الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 93، ألقاها
يشرح مناسبة ختم كتاب التوحيد بباب يتعلق بعدم تقدير المشركين لله حق قدره، ويبين أهمية توحيد الأسماء والصفات. يشدد على أن عدم التقدير الصحيح لله تعالى يؤدي إلى الشرك والمعاصي.
يناقش عظمة الله تعالى وقدرته كما وردت في الأحاديث وكلام السلف، مع التركيز على صفة علو الله واستوائه على عرشه. يظهر موقف أهل السنة والجماعة من هذه الصفة واختلافهم مع المبتدعة.
يناقش معية الله لخلقه كمعية علم، ويوضح أن الله فوق العرش مستشهدًا بآراء أئمة السلف. كما يشدد على أهمية توحيد الأسماء والصفات في الإسلام وتأكيده في كتاب التوحيد.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهديه الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، عليهم رحمة الله وتعالى جميعًا، في كتابه «قرة عيون الموحدين»: قال قوله -أي قول الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله- في كتابه «التوحيد الذي هو حق الله على العبيد»: قال قوله، باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية، أي إلى آخر الآية. قوله رحمه الله تعالى -أي قول الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى- باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، أي مدخلٌ في بياني قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. ومدخل في مناسبة ذكر الشيخ رحمه الله تعالى لهذا الباب في كتابه «التوحيد الذي هو حق الله على العبيد»، ولا سيما وأن الشيخ رحمه الله تعالى بوَّب بهذا الباب في آخر بابٍ من كتابه المذكور؛ ليُبيِّن أن ما وقع من الشرك في الأرض -سواءً كان الشرك الأكبر أو كان الشرك الأصغر أو ما كان وسيلةً إلى ذلك مما فيه معنى الشرك أو مما كان فيه معنى قلة أو ذهاب التعظيم الواجب لله تبارك وتعالى- كل ذلك صدر بسبب أن من صدر منه ذلك ما قدر الله تعالى حق قدره. ولو أن العبادة قدروا الله تبارك وتعالى حق قدره لما وقع منهم شيء من المخالفات، ولا وقع منهم شيء من المعاصي، فضلاً عن أن يقع فيهم أعظم الذنوب وأشد الذنوب، وهو المضاهاة لله تبارك وتعالى فيما هو من حقائق فيما هو من خصائص الله تبارك وتعالى، وفيما هو حق لله تبارك وتعالى، أي أن يقع منهم الشرك بالله تبارك وتعالى. سبب ذلك عدم تقديرهم لله تبارك وتعالى حق قدره، ولو أن العبادة قدروا حق قدره لما وقع منهم شيء من ذلك. وأيضًا مناسبة أخرى من ذكر الشيخ رحمه الله تعالى لهذا الباب الذي ختم به هذا الكتاب المبارك، هو أن الشيخ رحمه الله تعالى بعد أن تكلم في الأبواب السابقة على مسائل التوحيد -توحيد الألوهية- وفصل في ذلك، وذكر -كما تقدم معنا مرارًا- حقيقة التوحيد وشروط التوحيد ومقتضيات التوحيد، وقبل ذلك فضائل التوحيد ومكملات التوحيد. وذكر أيضًا رحمه الله تعالى -كما تقدم معنا- ذكر الشرك وحذر منه، وأنذر وأبدى ذلك وأعاد -سواء كان الشرك الأكبر الذي هو أعظم ذنب عُصي الله تبارك وتعالى فيه، أو كان من الشرك الأصغر الذي هو من أعظم الكبائر والذنوب- كل ذلك بيَّنه الشيخ رحمه الله تعالى في الأبواب السابقة. وختم هذا الباب في الكلام على توحيد الأسماء والصفات؛ لأن ذكر في الآية المذكورة في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا قَدْرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَاتٌ بِيَمِينِهِ﴾، ففيه إثبات بعض صفات الله تبارك وتعالى، ففيه -كما سمعتم- إشارة إلى توحيد الأسماء والصفات، وأنه كذلك من واجبات التوحيد، بل من حقيقة وماهية التوحيد؛ إذ أن التوحيد -أنواع