شرح العقيدة التدمرية 33

الدرس في شرح العقيدة التدمرية 33، ألقاها

انتقاد منهج إثبات الصفات بنفي التشبيه

يناقش شيخ الإسلام ابن تيمية انتقاد منهج بعض المتكلمين في إثبات صفات الله جل وعلا بنفي التشبيه فقط، موضحا أن هذا المنهج غير كاف ويفتح الباب لتسلط الملاحدة. يجب التفريق بين الصفات التي تليق بالله وتلك التي لا تليق به.

بطلان منهج التفريق بين الأمور المتماثلة بدون دليل

يبين ابن تيمية أن منهج إثبات الصفات بمجرد نفي التشبيه باطل لأنه يستلزم التفريق بين الأمور المتماثلة بدون دليل، ويؤكد على ضرورة وجود دليل على الإثبات والنفي.

طرق إثبات وتنزيه الله جل وعلا

شرح شيخ الإسلام طرق إثبات وتنزيه الله، مبينا أن إثبات صفات الكمال يستلزم نفي أضدادها، وأن السمع والعقل يدلان على نفي ما ينافي صفات الله الكمالية.

تناقض القرامطة في نفي التشبيه

يتناول ابن تيمية انتقاد منهج القرامطة في نفي التشبيه عن الله، حيث وقعوا في تناقض بنفيهم لوجود الله، مما أدى إلى تشبيهه بالمعدوم والممتنع.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فصل، قال: والفصل بَيِّنُ الفرق بين أو الفصل بين موضوعين. والشيخ رحمه الله تعالى ما زال في القاعدة السادسة. قال رحمه الله تعالى: يعني فصل أولا جعله في ماذا؟ في الطريقة التي يسلكها بعض الناس في نفي النقائص أو نفي الصفات عن الله جل وعلا؛ لأجل تنزيه الله جل وعلا عما لا يليق به. وفي هذا الفصل ذكر خطأ طريقة -يعني طريق الطرق أو أحد الطرق أو بعض الطرق- التي ذهب إليها بعض المتكلمين في الإثبات، أي في إثبات ما يليق بالله جل وعلا. فقال الشيخ رحمه الله: وأما طرق الإثبات، فمعلوم أيضا أن المثبت لا يكفي في إثبات مجرد نفي التشبيه، كما تقدَّم معنا في أول القاعدة: أن هذه الطريقة ليست بسديدة. ليست بسديدة؛ لماذا؟ نفي مجرد التشبيه؛ لما تقدم معنا من أن نفي التشبيه فقط ليس بكاف في ذلك؛ إذ ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك، ومن جهة أخرى بينهما قدر مميز -أي مميز لأحدهما عن الآخر-. فقال: فمعلوم أيضا أن المثبت لا يكفي في إثباته مجرد نفي التشبيه؛ إذ لو كفى في إثباته مجرد نفي التشبيه، لجاز أن يوصف الله سبحانه وتعالى من الأعضاء والأفعال بما لا يكاد يحصى مما هو ممتنع عليه -معنى التشبيه-. وضح هذا يا جماعة؟ يقول: ما هي طريقة الإثبات؟ يقول: طريقة الإثبات أن أنفي عن الله جل وعلا التشبيه، إذن هذا الباب -يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى- قد يكون سببا لتسلط الملاحدة على أهل الإسلام. كيف ذلك؟ بأن يقول: طائفتهم على الله جل وعلا: نثبت لله جل وعلا كذا وكذا وكذا من الصفات التي لم يثبتها الله جل وعلا لنفسه، ثم يقول: من غير تشبيه. وضح يا جماعة؟ أقول: لله عز وجل -مثلا- عنق، لله جل وعلا معدة، وما شابه ذلك. يقول: ماذا؟ من غير تشبيه. وضح يا جماعة؟ هل الطريقة سوية؟ ليست بسوية؛ لذا قال شيخ الإسلام رحمه الله: قال: «لجاز أن يوصف الله سبحانه وتعالى من الأعضاء والأفعال بما لا يكاد يحصى مما هو ممتنع عليه -معنى التشبيه-، وأن يوصف بالنقائص التي لا تجوز عليه -معنى التشبيه-؛ كما لو وصفه مُفترٍ عليه بالبكاء والحزن والجوع والعطش -بالبكاء والحزن والجوع والعطش معنى التشبيه-؛ يعني يقول: الله جل وعلا يبكي لا كبكاء المخلوق، والله جل وعلا يحزن لا كحزن المخلوق. وافتح هذا الباب الذي هو باب النقائص -إثبات صفات النقص لله جل وعلا- اضطرادا على هذه القاعدة وعلى هذا الأصل الفاسد». فيقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «وكما لو قال المفتري: يأكل لا كأكل العباد». الآن يثبت لله ماذا؟ الصفات، وأنفي عنه ما لا تشبيه. قال: «كأن يقول مُفترٍ: يأكل لا كأكل العباد، ويشرب لا كشربهم، ويبكي ويحزن لا كبكائهم ولا حزنهم؛ كما يقال: يضحك لا كضحكهم؛ يعني الآن صفة الضحك ثابتة أم لا يا جماعة؟ ثابتة». فالآن المفتري يقول: كما أنكم تثبتون الضحك، أنا سأثبت ماذا؟ البكاء. وأقول: ماذا؟ الله جل وعلا يبكي كبكاء المخلوق؛ كما أنكم تقول: لا يضحك ضحك المخلوق. قال: «ويفرح، وقال: كما يقال: يضحك لكم ضحكهم، ويفرح لكم فرحهم، ويتكلم لكم كلامهم. ولجاز أن يقال له: أعضاء كثيرة لا كأعضائياتهم؛ كما يقال له: وجه لا كوجوههم، ويدان لا كأيديهم، حتى يذكر المعدة والأمعاء والذكر -وغير ذلك- مما يتعالى الله عز وجل عنه». سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. الآن هذه الطريقة -بيّن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى- فسادها؛ لماذا؟ لأنها تفتح بابا واسعا من أبواب الشر، وأبواب التنقص لله جل وعلا. بهذه الحجة يقول: أثبت لله جل وعلا الصفات، وإن كانت هذه الصفات في حق الله جل وعلا نقص، وأنفي عن الله جل وعلا ماذا؟ التشبيه. «يحزن لكم حزن المخلوق، وكذلك له معدة لكم معدة -أنتم خلق-». تعالى الله جل وعلا عما يقول الظالمون أفاكون علوا كبيرا. قال شيخ الإسلام: «﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ۝ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ۝ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:180-182]». ومعنى سبحانه -أي تنزه وتعاظم سبحانه وتعالى-. قال: «فإنه يقال لمن نفى ذلك مع إثبات الصفات -لمن نفى ذلك مع إثبات الصفات الخبرية وغيرها من الصفات-». طيب وغيرها من الصفات: ما الفرق؟ «فإنه يقال لمن نفى ذلك مع إثبات الصفات الخبرية وغيرها من الصفات: ما الفرق بين هذا وبين ما أثبته؟» الآن سؤال يوجه لمن؟ لمن أثبت لله جل وعلا الصفات الخبرية؛ لكن بطريقة ماذا؟ بطريقة نفي التشبيه. يقال له: «ما الفرق بين ما أثبته -ما الفرق بين هذا وبين ما أثبته-؛ أي: بين ما بين هذا -أي: بين الذي أثبته المفتري- وبين ما أثبته أنت من الصفات الخبرية؛ من الوجه واليد والعينان إلى غير ذلك». قال: «إذا نفيت التشبيه، وجعلت مجرد نفي التشبيه كافيا في الإثبات؛ فلابد من إثبات فرق في نفس الأمر». واضحة يا جماعة؟ الآن إلزام لهذا الذي يعتمد على هذه الطريقة في إثبات الصفات لله جل وعلا. يقول: كيف تنفي عن الله جل وعلا أن له عنقا، أن له معدة، إلى غير ذلك من الصفات التي يتنزه الله جل وعلا عنها؛ بحجة ماذا؟ نفي التشبيه. وفي نفس الوقت تثبت لله جل وعلا الوجه واليدان، وما شابه ذلك؟ والباب هو الباب -على كلامك الآن- واضح يا جماعة؟ «فلماذا تثبت شيئا -يعني مثلا تثبت الوجه وتنفي مثلا العنق-؟ واضح يا إخوان؟ إن كان اعتمادك فقط على ماذا؟ على مجرد نفي التشبيه». لأن من أثبت العنق -مثلا- سيقول: ماذا؟ «عنق لا كعنق مخلوق؛ كما أنك تقول -أيها المثبت للوجه-: وجه لا كوجه ماذا؟ المخلوق». واضح يا جماعة؟ الكلام ها هنا ليس مع أهل السنة، ولكن الكلام مع من سلك هذه الطريقة الخاطئة في الإثبات. واضح يا إخوان أم لا؟ فيقول الشيخ للإسلام رحمه الله: «فإنه يقال لمن نفى -يقال لمن نفى ذلك-؛ أي: نفى النقائص عن الله جل وعلا مع إثبات الصفات الخبرية وغيرها من الصفات؛ لكنه على أي طريقة أثبتها؟ على طريقة نفي التشبيه». الآن الشيخ يريد يبين أن هذه الطريقة ماذا؟ صحيحة أو باطلة؟ باطلة؛ لماذا؟ لما يستلزم من هذه القاعدة من ماذا؟ من لوازم باطلة. لذا قال: «ما الفرق بين هذا وبين ما أثبته؛ مع أن الباب واحد؟ ما الفرق بين إثبات الوجه لا كالوجوه، ونفي العنق؛ مع أننا نقول: ليست كأعناق المخلوق؟ والباب واحد». واضح يا جماعة؟ «فلماذا تثبت شيئا وتنفي شيئا؛ على قاعدتك». فيقول شيخ الإسلام: «إذا نفيت التشبيه، وجعلت مجرد التشبيه كافيا في الإثبات؛ فلا بد من إثبات فرق في نفس الأمر -إثبات فرق في نفس الأمر-؛ أي: بين ما أثبته وبين ما نفيته». هل على هذه الطريقة عنده دليل وبرهان على التفريق؟ أم ليس عنده دليل وبرهان على التفريق؟ هيا يا جماعة؟ على هذه الطريقة: ليس عنده برهان على التفريق؛ بل يجب عليه أن يكون الباب ماذا؟ واحد. من باب الإلزام. ولازم الباطل: إيش يا جماعة؟ باطل. إذا الطريقة التي سلكها في الإثبات -بمجرد نفي التشبيه- طريقة باطلة؛ لماذا؟ لأنها تستلزم الباطل. واضح يا إخوان أم لا؟ لذا قال شيخ الإسلام رحمه الله: «فإن قال -أي: هذا المثبت المعتمد على إثباته بمجرد نفي التشبيه- العمدة في الفرق هو السمع؛ العمدة في الفرق هو ماذا؟ السمع؛ يعني مجرد السمع، العقل ليس له تدخل». الآن أنا أثبت هذه الصفات -أنا خبرية محضة- عمدة في الإثبات: ما هو؟ مجرد السمع. واضح يا إخوان أم لا؟ مجرد ماذا؟ السمع. «فأنا أثبت ما جاء السمع بإثباته». طيب قال: «فما جاء السمع به أثبته، دون ما لم يجئ به السمع». ومعنى هذا: أن ما لم يجئ به السمع؛ فماذا يا جماعة؟ لا أثبته. هل لا يثبته فقط؟ الجواب: ماذا؟ لا يثبته؛ بل ينفيه. واضح يا جماعة؟ لأنه نفى ماذا؟ نفى العنق، نفى المعدة، إلى غير ذلك؛ نفاها أو توقف فيها. هيا يا إخوان؟ وعندنا قاعدة مرت معنا: أن النافي ملزم بالدليل على نفيه؛ كما أن المثبت ملزم بالدليل على ماذا؟ على إثباته. واضح يا جماعة؟ نمشي خطوة فخطوة. فالآن نعيد: يقول شيخ الإسلام: «فإن قال -أي: هذا المثبت المعتمد على إثباته بمجرد نفي التشبيه- العمدة في الفرق هو السمع؛ فما جاء السمع به أثبته، دون ما لم يجئ به السمع». قيل له: من باب ماذا؟ من باب الإلزام. أولا: «السمع هو خبر الصادق؛ السمع هو خبر إخبار عما هو الأمر عليه في نفسه -أي: في الواقع-». ما هو السمع؟ يقول: «السمع هو إخبار -خبر الصادق- عما هو الأمر عليه في نفسه؛ أي: في نفس الأمر -أي: في الواقع-؛ إخبار عما في الواقع». أنتم معي يا جماعة؟ هذا أولا. قال: «فما أخبر به الصادق فهو حق من نفسي أو إثبات». واضح هذا يا جماعة؟ لأنه إخبار عما في الواقع. قال: «فهو حق من نفسي أو إثبات». قال: «والخبر دليل على المخبر عنه». والخبر دليل على المخبر عنه -دليل على المخبر عنه-؛ مثل: الله جل وعلا قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:27]؛ ها هنا خبر: دليل على ماذا؟ على المخبر عنه. أخبر الله جل وعلا أن له ماذا؟ أن له وجها. واضح يا جماعة؟ قال: «والدليل لا ينعكس». والدليل لا ينعكس: ما معنى «الدليل لا ينعكس»؟ أي: لا يصير الدليل مدلولا -لا يصير الدليل مدلولا-؛ فيكون مدلولا على الدليل. واضح يا جماعة؟ لأنه الآن يريد ماذا؟ يريد أن يثبت أن ما نفاه: صواب من النقائص. قال رحمه الله: يعني الآن يقول: «والدليل لا ينعكس؛ أي: إذا عدم الدليل -الآن إذا عدم الدليل-». واضح يا جماعة؟ «لا يلزم من عدمه انعدام المدلول -لا يلزم من عدمه انعدام المدلول-؛ فإذا لم يرد السمع بصفة؛ جاز أن تكون ثابتة في نفسها؛ ما لم يكن نفاه سمع -ما لم يكن نفاه السمع-». معلوم أن السمع لم ينف صفات بأسمائها الخاصة -بأسمائها الخاصة-؛ مثلا: نفى صفة المعدة، صفة العنق، وما شابه ذلك. أو الصفات التي فيها ماذا؟ يحزن، يبكي، إلى غير ذلك. فلم يقل سبحانه وتعالى: إنه لم يبك، إنه لم يأكل، وما شابه ذلك؛ إذ أن...». فلابد من أمر يوجب نفي ما يجب نفيه عن الله، وما يجب إثباته لله تعالى. وما يجب إثباته لله تعالى. لذا قال الشيخ رحمه الله: قال: «والخبر دليل على المخبر عنه، والدليل لا ينعكس». قال: «فلا يلزم من عدمه -أي: من عدم الدليل المعين- عدم المدلول عليه». أنتم معي يا جماعة؟ لأن الخبر حقيقة: إخبار عن الواقع -إخبار عن ماذا؟ عن الشيء في الواقع-. قال: «فما لم يرد به السمع -أي: الخبر-؛ يجوز أن يكون ثابتا في نفس الأمر -أي: في الواقع-». هكذا يا جماعة أم لا؟ طيب قال: «وإن لم يرد به السمع؛ يجوز أن يكون ثابتا في الواقع؛ وإن لم يرد به السمع؛ إذا لم يكن قد نفاه -إذا لم يكن قد نفاه السمع-؛ لم ينفه ولم يثبته السمع؛ لم ينفه ولم يثبته؛ فهل ممكن أن يكون موجودا أم لا يا جماعة؟ ممكن أن يكون موجودا». لماذا؟ لأن حقيقة الخبر: الإخبار عن واقع الأمر -الإخبار عن واقع الأمر-؛ فإذا لم يخبر بالشيء المعين؛ لا يلزم أن يكون ذلك الشيء المعين غير موجود. واضح يا جماعة؟ إلا إذا دل الدليل على نفيه؛ إذا دل دليل المعين على نفيه؛ نقول: أنه ماذا؟ أنه غير موجود. أنتم معي الآن؟ فقال رحمه الله: «ومعلوم أن السمع -قال: ومعلوم أن السمع- لم ينف كل هذه الأمور بأسمائها الخاصة -بأسمائها الخاصة-؛ لم ينف مثلا: الحزن، البكاء، وكذلك المعدة وتوابعها، وما شبه ذلك بأسمائها الخاصة». قال: «فلابد من ذكر ما ينفيها من السمع؛ وإلا فلا يجوز حينئذ نفيها؛ كما لا يجوز إثباتها». واضحة يا جماعة؟ لأن النافي ملزم بالدليل؛ كما أن المثبت ملزم بماذا؟ بالدليل. واضح هذا يا جماعة؟ إذن سقطت حجة هذا الرجل -أو هذه الطائفة- التي اعتمدت في الإثبات على مجرد نفي التشبيه. أنتم معي يا جماعة؟ أنا معي. طيب قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وأيضا فلابد في نفس الأمر -وأيضا فلابد في نفس الأمر-؛ أي: في حقيقة الأمر، وفي ذات الأمر: من فرق بين ما يثبت له وينفى عنه؛ لا بد أن يكون في حقيقة الأمر: ما يبين الفرق بين المثبت وبين المنفي». قال: «فإن الأمور المتماثلة -الأمور المتماثلة-؛ مثلا: الحزن والفرح -أنتم معي يا جماعة؟- البكاء والضحك: متماثلة أو مختلفان؟ متماثلة؛ باعتبار الصفات: متماثلة؛ باعتبار هذا الأمر: إثباتها ونفيها أيضا؛ مثلا: المعدة، العنق، والوجه». واضحة يا جماعة؟ فيقول شيخ الإسلام: «فلابد في نفس الأمر من فرق بين ما يثبت له وينفى عنه؛ فإن الأمور المتماثلة في الجواز والوجوب والامتناع؛ يمتنع اختصاص بعضها دون بعض بالجواز والوجوب والامتناع». واضح يا إخوان أم لا؟ أي: كيف نقول: هذا ممتنع، وهذا جائز؟ أو هذا جائز، وهذا واجب؟ أو هذا واجب، وهذا ممتنع؟ يقول: «فلابد من اختصاص المنفي عن المثبت بما يخصه النفي بما يخصه بالنفي؛ ولابد من اختصاص الثابت عن المنفي بما يخصه بالثبوت». إذن لابد من الدليل على الإثبات، ولابد من الدليل على ماذا؟ على النفي. إلى ها هنا وصل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ليبين ماذا؟ حقيقة هذه المسألة. فقال: قال: «وقد يعبر عن ذلك بأن يقال: لا بد من أمر يوجب نفي ما يجب نفيه عن الله تعالى». الآن انتقل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى إلى توضيح هذه المسألة وتقريرها؛ وأن المسألة يجب أن تكون على هذه الحال. ما هي؟ قال: «وقد يعبر عن ذلك بأن يقال -أي: نفس الكلام السابق؛ لكن بتعبير آخر- بأن يقال: لا بد من أمر يوجب نفي ما يجب نفيه عن الله تعالى؛ لا بد من أمر في نفسه يدل على نفي ما يجب نفيه عن الله جل وعلا». قال: «كما أنه لا بد من أمر يثبت لهم ما هو ثابت -ما هو ثابت-». واضحة يا جماعة؟ إذا: لا بد من دليل في الإثبات، ومن دليل في ماذا؟ في النفي؛ إذ أن القاعدة في الإثبات والنفي واحدة: أن المثبت مطالب بالدليل، وكذلك النافي مطالب بالدليل. قال رحمه الله: «وإن كان السمع كافيا -كان مخبرا عما هو الأمر عليه في نفسه-؛ فما الفرق في نفس الأمر بين هذا وهذا؟» واضحة يا إخوان أم لا؟ يقول: إن كان -كما ذكر قبل- إن كان السمع كافيا؛ كان مخبرا عما هو الأمر عليه في نفسه؛ أي: مخبرا عن الأمر -مخبرا عن الأمر عما هو عليه في ماذا؟ في نفسه-؛ أي: في الواقع. «فما الفرق في نفس الأمر بين هذا وهذا؟ ما الفرق بين إثبات الوجه وعدم إثبات المعدة؟ أو إثبات مثلا الضحك وعدم إثبات البكاء؟ وما شابه ذلك؟» إذن لابد من فرق. وضح يا جماعة؟ قال رحمه الله تعالى: «فيقال -الآن سيأتي الجواب الآن- سيأتي الجواب السني على هذه الشبهة». قال رحمه الله تعالى: «فيقال: كل ما نافى صفات الكمال الثابت لله؛ فهو منزه عنه». الآن طريقة من طرق الإثبات والتنزيه؛ طريقة فيها ماذا يا جماعة؟ إثبات وتنزيه. يقول رحمه الله تعالى: «فيقال: كل ما نافى صفات الكمال الثابت لله؛ فهو منزه عنه». الله جل وعلا متصف بصفة العلم؛ صفة العلم: صفة كمال أم لا يا جماعة؟ صفة كمال. أي شيء ضدها؟ الجهل؛ إذن الله جل وعلا منزه عن الجهل. الحياة: الله جل وعلا منزه عن ماذا؟ الموت. القدرة -القوة-: الله جل وعلا منزه عن ماذا؟ عن العجز والضعف؛ إلى غير ذلك. هذه طريقة من طرق أهل السنة والجماعة في الإثبات والنفي. قال: «فإن ثبوت أحد الضدين يستلزم نفي الآخر». هل هذه الطريقة فقط طريقة ذكرها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى من غير برهان؟ لا؛ بل برهن عليها. وهي: قال: «فإن ثبوت أحد الضدين يستلزم نفي ماذا؟ الآخر». إن أثبتنا لزيد بأنه عالم؛ فقد نفينا عنه ماذا؟ الجهل. إن أثبتنا لزيد -من الناس- على سبيل المثال -ولله المثل الأعلى- إن أثبتنا لزيد بأنه حي؛ نفينا عنه ماذا يا جماعة؟ صفات الموت. إثبات أحد الضدين يستلزم منه ماذا؟ نفي الآخر. قال رحمه الله تعالى: «فإذا علم أنه موجود -إذا علم أن الله جل وعلا موجود- واجب الوجود بنفسه، وأنه قديم -واجب القدم-؛ علم امتناع العدم». علم امتناع العدم؛ لماذا؟ أنه واجب. قال: «والحدوث عليه -والحدوث عليه-؛ لماذا؟ لأنه ماذا؟ لأنه واجب الوجود بنفسه». قال: «وعلم أنه غني عما سواه؛ لماذا غني عما سواه؟ لأنه ماذا؟ لأنه واجب الوجود بنفسه -بنفسه غني عما سواه-». قال: «وعلم أنه غني عما سواه؛ فالمفتقر إلى ما سواه في بعض ما يحتاج إليه نفسه؛ ليس هو موجودا بنفسه؛ بل موجودا بماذا؟ قال: بل بنفسه وبذلك الآخر الذي أعطاه ما تحتاج إليه نفسه؛ فلا يوجد إلا به». وهو سبحانه وتعالى غني عن كل ما سواه؛ «فكل ما ناف غناه؛ فهو منزه عنه». هذه طريقة من طرق ماذا يا جماعة؟ تنزيه الله جل وعلا عن النقائص والعيوب. قال: «فكل ما ناف غناه؛ فهو منزه عنه». وهو سبحانه وتعالى قدير قوي؛ «فكل ما ناف قدرته -كل ما ناف قدرته وقوته-؛ فهو منزه عنه». وهو سبحانه حي قيوم؛ «فكل ما ناف حياته وقيوميته -حياته وقيوميته-؛ فهو منزه عنه». وبالجملة: «فالسمع قد أثبت له من الأسماء الحسنى وصفات الكمال ما قد ورد؛ فكل ما ضاد ذلك؛ فالسمع ينافيه». «فالسمع ماذا؟ ينفيه؛ كما ينفي عنه المثل والكفر». ها هنا طريقة ثانية. الطريقة الأولى: بماذا؟ بإثبات صفات الكمال -الكمال- يستلزم ماذا؟ نفي أضداد هذه الصفات. الطريقة الثانية: ما هي يا جماعة؟ قال: «كما ينفى -كما ينفى عنه المثل والكفر-؛ ليدل عليه -كذلك ماذا؟ السمع- وكذا العقل». قال: «فإن إثبات الشيء -فإن إثبات الشيء-؛ نفي لضده، ولما يستلزم ضده». هذا الآن -كما يقال- انتقال إلى أمر ثالث. يقول شيخ الإسلام: «فإن إثبات الشيء -إثبات مثلا صفة الحياة لله جل وعلا-؛ يقول: إثبات؛ فإن إثبات الشيء: نفي لضده». ضد الحياة: ما هو يا جماعة؟ ضد الحياة: الموت. قال: «ولما يستلزم ضده -استلزم ضد ما هو يا جماعة؟ لوازم الموت-؛ ما هي؟ مقدمات الموت، مقدمات ماذا؟ الموت. ولما يحصل للإنسان قبل الموت، وما شابه هذا؛ فلوازم ذلك كله: ماذا؟ منفية؛ لانتفاء ماذا؟ لانتفاء الموت؛ ولإثبات ماذا؟ لثبوت كما للضد». وضح يا جماعة؟ قال رحمه الله: «والعقل يعرف نفي ذلك -والعقل يعرف نفي ذلك-؛ كما يعرف إثبات ضده». فإثبات أحد الضدين: نفي للآخر، ولما يستلزم... إذن هذه طريقة ماذا يا جماعة؟ عقلية أو سمعية؟ ها يا جماعة؟ سمعية عقلية؛ طريقة سمعية عقلية: استدل بالسمع، وبرهن على السمع بماذا؟ بالعقل. إثبات أحد ضدين: يستلزم نفي ماذا؟ الآخر. هاي طريقة عقلية أو سمعية؟ عقلية. واضح؟ واضح. واعتمد في الإثبات على ماذا؟ على السمع. واضح يا جماعة؟ فقال رحمه الله: «فطرق العلم بنفي ما ينزه ربنا عنه: متسعة -متسعة-؛ ليست محصورة في طريقة معينة؛ بل متسعة واسعة المجال». قال: «لا يحتاج فيها إلى الاقتصار على مجرد نفي التشبيه والتجسيم؛ كما فعله أهل القصور والتقصير؛ الذين تناقضوا في ذلك؛ وفرقوا بين المتماثلين؛ حتى إن كل من أثبت شيئا؛ احتج عليه من نَفَرِه بأنه يستلزم التشبيه؛ كما تقدم معنا في احتجاج الجهمية على المعتزلة، والمعتزلة على ماذا؟ على الأشاعرة؛ والأشاعرة على أهل السنة». أهل السنة أثبتوا لله جل وعلا الصفات؛ فقال الأشاعرة: ماذا؟ يستلزم التشبيه والتجسيم. الأشاعرة أثبتوا سبع الصفات؛ قاتلهم ماذا؟ المعتزلة؛ يستلزم التجسيم والتشبيه. المعتزلة نفوا الصفات؛ وأثبتوا الأسماء؛ قاتلهم الجهمية: ماذا؟ يستلزم التشبيه والتجسيم. فهم قالوا فيما أثبتوا: لا يستلزم التجسيم ولا التشبيه. واضح يا جماعة؟ وفيما نفوا: يستلزم ماذا؟ التشبيه والتجسيم. فالحاصل: أنهم مضطربون متناقضون؛ كما قال شيخ الإسلام. قال: «الذين تناقضوا في ذلك؛ وفرقوا بين المتماثلين؛ حتى إن كل من أثبت شيئا؛ احتج عليهم النافِى بأنه يستلزم التشبيه». قال: «وكذلك -وكذلك- احتج القرامطة على نفي جميع الأمور؛ حتى نفوا النفي». القرامطة -كما علمنا- أنهم الغُلاة في هذا الباب. وكذلك احتج القرامطة -أي: في نفي التشبيه- في نفي التشبيه عن الله جل وعلا. قال: «احتج القرامطة على نفي جميع الأمور؛ حتى نفوا النفي؛ فقالوا: لا يقال -أي: في حق الله جل وعلا-: موجود، ولا ليس بموجود؛ ولا حي، ولا ليس بحي؛ لأن ذلك تشبيه بالموجود أو المعدوم». يعني يفرون من شيء؛ ففرَّهم من تشبيه الموجود؛ فقالوا: «ليس بموجود». وقالوا: «ولا... ولا... ليس بموجود؛ نفوا ماذا؟ النفي؛ لماذا؟ فرارا من التشبيه -فرارا من ماذا؟ من التشبيه-». قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «فلازمهم نفي النقيضين؛ فلازمهم نفي النقيضين؛ وهو أظهر الأشياء امتناعا -نفي النقيضين: أظهر أشياء ماذا؟ امتناعا-». فجعلوا الله جل وعلا -الذي وجوده واجب- جعلوا من أشد الأشياء ماذا؟ امتناعا؛ إذ أنه شبهوا بماذا؟ بأشد الأشياء امتناعا. فقالوا في حق الله: «لا نقول بأنه موجود، ولا ليس بموجود؛ لا معدوم، ولا ليس بمعدوم». واضح يا إخوان؟ فيفرون من شيء؛ فيقعون فيما هو أشد منه. قال: «ثم إن هؤلاء يلزمهم من تشبيهه بالمعدومات والممتنعات والجمادات: أعظم مما فروا منه من التشبيه بالأحياء الكاملين». يعني يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى -على سبيل التنزل-: أيهم أخف؟ أيهم أخف شرا: التشبيه بالأحياء الكاملين؟ أو التشبيه بالجماد؟ هاجب عنا لكل باطل؛ لكن أيهم -كما يقال- أهون من بعض؟ وأخف من بعض: التشبيه بماذا؟ بالكامل. ممكن؛ لأن المخلوق البشري -المخلوق البشري- يعد من ماذا؟ من أكمل مخلوقات الله جل وعلا. «ولقد كرمنا بني آدم، وحملناهم في البر والبحر، ورزقناهم من الطيبات، وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا». وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا. وتعلمون أن الله سخر لهم ما سخر من الأنعام والأشكال -إلى غير ذلك- مما جعلها مسخرة لهؤلاء المخلوقات. فالحاصل: أن تشبيه الله جل وعلا بالممكن الكامل -بالمخلوق الكامل- أقرب إلى الحق من تشبيه بماذا؟ بالجماد. وتشبيه بالجماد: أقرب إلى الحق من تشبيه بماذا؟ بالممتنع. والممتنع -كما مر معنا- على طبقات؛ على طبقات. منها: الممتنع لاجتماع النقيضين. ومنها: أشد منهم امتناعا: الممتنع لرفع النقيضين. وأشد منهم امتناعا: الممتنع لعدم قابلية ماذا؟ قابلية المحل للنقيضين. فالحاصل: أنهم يفرون من شيء؛ سيقعون بما هو أشر. قال رحمه الله تعالى: قال رحمه الله تعالى: «قال: ثم إن هؤلاء يلزمهم من تشبيهه بالمعدومات والممتنعات والجمادات: أعظم مما فروا منه من التشبيه بالأحياء الكاملين». «فطرق تنزيهه وتقديسه عما هو منزه عنه: متسعة؛ لا تحتاج إلى هذا -أي: لا تحتاج إلى هذه الطريقة الفاسدة-؛ التي تكون سببا لتسلط أعداء الله جل وعلا على أهل الحق -على أهل السنة والجماعة-». نكفي بهذا. إلهنا سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على