شرح قرة عيون الموحدين 30

الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 30، ألقاها

الاستعاذة بغير الله وحديث الاستعاذة بكلمات الله

يناقش المقطعان الأول والثاني مسألة الاستعاذة بغير الله تعالى وكونها من الشرك، ثم يشرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول الاستعاذة بكلمات الله التامات. يُبين الفرق بين الاستعاذة الشرعية والاستعاذة الشركية.

معنى الاستعاذة من شر ما خلق وتصنيف المخلوقات

يشرح المقطع الثالث معنى الاستعاذة بالله من شر ما خلق ويصنف المخلوقات إلى ثلاثة أقسام: شر محض، خير وشر، وخير محض. يُبين أن المراد بالاستعاذة ليس العموم الإطلاقي بل التقييد الوصفي.

تعريف الشر ومفهومه

يُعرّف المقطع الرابع الشر ويبين مفهومه مستمدًا من كلام العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى. يُوضح أن الشر له مفهومان رئيسيان يتعلقان بالألم ومسبباته.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى في كتابه "قرة عيون الموحدين": قال رحمه الله تعالى: قوله - أي قول الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله - وقول الله تعالى - أي باب من الشرك الاستعاذة بغير الله - وقول الله: ﴿وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً﴾. قال أبو جعفر ابن جرير رحمه الله تعالى في تفسيره هذه الآية عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رجال من الإنس يبيت أحدهم بالوادي في جاهلية فيقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي، فزادوهم أو فزادهم ذلك إثماً - أي رهقاً - وأثر ابن عباس رضي الله عنهما كما ذكر في التخريج رواه ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى بإسناد واهن. قال: وقال بعضهم: فزاد الإنس الجن باستعاذتهم بالجن، جرأة عليهم، وازدادوا بذلك إثماً. وقال مجاهد: فازداد الكفار طغياناً. وقال ابن زيد - أي عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -: وزادهم الجن خوفاً. قال الشارح رحمه الله: وقد أجمع العلماء على أنه لا تجوز الاستعاذة بغير الله. قول رحمه الله تعالى: وقول الله تعالى: ﴿وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً﴾. وما ذكره رحمه الله تعالى من التفسيرات لهذه الآية تبين لنا ما يعنيه، وجه ما استدل به الشيخ رحمه الله تعالى - إمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله - إذ أنه استدل بهذه الآية تحت هذا الباب - أي باب من الشرك الاستعاذة بغير الله - ليبين كما تقدم أن الاستعاذة بغير الله جل وعلا أولاً ممنوعة، على ما تقدم ذكره من أن الاستعاذة الممنوعة هي الاستعاذة التي فيها معنى التأله والتعبد لغير الله جل وعلا، وكذلك التي فيها معنى التعظيم والإجلال لغير الله جل وعلا. وفي الآية كذلك بيان أن هؤلاء الذين يستعيذون بغير الله جل وعلا لا ينتفعون بتلك الاستعاذة في شيء مما يرجونه، وإنما تزيدهم الاستعاذة بغير الله جل وعلا إثماً فوق إثمهم، وعتواً فوق عتوهم، وبغياً فوق بغيهم، وخوفاً فوق خوفهم من غير الله جل وعلا. فكما ذكر: فزادوهم رهقاً - أي إثماً - ففيه دلالة على أن الاستعاذة بغير الله جل وعلا لا تجوز، وأنها من الشرك بالله جل وعلا، لما تقدم. قال رحمه الله تعالى: وقال مل علي القاري الحنفي رحمه الله - يعني يقال له قاري، ويقال مل علي القاري رحمه الله -: لا تجوز الاستعاذة بالجن، فقد