التوحيد الثلاثة- متلِازمة، من آمن بواحد منها، وكفر بنوع منها، فقد كفر بها جميعًا. فنبَّه الشيخ رحمه الله تعالى هاهنا، ونبَّه على هذه المسألة لما تقدم ذكره. ومنه كذلك يُعلم مناسبة ذكر الشيخ رحمه الله تعالى لهذا الباب هاهنا خاتمةً لكتاب التوحيد، كما تقدم من أن من وقع منه ما وقع من الشرك بالله تبارك وتعالى، أو وقع منه ما وقع من قلة التعظيم الواجب لله تبارك وتعالى، أو ضعف ذلك أو ذهاب ذلك، كل ذلك سببه أنهم لم يقدروا الله تبارك وتعالى حق قدره. قال رحمه الله تعالى: قوله باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، قال -أي من الأحاديث والآثار- في معنى هذه الآية، أي مدخل فيما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. قال -أي من الأحاديث- كأنه يشير إلى أن الشيخ رحمه الله تعالى بوَّب بهذا الباب، وبوَّب بهذه الآية إشارةً إلى ما تقدم ذكره، وما سيأتي ذكره من الأدلَّة الدالة على هذا المعنى: أنهم ما قدروا الله تبارك وتعالى حق قدره. قال رحمه الله: قال العماد بن كثير رحمه الله تعالى: يقول تعالى: ما قدر المشركون الله حق قدره، حتى عبدوا معه غيره، وهو العظيم الذي لا أعظم منه، القادر على كل شيء، المالك لكل شيء، وكل شيء تحت قهره وقدرته. قال السدِّي: ما عظموا حق عظمته. وأثر السدِّي فيه ضعف؛ لأنه من طريق أصباط بن نصر، وبعض أهل العلم يمشون هذه الطريق باعتباره: أن أسانيد التفسير تعامل معاملةً تخصها، فلا تعامل أسانيد التفاسير كأسانيد الأحاديث. لذا -كما ذكر من ذكر من الأئمة رحمهم الله تعالى- أن طائفةً من الأئمة رحمهم الله تعالى -ممن كان من شرطه أن يذكر أصح ما وجد، أو أن يذكر الصحيح وما يكون حجة- ذكر مثل هذه الأسانيد، ذكر مثل هذه الأسانيد؛ دلالةً على أن أسانيد التفسير تعامل معاملةً تخصها، فلا تعامل معاملة الأحاديث النبوية سواءً بسواء. وتعرفون كلمة الإمام أحمد رحمه الله تعالى في أن فنونا ثلاثة: من غير إسناد، أو بهذا المعنى، أي أنها فيها شيء من السعة. وذكر من التفسير: التفسير والمغادي والسيار. قال رحمه الله تعالى: قال، وقال محمد بن كعب: لو قدروا حق قدره ما كذبوه. وهذا ذكره -أو أخرجه- ابن المنذر رحمه الله تعالى وغيره، ذكره ابن المنذر رحمه الله تعالى وغيره عن محمد بن كعب. والمعنى واضح: لو قدروا حق قدره ما كذبوه، أي آمنوا به ووحدوه، ولم يشركوا به شيئًا. قال: وقد وردت أحاديث كثيرة تتعلق بهذه الآية، الطريق فيها -وفي أمثالها- مذهب السلف، وهو إمرارها كما جاءت، من غير تكييف ولا تحريف. ومعنى إمرارها: أي إقرارها على ظاهرها، أن يؤمن بظاهرها، دون أن يتعرض إلى كيفية تلك الصفات، ولا أن يتعرض إلى تأويلها، بل يؤمن بما دلت عليه تلك الأدلة من الصفات على ظاهرها، كما تكلم بها المتكلم بها -سواء كان تكلم بها ربنا تبارك وتعالى، وهو أعلم بنفسه من غيره، أو تكلم بها نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو أعلم الخلق بربه تبارك وتعالى-. قال قوله عن ابن مسعود: «قال: جاء حبرٌ من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، إن نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأراضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء على إصبع، والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقًا لقول الحبر، ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية». قال: وهكذا رواه البخاري ومسلم والنسائي من طرق عن الأعمش. وقال البخاري: «وحدثنا سعيد بن عفير، قال: حدثنا الليث، قال: حدثني عبد الرحمن بن