المصدوق. فما جاء في الكتاب والسنة، وجب على كل مؤمن الإيمان به، وإن لم يفهم معناه. قال رحمه الله تعالى: في القاعدة الثانية: أن ما أخبر به الرسول عن ربه عز وجل، فإنه يجب الإيمان به. وهذا كما هو واضح، حال كل مؤمن، أنه إذا سمع الخبر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه يجب عليه الإيمان والتسليم لإخبارات رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول شيخ الإسلام رحمه الله: سواء عرفنا معناه أو لم نعرف، أي سواء كانت عقولنا استقبلت وعلمت هذا المعنى، أم لم تعلمه. لكن ما دام أنه أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه يجب علينا أن نعلم بأنه حق. وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها، أن يجب قبوله والتسليم له. ومعنى هذا: أنه كما يجب تلقي ما جاء في الكتاب والسنة بالقبول، كذلك يجب تلقي ما ثبت عن سلف الأمة من الصحابة والتابعين وأئمة الدين بالقبول أيضًا. قال ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنۡتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهۡتَدَوۡاْۖ وَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاقٖۖ﴾، وقال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا﴾. في هذه الآية دلالة واضحة على أنه يجب اتباع السلف. بل ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أن في هذه الآية قد يستدل بها على وجوب اتباع السلف، وعلى تكفير من خالفهم، لا سيما في الإجماع القطعي، كما هو في هذا الباب، في باب الأسماء والصفات. وما تنازع فيه المتأخرون نفيًا وإثباتًا، فليس على أحد، بل ولا له أن يوافق أحدًا على إثبات لفظه أو نفيه، حتى يعرف مراده. فإن أراد حقًا قبل، وإن أراد باطلًا رد. وإن اجتمع كلامه على حق وباطل، لم يقبل مطلقًا، ولم يرد جميع معناه، بل يوقف اللفظ، ويفسر المعنى. كما تنازع الناس في الجهة والتحيز وغير ذلك. فلفظ الجهة: قد يراد به شيء موجود غير الله، فيكون مخلوقًا، كما إذا أريد بالجهة نفس العرش أو نفس السماوات. وقد يراد به ما ليس بموجود، غير الله تعالى، كما إذا أريد بالجهة ما فوق العالم. ومعلوم أنه ليس في النفس إثبات لفظ الجهة، ولا نفيه، كما فيه إثبات العلو، والاستواء، والفوقية، والعروج إليه، ونحو ذلك. ومعنى هذا: أن لفظ الجهة محدث، لم يأت في كتاب ولا سنة، بل لفظ محدث، وكذلك مجمل. قال: وقد علم أن ما ثم موجود إلا خالق ومخلوق، العالم يعني الموجودات، إما خالق وإما مخلوق، ما هناك قسيم ثالث. والخالق مباين للمخلوق سبحانه وتعالى، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته. فيقال لمن نفى الجهة: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق؟ فالله ليس داخلا في المخلوقات. أم تريد بالجهة ما وراء العالم؟ فلا ريب أن الله فوق العالم، مباين لمخلوقاته. وكذلك يقال لمن قال: الله في جهة، أتريد بذلك أن الله فوق العالم، أو تريد به أن الله داخل في شيء من المخلوقات؟ فإن أردت الأول فهو حق، وإن أردت الثاني فهو باطل. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.