ذم الله الكافرين على ذلك، وذكر الآية - أي السابقة - وقال تعالى: ﴿ويوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس﴾، وقال: ﴿أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا﴾. قال رحمه الله: فاستمتاع الإنس بالجن في قضاء حوائجهم، وامتثال أوامرهم، وإخبارهم بشيء من المغيبات، واستمتاع الجن بالإنس تعظيمه إياه، واستعاذته به، وخضوعه له - تعظيمه إياه تعظيماً لا يستحقه، بل تعظيماً لا يجوز أن يكون إلا لله جل وعلا - وكذلك قالوا: واستعاذته به لإعتقاد أنهم عندهم قدرة على النافع والضر. قال: وخضوعه له يخضع، يصير خاضعاً متضرعاً منيباً إلى ذلك المستعاذ به، وذلك كله من الشرك بالله جل وعلا. وهذا كما سمعتم يبين لنا وجه الشاهد من ذكر الشيخ رحمه الله تعالى هذه الآية للآية السابقة. قال رحمه الله: قال المصنف رحمه الله تعالى: وفيه أن كون الشيء يحصل به منفعة دنيوية من كف شر أو جلب نفع لا يدل على أنه ليس من الشرك. يعني قد يقول قائل: أنا أستعيذ بعزيز الوادي كما يفعل الجاهليون من قبل، أو أستعيذ بسيد الفلان، بصاحب الضريح الفلاني، بصاحب المشهد الفلاني، أو أستعيذ بالشجرة الفلانية، أو بالكوكب الفلاني، أو بالملك الفلاني، أو بالنبي الفلاني، إلى غير ذلك من الاستعاذة بغير الله جل وعلا، فيحصل لي شيء من النافع أو شيء من دفع الضر. فكما ذكر رحمه الله: يقول كون الشيء يحصل به منفعة دنيوية من كف شر أو جلب نفع لا يدل على أنه ليس من الشرك. ولكن حالهم كما قال الله جل وعلا في الملكين الذين ذكرهما في سورة البقرة: ﴿وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾، ﴿فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله﴾ إلى آخر ما ذكره الله جل وعلا. إلى أن قال الله جل وعلا في الآية الأخرى: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق﴾. مع أنه في الدنيا قد يكون حصل له شيء من النفع، مع تحذيره ما له أنها فتنة - أي ذلك الشيء وذلك النافع الذي قد يتحصل عليه ذلك الإنسان بمن استعاذ به - إنما هي فتنة، ولا تكون مبرراً له على أن ذلك الكفر ليس بكفر، ولا أن ذلك الشرك ليس بشرك، بل هو كفر بالله جل وعلا وشرك بالله جل وجعل. قال رحمه الله تعالى: قوله وعن خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من نزل منزلاً فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك» رواه مسلم. قال الشارح رحمه الله: خولة بنت حكيم بن أمية السلمية، يقال لها: أم شريك، ويقال: إنها هي الواهبة - أي التي جاءت في حديث سهل بن سعد في الصحيحين - قال: وكانت قبل تحت عثمان بن مضعون. قال ابن عبد البر: وكانت صالحة فاضلة. قوله: «من نزل منزلاً فقال: أعوذ بكلمات الله التامات» قال: شرع الله لأهل الإسلام أن يستعيذوا به بدلاً عما يفعله أهل الجاهلية من الاستعاذة بالجن، فشرع الله تعالى للمسلمين أن يستعيذوا بأسمائه وصفاته. وهذه من حكمة الله رب العالمين جل وعلا، إذ أن الله جل وعلا ما يغلق على الناس باباً من أبواب الشر إلا ويفتح لهم في المقابل أبواباً من أبواب الخير - حكمة منه جل وعلا ورحمة - وهذا الأمر من هذا الباب. فالله جل وعلا نهاهم عن الاستعاذة الشركية - الاستعاذة بغير الله جل وعلا الشركية - لأن الاستعاذة بغير الله كما تقدم معنا على قسمين: ممنوعة ومشروعة، على ما تقدم ذكره معنا في الدرس الماضي. واستعاذة كما تقدم ذكره هي عبادة، فالله جل