مسافر، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يقبض الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟»». قال: تفرد به من هذا الوجه -أي تفرد به الإمام البخاري رحمه الله تعالى من هذا الوجه-. قال قوله ولمسلم عن ابن عمر مرفوعًا: «يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرض بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟». قال: كذا في رواية مسلم، قال الحميدي: وهو أتم. وقوله: «ثم يطوي الأرض بشماله»، هذه الزيادة بلفظ «بشماله» من أهل العلم من يصححها، وكذلك أخرجها الإمام مسلم رحمه الله تعالى، ومنهم من يحكم على هذه اللفظة بالشذوذ، وأن الصواب: «ثم يطوي الأرض بيده الأخرى». والأمر في ذلك واسع؛ باعتبار أن من أخذ بقول إمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه، فقد سبقه إمام إلى ذلك، ومن قال بالقول الآخر، فقد سبقه كذلك إمام إلى ذلك. وبالنسبة لثبوت أو لإثبات صفة اليد الشمال لله تبارك وتعالى، فالكل متفق على أن اليد الشمال التي فيها شيء من النقص أو العيب على اليد اليمنى -كما هو الحال في المخلوق- أن هذا منزه عنه الله تبارك وتعالى، أن هذا المعنى منزه عنه تبارك وتعالى. لكن من أثبت لله تبارك وتعالى اليد الشمال -كما هو قول طائفة من الأئمة رحمهم الله تعالى- قالوا: معناها إثبات اليد الشمال الذي لا نقص فيها ولا عيب -كسائر صفات الله تبارك وتعالى- كسائر صفات الله تبارك وتعالى، ولا محذور من ذلك، والأمر -كما قيل-. قال قلت: وهذه الأحاديث وما في معناها -وهي كثيرة جدًا- تدل على عظمة الله وكماله وعظيم قدرته، وفيها الرد على الجهمية والأشاعرة ونحوهم أيضًا، الجهمية والأشاعرة، وقبل ذلك المعتزلة -كما مر معنا مرارًا- لا يثبتون هذه الصفات، الجهمية والمعتزلة والأشاعرة متفقون على عدم إثبات الصفات الذاتية الخبرية لله تبارك وتعالى، متفقون على ذلك؛ بسبب ما يعتقدونه من الاعتقاد الفاسد الباطل: من أن إثبات الصفات الخبرية الذاتية لله تبارك وتعالى يستلزم منها التركيب، أو يستلزم منها التشبيه، أو ما شابه ذلك من أشياء التي يذكرونها، وجعلونها سببًا لرد الأدلة الدالة على ثبوت ما أثبته الله تبارك وتعالى لنفسه، وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وكأن هؤلاء يقولون: نحن -يا رب- أعلم بما يثبت لك، وما لا يثبت لك، أعلم منك ومن رسولك صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، هذا لازم قولهم ومآل قولهم، فهو قول فاسد. قال رحمه الله: وكل ما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله، يدل على كماله وعظمته وجلاله: وأن العبادة لا تصلح إلا له سبحانه وبحمده، لا يصلح منها شيء لملك مقرب، ولا لنبي مرسل، ولا لمن دونهما؛ لأن في إثبات الصفات لله تبارك وتعالى إثبات الكمالات. في إثبات الصفات لله تبارك وتعالى -الثابت لله تبارك وتعالى في كتابه، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم- إثبات للكمالات التي يستحقها الله تبارك وتعالى؛ لأن العبد حينما يعلم أن من صفات الله تبارك وتعالى: أنه يعلم كل شيء، وأن رحمته وسعت كل شيء، وأنه الخبير بكل شيء، وأنه سبحانه وتعالى استوى -استواء يليق بجلاله وعظمته-، وأنه سبحانه وتعالى له وجه ويدان وساق -إلى غير ذلك مما ثبت في أدلة الكتاب والسنة-. ويعلم أن ما ثبت له صلى الله -ما ثبت لله تبارك وتعالى- لائق بالله تبارك وتعالى، لا كأحد من الخلق، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، كل هذه الصفات تدل على عظمة الرب تبارك وتعالى، وأنه المستحق وحده للعبادة لا شريك له. قال رحمه الله تعالى: قال الشيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى: «وهذا كتاب الله -من أوله إلى آخره- وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلام الصحابة والتابعين، وكلام سائر الأئمة مملوء بما هو إما نص أو ظاهر: أن الله تعالى فوق كل شيء، وأنه فوق العرش، فوق السماوات، مستوى على عرشه». وذكر ما يدل على ذلك من الكتاب والسنة -أي ما يدل على علو الله تعالى علوًا حقيقيًا، علوًا ذاتيًا فوق جميع خلقه، وأنه مستوى على عرشه سبحانه وتعالى استواءً يليق بجلاله وعظمته-. قال: وقال الأوزاعي: «كنا والتابعون متوافرون، نقول: إن الله تعالى -ذكره- فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة». وهذا أثر ثابت عن الأوزاعي رحمه الله تعالى، رواه عنه غير واحد، رواه الطبري في تفسيره، وغيره، وإسناده حسن. وقال: وقوله رحمه الله: «كنا والتابعون متوافرون»، هذا حكاية للإجماع، هذا النقل منه رحمه الله تعالى حكاية لإجماع السلف من التابعين وتابعيهم على ثبوت هذه الصفة لله تبارك وتعالى: من أن الله تبارك وتعالى فوق عرشه، وأنهم كانوا يؤمنون بذلك إيمانًا ثابتًا مستقرًا -كما جاءت به السنة-. قال: وقال أبو عمر الطلمنكي في كتاب «الأصول»: «أجمع المسلمون من أهل السنة على أن الله مستوى على عرشه بذاته». ذكره الذهبي في كتاب «العلو»، وقوله رحمه الله تعالى: «بذاته»، إشارة إلى ما كان -أو إشارة إلى ما عليه- بل تصريح لما عليه السنة والجماعة في هذه الصفة: من أن الله تبارك وتعالى مستوى على عرشه بذاته، وأنه عال على خلقه بذاته. وهذا الأمر -كما مر معنا مرارًا- أقر به وآمن به أهل السنة والجماعة، وخالفهم غيرهم، الكل مجمع على أن الله تبارك وتعالى عال على جميع خلقه -علو قهر وعلو قدر-، ولكن الخلاف وقع في علو الذات، فقال به أهل السنة والجماعة -إيمانًا بالله تبارك وتعالى وبما جاء عن الله، وإيمانًا برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم-، ونفاه من نفاه من المبتدعة. قال: وقال رحمه الله، وقال أبو عمر الطلمانكي في هذا الكتاب أيضًا: «أجمع أهل السنة على أن الله تعالى استوى على عرشه على الحقيقة لا على المجاز» -أي خلافًا لما قاله المبتدعة من جهمية ومعتزلة وأشاعرة ومن نحا نحوهم-. قال: ثم قال في هذا الكتاب: «أجمع المسلمون من أهل السنة: أن معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ﴾ ونحو ذلك من القرآن: أن ذلك علمه، أن ذلك علمه» -أي وهو معكم -أي بعلمه- وهو معكم -أي بعلمه-. «وأن الله فوق السماوات بذاته، مستوى على عرشه كيف شاء»، هذا لفظه في كتابه. فقوله رحمه الله تعالى: «وهو معكم أينما كنتم» -أي بعلمه- ليس معناه أن الله تبارك وتعالى معنا: أنه مخالط لنا أو ممازج لنا، أو أنه حال بين خلقه، تعالى الله وتبارك، تعالى الله وتقدس عن هذا الظن وعن هذا الاعتقاد علوًا كبيرًا. كيف يكون الله تبارك وتعالى بين خلقه، والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة، والسماوات كخردلة في يد أحدنا؟ كيف بعد هذا يتصور متصور، أو يعتقد معتقد بأن الله تبارك وتعالى في هذا العالم، أو حال في الأرض؟ تعالى الله عن قول هؤلاء علوًا عظيمًا كبيرًا. قال: وقال الحافظ الذهبي: «وأول مقالة سمعت مقالة من أنكر أن الله تعالى فوق العرش: هو الجعد بن درهم» -أي أن أول من أنكر ثبوت صفة العرش -بل أول من أنكر الصفات مطلقًا- هو الجعد بن درهم، هو رأس الفرقة الخبيثة الجهمية، هو رأسها، ولكنه أخذه -بعد أن مات- أخذها أو قبل ذلك أخذها عنه الجهم بن صفوان، فقتل الجعد وأظهرها ونشرها وبث الشبه لها، وصار له أتباع، ونسبت الجهمية إليه؛ لأنه هو الذي أظهرها وأشهرها. قال رحمه الله تعالى: «وأول مقالة سمعت مقالة من أنكر أن الله تعالى فوق العرش: هو الجعد بن درهم، وكذلك أنكر جميع الصفات، فقتله خالد بن عبد الله القسري». وقصته مشهورة: قصة خالد القسري رحمه الله تعالى -وكان أميرًا على العراق حينها- أنه كان في يوم أضحى خطب الناس، فقال: «يا أيها الناس، ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم؛ إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليمًا»، ثم نزل أو ثم قام فذبحه. ثم قام فقتله رحمه الله تعالى، والقصة ذكرها أناس من أئمة رحمهم الله تعالى -كالبخاري- وذكرها كذلك عبد الله بن أحمد، وابن خزيمة، واللالكائي، وطائفة من الأئمة رحمهم الله تعالى: ما أحد صنف أو ألف في الكلام على قتل جعد إلا وذكر أن خالد القسري هو الذي قتله، فهو محل إجماع، فهو محل إجماع من الأئمة رحمهم الله تعالى. ولكن الناظر إلى الأسانيد التي ذكرها أئمة رحمهم الله تعالى يجد أن فيها بعض الضعف، يجد أن فيها بعض الضعف. ومنه نعلم أن مثل هذه الروايات إذا تتابع أئمة رحمهم الله تعالى على القول بها وأخذها، فإن هذا يدل على ثبوتها؛ فكما قيل: «شهرتها تغني عن الإسناد»، شهرتها تغني عن الإسناد. قال رحمه الله تعالى: «وأخذ هذه المقالة عنه الجهم بن صفوان إمام الجهمية، فأظهرها واحتج لها بشبهات، وكان ذلك في آخر عصر التابعين، وكان ذلك في آخر عصر الظاهر -أتباع التابعين-؛ لأن الجهم ظهر في عصر أتباع التابعين». قال: «فأنكر مقالته -أئمة ذلك العصر- مثل الأوزاعي، وأبي حنيفة، ومالك، والليث بن سعد، والثوري، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وابن المبارك، ومن بعدهم من أئمة الهدى -كالإمام أحمد- وخلق من أهل السنة». وكذلك الجهم بن صفوان ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أنه قتله الأمير سلم بن أحوز، قتله الأمير سلم بن أحوز رحمه الله تعالى، وذكروا كذلك له قصة: بعد أن أذاع وأشاع بأنه قاتل، أرجاه من صفوان هربًا، فلما عثر عليه وقبض وأتي به، فاستشفع بعضهم له، فقال لهم: «والله، والله، لو كان في بطن هذه -لشققتها وقتلته». وهذا يدلنا على ما كان عليه أولئك الأئمة رحمهم الله تعالى، وإن كان فيهم بعض -وإن كان عندهم بعض المخالفات- إلا أنهم كانت عندهم غيرة على دين الله تبارك وتعالى، كانت عندهم غيرة على دين الله تبارك وتعالى، ففعلوا ما فعلوا في زمنهم -غيرة لدين الله تبارك وتعالى- من قتل من هؤلاء الرؤوس من رؤوس المبتدعة. قال رحمه الله تعالى: قال إمام الشافعي: «لله أسماء وصفات لا يسع أحدًا ردها، ومن خالفها -ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه- كفر، وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر». وفي هذا نص صريح من الإمام الشافعي رحمه الله تعالى من الإعذار بالجهل -من مسألة الإعذار بالجهل-؛ فإنه يقول رحمه الله: «لله أسماء وصفات لا يسع أحدًا ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه كفر، وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل». ففيه إثبات لمسألة العذر بالجهل -حتى تقوم الحجة على هذا المخالف-، فإن أقيمت عليه الحجة وأصر كفر -كما مر معنا مرارًا-. قال: «ونثبت هذه الصفات، وننفي عنه التشبيه -كما نفى عن نفسه-، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾». انتهى من «فتح الباري»، أي هذا النقل نقله الشارح رحمه الله تعالى من الحافظ. قال قوله عن العباس بن عبد المطلب: ساقه المصنف مختصرًا، والذي في «سنن أبي داود» عن العباس بن عبد