الدرس في شرح العقيدة التدمرية 15، ألقاها
ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن الروح وُصفت بصفات ثبوتية وسلبية، والناس مختلفون في حقيقتها. الأحاديث النبوية وصفت الروح بأنها تعرج وتصعد وتقبض من البدن.
الفلسفة وردت وصف الروح بصفتها ممتنعة الوجود، وشيخ الإسلام انتقد هذا الوصف لأنه يلزم منه سلب النقيضين. الفلاسفة ردوا بأن الكليات الممكنة في الذهن غير مشار إليها.
يناقش اختلاف آراء الفلاسفة والمتكلمين حول كون الروح جسما أو غير جسمانية، ويخلص إلى أن كلا القولين فيه خطأ. العقل قاصر عن تكييف الروح وتحديدها.
الخالق سبحانه وتعالى يجب أن لا ينفى عنه صفاته أو يقاس بخلقه. هو ثابت بحقيقة الإثبات ومستحق لأسمائه وصفاته.
بسم الله الرحمن الرحيم قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وهكذا القول في المثل الثاني، وهو أن الروح التي فينا فإنها قد وصفت بصفات ثبوتية وسلبية. وقد أخبرت النصوص أنها تعرج وتصعد من سماء إلى سماء، وأنها تقبض من البدن وتسل منه كما تسل الشعرة من العجينة. والناس مضطربون فيها. قال: «بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن آله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا». ثم أما بعد، ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ها هنا المثال الثاني، فقال: «وهو الروح التي فينا». والناظر في المثالين: المثال الأول في أمور الغيب التي ستأتي بإذن الله جل وعلا، وهي الجنة، شيء غيبي أخبر به الرب جل وعلا وأخبر به النبي صلى الله عليه وسلم عن الجنة وما فيها من نعيم. والمثال الثاني في شيء موجود الآن في هذه الدنيا ويكون كذلك في الأخرى، ما هو هذا الشيء؟ هذا الشيء هو الروح الذي هو جزء حقيقة الإنسان، فإن الإنسان مجموع الروح والجسد. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: المثال الثاني وهو الروح فينا، قال: «فإنها قد وصفت بصفات ثبوتية وسلبية». أي وصفها الشرع بصفات ثبوتية وبصفات سلبية. قال: «وقد أخبرت النصوص أنها تعرج وتصعد من سماء إلى سماء، وأنها تقبض من البدن وتسل منه كما تسل الشعرة من العجين». كما جاءت الأحاديث في ذلك في صفة الموت حينما يأتي ملك الموت ويستخرج الروح. ذكر ما ذكر من أوصافها، أن إذا كانت روح طيبة يقال لها: «يا أيتها الروح الطيبة»، وإذا كانت روح خبيثة يقال لها: «يا أيتها الروح الخبيثة». وذكر أن إذا كانت روح طيبة تسل كما تسل القطر من فيه السقاء، وأن الملائكة يعرجون بها. وأيضا في غير هذا ذكرت الأخبار أيضا أنها أرواح الشهداء في جوف طير خضر في الجنة، وما شابه ذلك من الأشياء أو الأخبار التي أخبر بها نبينا صلى الله عليه وسلم عن الروح. هذه الأوصاف المجملة للروح تدل على أنها حقيقية، وعلى أنها موجودة. لماذا؟ لأنها قد وصفت بأوصاف ثبوتية وبأوصاف سلبية. وحقيقة الشيء الوجود أن يوصف بصفات. قال: «والناس مضطربون فيها». فمنهم طوائف من أهل الكلام يجعلونها جزءا من البدن أو صفة من صفاته، كقول بعضهم: «إنها النفس أو الريح التي تتردد في البدن»، وقول بعضهم: «إنها الحياة أو المزاج أو نفس البدن». ومنهم طوائف من أهل الفلسفة يصفونها بما يصفون به واجب الوجود عندهم، وهي أمور لا يتصف بها إلا ممتنع الوجود. قال: «كقولهم في حقيقة وجود الخالق جل وعلا». فالقول في الروح عندهم كالقول في الرب جل وعلا أنها قديمة. ثم يفسرونها بما يفسرون به وجود الخالق جل وعلا. قال: «فيقولون: لا هي داخلة في البدن ولا هي خارجة، ولا مباينة له ولا مداخلة له، ولا متحركة ولا ساكنة، ولا تصعد ولا تهبط، ولا هي جسم ولا عرض». يعني معنى العرض الصفة. قال: «وقد يقولون: أنها لا تدرك الأمور المعينة والحقائق الموجودة في الخارج، وإنما تدرك الأمور الكلية المطلقة». طيب، يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: بعد أن ذكر أنهم يصفون الروح بما يصفون به واجب الوجود عندهم، قال: «وهي أمور أي وصفهم لواجب الوجود»، قال: «وهي أمور لا يتصف بها إلا ممتنع الوجود». لماذا؟ لأنهم يقولون: «لا هي داخل البدن ولا خارجة»، ولا مباينة له ولا مداخلة له، ولا متحركة ولا ساكنة، ولا تصعد ولا تهبط، إلى غير ذلك مما يذكرونه من سلب النقيضين. وقد تقدم معنى أن سلب النقيضين ممتنع، كالجمع بين النقيضين. أن سلب النقيضين في الامتناع كالجمع بين النقيضين، لأن الشيء إما أن يكون موجودا وإما أن يكون معدوما، وإما أن يكون متحركا وإما أن يكون ساكنا. لا يمكن أبدا أن يكون الشيء موجودا معدوما أو لا موجودا ولا معدوما. قال: «ثم ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: بأنها لا تدرك الأمور المعينة والحقائق الموجودة في الخارج». ومعنى هذا أن الروح عند هؤلاء لا تدرك شيئا من الجزئيات التي عبروا عنها بالأعيان، وإنما إدراك الروح لهذه الأشياء إنما هو إدراك كل عام مطلق. قال: «وقد يقولون: أنها لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينة له ولا مداخلة». وربما قالوا: «ليست داخلة في أجسام العالم ولا خارجة عنها»، مع تفسيرهم من الجسم بما لا يقبل الإشارة، بما يقبل الإشارة الحسية. فيصفونها بأنها لا يمكن الإشارة إليها، ونحو ذلك من الصفات السلبية التي تلحقها بالمعدوم والممتنع. قال: «وإذا قيل لهم: إثبات مثل هذا ممتنع في ضرورة العقل، قالوا: بل هذا ممكن بدليل أن الكليات ممكنة موجودة وهي غير مشار إليها». طيب، يقول شيخ الإسلام رحمه الله: وإذا قيل لهم: إثبات مثل هذا ممتنع في ضرورة العقل، أي كون الشيء لا داخل العالم ولا خارجة، ولا موجود ولا معدوم، ولا متحرك ولا ساكن. يقول شيخ الإسلام: هذا إذا قيل لهؤلاء إن إثبات مثل هذا ممتنع في ضرورة العقل، لماذا؟ لأن نفي النقيضين كالجمع بين النقيضين ممتنع. قال: «قالوا: بل هذا ممكن، بدليل أن الكليات ممكنة». بدليل أن الكليات ممكنة، الكليات التي تكون في الذهن. بدليل أن الكليات ممكنة موجودة وهي غير مشار إليها. الكليات في الذهن مطلقة، هل يشار إليها؟ يقال: لا يشار إليها، ومع هذا ماذا؟ هي ممكنة. قال: «وقد غفلوا عن كون الكليات لا توجد كلية إلا في الأذهان، لا في العيان». فيعتمدون فيما يقولونه في المبدأ والمعاد على مثل هذا الخيال الذي لا يخفى فساده على غالب الجهال. قال: «والطرائق النفاة والمثبتة في الروح كثير». لماذا؟ لأنهم ما وقفوا على حقيقة الروح التي دل عليها النقل والعقل. قال: «وسبب ذلك أن الروح التي تسمى بالنفس الناطقة عند الفلاسفة ليست هي من جنس هذا البدن، ولا من جنس العناصر والمولدات منها». بل هي من جنس آخر مخالف لهذه الأجناس. قال: «فصار هؤلاء لا يعرفونها إلا بالسلب التي توجب مخالفتها للأجسام المشهودة». لماذا؟ لأن عندهم الروح غير الجسد، الروح شيء غير الجسد. فإذا كان الجسد مشاهدا ومحسوسا إلى غير ذلك، فيلزم من ذلك أن تكون صفة الروح مخالفة لصفة الجسد. قال: «وأولئك يجعلونها من جنس الأجسام المشهودة». أي الطائفة الأولى من المتكلمة. قال: «وكل القولين خطأ». وإطلاق القول عليها بأنها جسم أو ليست بجسم يحتاج إلى تفصيل. قال: «فإن الأفضل جسم للناس فيه أقوال متعددة اصطلاحية، غير معناه اللغوي». فإن أهل اللغة يقولون: الجسم هو الجسد والبدن. وبهذا الاعتبار الروح ليست جسما. ولهذا يقولون: الروح والجسم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾، وقال تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾. وأما أهل الكلام فمنهم من يقول: الجسم هو الموجود، ومنهم من يقول: هو القائم بنفسه، ومنهم من يقول: هو المركب من الجواهر المفردة، ومنهم من يقول: هو المركب من المادة والصورة. وكل هؤلاء يقولون: إنه مشار إليه إشارة حسية. قال: «فإذا كانت الروح مما يشار إليها ويتبعها بصر الميت كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن الروح إذا خرجت تتبعها البصر»، وإن تقبض ويعرج بها إلى السماء، كانت الروح جسما بهذا الاصطلاح». قال: «والمقصود أن الروح إذا كانت موجودة حية عالمة قادرة سمعية بصيرة تصعد وتنزل وتذهب وتجيء، ونعو ذلك من الصفات». والعقول قاصرة عن تكييفها وتحديدها، لأنهم لم يشاهدوا لها نظيرا. والشيء إنما تدرك حقيقته إما بمشاهدته أو بمشاهدة نظيره. قال: «فإذا كانت الروح متصفة بهذه الصفات مع عدم مماثلتها لما يشاهد من المخلوقات، فالخالق أولى بمباينته لمخلوقاته مع اتصافه بما يستحق من أسمائه وصفاته». وأهل العقول هم أعجزوا عن أن يحدوه أو يكيفوه، منهم عن أن يحدوا الروح أو يكيفوها. قال: «فإذا كان المخلوق يعجز عن وصف شيء هو موجود حقيقة، فعجزهم عن معرفة كيفية الخالق جل وعلا سبحانه وتعالى من باب أولى». مع أن الله عز وجل موجود حقيقة، ومع أن الله جل وعلا متصف بالصفات حقيقة، لكن كيفية الله جل وعلا، كيفية صفاته جل وعلا، لا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى. قال: «فإذا كانت الروح الموجودة المعلومة لا يعلمها أحد من الخلق، لا يعلمها إلا خالقها جل وعلا». مع أن لها كيفية حقيقة، ولكن لا يعلمها إلا رب العالمين. فكون الخالق جل وعلا لا تعرف كيفيته، مع كونه موجودا متصفا بصفات الكمال والجلال سبحانه وتعالى، من باب ماذا؟ من باب أولى. قال: «فإذا كان من نفى صفات الروح جاحدا معطلا لها، ومن مثلها بما يشاهده من المخلوقات جاهلا ممثلا لها بغير شكلها». وهي مع ذلك ثابتة بحقيقة الإثبات، مستحقة لما لها من الصفات. فالخالق سبحانه وتعالى أولى أن يكون من نفى صفاته جاحدا معطلا، ومن قاسه بخلقه جاهلا به ممثلا. وهو سبحانه ثابت بحقيقة الإثبات، مستحق لما له من الأسماء والصفات. والله تعالى أعلى وأعلم.