وعلا نهى عن الاستعاذة الشركية الممنوعة، وحثهم على الاستعاذة الشرعية التي هي عبادة جليلة لمن قام بها حق القيام، وهي الاستعاذة بكلمات الله التامات من شر ما خلق. فبدلاً أن كان المشركون الأول إذا نزلوا منزلاً استعاذوا بكبير ذلك الوادي، أغلق ربنا جل وعلا عليهم هذا الباب الذي هو باب من أبواب الشر، وفتح لهم باباً آخر واسعاً هو من أبواب الخيرات، وهي الاستعاذة به جل وعلا، وعده لا شريك له. وإذا قارنا بين الاستعاذة والاستعاذة لرأينا الفرق بينهما كالفرق بين السماء والأرض، بل لا كما يقال قياس ولا قدر بين الاستعاذة والاستعاذة الأولى - أي الشركية - باطلة أصلاً ورأساً، والثانية حق وحقيقة، إذ أن الأمر بيد الله جل وعلا، فالله جل وعلا إن أراد أن ينزل بالإنسان الضر فلا أحد يستطيع أن يمنع ذلك الضر، وإن أراد الله جل وعلا أن يرفع ذلك الضر فلا راد لذلك، كما قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله﴾، ﴿وهو على كل شيء قدير﴾. فالله جل وعلا بفضله يرفع الشر عن من شاء، أو يدفع الشر عن من شاء. فبهذا نعلم الفرق بين الاستعاذة والاستعاذة، بمعنى أن الاستعاذة بغير الله جل وعلا استعاذة لا حقيقة وراءها، إذ أن استعاذة ممن لا يقدر نفعاً ولا ضر لا يستطيع نفع الإنسان، ولا يستطيع كذلك أن يدفع عنه الضر، لأنه مخلوق ضعيف، بل قد تكون حجراً أو شجرة، ويستعاذ بها، أو يكون ميتاً يحتاج إلى من يدعو له. أما حقيقة الاستعاذة فهي الاستعاذة بالله جل وعلا، التي كما تقدمت الإشارة إليها أن الأمر بيد الله، فهو الذي إن أراد أن ينزل الضر بحكمته بمن شاء فعل، ولا معقب لحكمه، وإن شاء أن يدفع ذلك الضر عن من شاء، أو يرفع ذلك الضر عن من شاء فبفضله ورحمته، وهو على كل شيء قدير. وأما غير الله جل وعلا فإنه لا يملك نفعاً لنفسه ولا ضراً، فضلاً عن أن يملك لغيره نفعاً أو أن يرفع عنه ضراً، فشتان بين الاستعاذة الشرعية والاستعاذة الشركية. قال رحمه الله تعالى: قال القرطبي رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: «من نزل منزلاً» قولهم: «من نزل منزلاً» فقال: ها هنا «من» شرطية، وجاء بعدها نكرة، والنكرة في سياق الشرط في دو العموم، فنستفيد من هذا أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من نزل منزلاً فقال» أنه - أي منزل كان - سواء كان في بيته، كان في سوق، كان في مركبه، كان في سفر، كان في بحر، إلى غير ذلك، إذا نزل منزلاً يشرع له أن يقول هذه المقالة، لعموم هذا الحديث، بقوله: «من نزل منزلاً»، «من نزل منزلاً» إذا نزلت منزلاً وأردت النزول - يعني كان إنسان سينزل في مكانة في طريق نزل يبيت في ذلك المكان - أو كان في بيته فذكر ذلك الشيء، أو في سوق نزل في السوق وأراد منزلاً في السوق، فكذلك يقول ذلك القول. قال: وظهر هذا العموم وقوله صلى الله عليه وسلم: «من نزل منزلاً فقال: أعوذ بكلمات الله» أعوذ بكلمات الله، وكلمات الله جل وعلا ها هنا عامة - أي كلمات الله جل وعلا الشرعية والكونية - كلمات الله جل وعلا الشرعية، وكلمات الله جل وعلا الكونية التي يقول بها للشيء: «فيكون»، كلها داخل في قوله: «كلمات الله»، فكلها من كلمات الله جل وعلا. وقوله: «التامات» - أي الكاملات - التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه، لأنها من كلام الله جل وعلا، من صفات الله جل وعلا الذي له الكمال المطلق سبحانه وتعالى. قال القرطبي رحمه الله: قيل: معناه التامات - قيل معناه الكاملات - التي لا يلحقها نقص ولا عيب كما يلحق كلام البشر. وقيل: معناه الكافية الشافية. وقيل: الكلمات ها هنا هي القرآن، فإن الله أخبر عنه أنه هدى وشفاء. وهذا الأمر على جهة الإرشاد إلى ما يدفع به الأذى. وعلى هذا فحق المستعيذ بالله تعالى وبأسمائه وصفاته أن يصدق الله في اتجاهه إليه، ويتوكل في ذلك عليه، ويحضر ذلك في قلبه. قال: فمتى فعل ذلك وصل إلى منتهى طلبه، ومغفرة ذنبه. وكما تقدم أن الكلمات عامة، تدخل فيها الكلمات الكونية والكلمات الشرعية. ثم ها هنا أمر ينبه عليه بعض العلماء رحمهم الله تعالى، وهو أن هذه الأذكار التي يقولها المسلم هي سبب كغيرها من الأسباب الشرعية، قد تتخلف لمانع، أي حصول ما ترتب على فعل ذلك السبب قد يتخلف - لا لأنه ليس بسبب - ولكن لوجود المانع - إما لعدم قول ذلك الإنسان لهذه الكلمة على وجهها، أو هذا الذكر على وجهه - وإما أنه قاله وهو غافل عن معناه - بمعنى أنه يقول: «أعوذ بكلمات الله التامات» ولا يدرى ما معنى هذه الكلمات، وما التجأ قلبه وتوكل - وكذلك رجع، والتجأ إلى ربه جل وعلا التجان حقيقياً - فهذه من الموانع، هذه قد تكون مانعاً من عدم حصول ما ترتب على قول هذه الكلمات، على هذه الكلمات - كغيرها من الأمور الشرعية والكونية. قال: يعني قد يأتي دواء معروف عند أهل الطب أنه ينفع للمرض الفلاني، ومع هذا رب إنسان يتعاطى هذا الدواء فلا ينفعه ذلك الدواء - لا لأن ذلك الدواء ليس بصحيح - بل لوجود المانع من الانتفاع بذلك الدواء. لذا يقول القرطبي رحمه الله تعالى: قال: وعلى هذا فحق المستعيذ بالله تعالى وبأسمائه وصفاته أن يصدق الله - يعني يكون صادقاً في قوله بهذه الكلمات - ما يقول: «أعوذ بكلمات الله التامات» وقلبه مرتفع إلى غير الله، أو يقول: «أعوذ بكلمات الله التامات» وهو لا يبالي بهذه الكلمات، ولا بهذا الدعاء، وهو غافل - بل يقول وهو متيقن، مستحضر لمعناه، وهو موقن إيقاناً تاماً بأن من اعتمد على الله جل وعلا، وفوض أمره إلى الله جل وعلا، والتجأ إلى الله جل وعلا، فإن الله جل وعلا يعصمه بإذنه - يعصمه بإذنه - كما أشار إليه القرطبي رحمه الله تعالى بقوله: «يصدق الله في التجائه، ويتوكل في ذلك عليه، ويحضر ذلك في قلبه» - أو يحضر ذلك في قلبه - أي الالتجاء والتوكل - فمتى فعل ذلك وصل إلى منتهى طلبه، ومغفرة ذنبه - أي يحصل له نفع دنيوي، ونفع أخروي - دنيوي لم يضره شيء، وأخروي أنه يحصله الثواب العظيم لما قام بقلبه ولسانه من هذه العبادة الجليلة، وهي الاستعاذة بالله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ومن ذبح للشيطان، ودعاه، واستعاذ به، وتقرب إليه بما يحب، فقد عبده - وإن لم يسم ذلك عبادة، ويسميه استخداماً - قال: وصدق، هو استخدام من الشيطان له، فيصير من خدم الشيطان وعابديه. ولذلك يخدمه الشيطان، لكن خدمة الشيطان له ليست خدمة عبادة، فإن الشيطان لا يخضع له، ولا يعبد كما يفعل هو به. يعني ينبه ابن القيم رحمه الله تعالى على أمر حصل ويحصل، بل ويحصل إلى أيامنا هذه، بعض هؤلاء من السحرة والمشعوذين ونحوهم يقولون: نحن لا نعبد الشيطان، وإنما نستخدمهم استخداماً - نستخدمهم استخداماً - ومعنى استخدام: أي نطلب خدمة منهم، أو خدمتهم. فيقول ابن القيم رحمه الله تعالى: حقيقة هذا الأمر، وعبادته هي عبادة لهؤلاء الشياطين، وإن سموها استخداماً. ثم قال: نعم هي استخدام، لكن أي نوع من الاستخدام؟ يقول: هو استخدام الشيطان لذلك العابد له - يعني من الذي يخدم الثاني الآن؟ الإنس هو الذي يخدم الشيطان حقيقة - لماذا؟ لأنه يعبده، ويخضع له، ويتقرب إليه، ويتدلل له، حتى ماذا؟ حتى يفعل له الشيطان بعض أغراضه الدنيوية. فأيهم الاثنان أكثر خدمة للآخر؟ هيا جماعة الإنس، الإنس هو الذي يكون أكثر خدمة، وهذا من باب استمتاع بعضهم ببعض، قال الله جل وعلا: ﴿ويوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس﴾، وقال: ﴿أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا﴾. قال رحمه الله تعالى: قوله: «من شر ما خلق» قوله: «من شر ما خلق» - أي أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق - قال ابن القيم رحمه الله: من شر كل ذي شر - في أي مخلوق قام به الشر - من حيوان أو غيره، إنسياً أو جنياً، أو هامة، أو دابة، أو ريحاً، أو صاعقة، أي نوع كان من أنواع البلاء في الدنيا والآخرة. وفي هذا إشارة من ابن القيم رحمه الله إلى أن «منها» ها هنا ليست على عمومها الإطلاق، وإنما الاستعاذة من شر ذي شر، أو من فيه شر. قال: وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن المخلوقات باعتبار الشر على ثلاثة أقسام: أن المخلوقات باعتبار الشر على ثلاثة أقسام: مخلوقات هي شر بذاتها، وليست شراً باعتبار خلق الله جل وعلا لها، وحكمة الله جل وعلا من إيجادها - كالشيطان، وجهنم، وما شابه ذلك - فهي باعتبار ذاتها شر، لكن باعتبار حكمة الله جل وعلا من خلقها فيها ما لا، فيها خير بالاعتبار الآخر. النوع الثاني: ما هو - يعني - ما فيه خير وشر - وهذا كالإنسان، وكذلك الجان، وكذلك الحيوان، وما شابه ذلك من المخلوقات - الرياح، الأمطار - قد تكون بشر، وقد تكون بخير، فهي فيها خير وفيها ماذا؟ فيها الخير وفيها الشر. القسم الثالث من المخلوقات: ما هي خير محض - لا شر فيها - كالرسل، والملائكة، والجنة، وما شابه ذلك - فهذه خير محض، لا شر فيها. فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق» - أي من شر كل ذي شر، أو من شر ما فيه شر - واضح جماعة، لا يعني الاستعاذة من ماذا؟ مما فيه شر - إما بذاته، وإما بأحواله - إما بذاته، وإما بأحواله. لذا يقول الشارح رحمه الله تعالى: وما ها هنا موصولة، ليس إلا - أي من شر الذي خلق - وصلتها تكون: من شر من شر الذي خلق - أي من شر الذي خلقه الله. قال: وليس المراد بها العموم الإطلاقي، بل مراد التقييد - أي يكون من باب العموم الذي أريد به الخصوص - قال: من باب المراد التقييد - من باب ليس من باب المراد ليس المراد بها العموم الإطلاقي، بل مراد التقييد الوصفي - التقييد الوصفي - أي الوصف بماذا؟ والمقيد بماذا؟ الاستعاذة بشر كل ذي شر - أما من ليس فيه شر فلا يستعاذ منه - واضح جماعة - من ليس فيه شر - كالملائكة، كالرسل، وما شابه ذلك - هذا لا يستعاذ به - لماذا؟ لأنها خير محض - خير محض. قال: والمعنى: من شر كل مخلوق فيه شر - لا من شر كل ما خلقه الله - واضح إخوة، فرق بين هذا وذاك. قال: فإن الجنة والأنبياء والملائكة ليس فيهم شر، لأنهم ماذا؟ لأنهم خير محض - خير محض. قال: والشر يقال على شيئين: على الألم، وعلى ما يفضي إليه - الشر يقال على شيئين: على الألم، أو على ما يفضي إلى الألم - وهذا كله من كلام العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلى وأعلم، وسبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على