المطلب، قال: «كنت في البطْحة في عصابة فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم» -معنى في عصابة: أي في جماعة؛ لأن العصابة تطلق على الجماعة- فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمرت بهم سحابة، فنظر إليها، فقال: «ما تسمون هذا؟» قالوا: السحاب، قالوا: والمزن، قالوا: والمزن، قالوا: والعنان، قالوا: والعنان، قال أبو داود: «لم أتقن العنان جيدًا» -أو قال: جدًا-. قال: «هل تذرون ما بين السماء والأرض؟» قالوا: «لا ندري»، قال: «إن بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة، ثم السماء فوقها كذلك، ثم عدد سبع سماوات، ثم فوق السابعة بحر بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوْعَال بين أضلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم على ظهورهم العرش بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم الله تبارك وتعالى فوق ذلك». قال الحافظ الذهبي رحمه الله: «رواه أبو داود بإسناد حسن، وروى الترمذي نحوه من حديث أبي هريرة، وفيه: بعد ما بين السماء إلى سماء خمسمائة عام». وهذا الحديث -حديث العباس رضي الله عنه وأرضاه- هو من طريق سماك بن حرب، عن عبد الله بن عميرة، عن أحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب، وفي إسناده ضعف، وفيه جهالة عبد الله بن عميرة، وكذلك الانقطاع بينهم وبين أحنف؛ فإن البخاري رحمه الله تعالى ذكر أنه لم يسمع من الأحنف بن قيس، والله تعالى أعلى وأعلم. قال رحمه الله تعالى: قال، ولا منافات بينهما؛ لأن تقدير ذلك بخمسمائة عام هو على سير القافلة -مثلاً-، ونيف وسبعون سنة على سير البريد، أي أنه بالسير المستعجل نحو ثلاث وسبعين سنة، وبالسير البطيء نحو خمسمائة سنة. قال قلت: وهذا الحديث له شواهد في «الصحيحين» وغيرهما، مع ما يدل عليه صريح القرآن، فلا عبرة بقول من ضعفه. ومعنى هذا: أن الحديث له شواهد يرتقي بها إلى الحسن -كما ذكر ذلك الشارح رحمه الله-، والحديث -الفقرة الأخيرة منه- في قوله: «ما بين سماء إلى سماء» -يعني في قوله في آخر الحديث: «وثم العرش، وفوق العرش الله تبارك وتعالى»- هذه القطعة لها شواهد كثيرة، وكذلك لها معاني تقويها. قال رحمه الله تعالى: وقد ابتدأ المصنف رحمه الله تعالى هذا المصنف العظيم -الذي هو كتاب «التوحيد»- ببيان توحيد الإلهية؛ لأن أكثر الأمة -ممن قد تأخر- قد جاهلوا هذا التوحيد، وأتوا بما ينافيه من الشرك والتنديد، فقام هذا الشيخ ببيان هذا التوحيد الذي دعت إليه الرسل، ونهوهم عما كانوا عليه من الشرك المنافي لهذا التوحيد. فالدعوة إلى ذلك هي أهم الأمور وأوجبها لمن وفقه الله لفهمه، وأعطاه الله القدرة على الدعوة إليه، والجهاد لمن خالفه ممن أشرك بالله في عبادته. فقرر هذا التوحيد -كما ترى- في هذه الأبواب، ثم ختم كتابه بتوحيد الأسماء والصفات؛ لأن أكثر العامة لم يكن لهم التفات إلى هذا العلم -أي إلى علم التوحيد بأنواعه- الذي خاض فيه من ينتسب إلى العلم. وأما من ينتسب إلى العلم، فهم أخذوا عمن خاض في هذه العلوم، وأحسنوا الظن بأهل الكلام، وظنوا أنهم على شيء، وهم في الحقيقة ليسوا على شيء؛ لأنهم أخذوا عقائدهم عن علماء الكلام، وعلماء الكلام هم أبعد الناس عن معرفة العقيدة الصحيحة. قال رحمه الله تعالى: وظنوا أنهم على شيء، فقبلوا مذهبهم، وما وجدوه عنهم، فقرروا مذهب الجهمية، وألحدوا في توحيد الأسماء والصفات، وخالفوا ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وما عليه سلف الأمة وإمام الحديث والتفسير من المتقدمين. وما زال أهل السنة متمسكين بذلك -لكنهم قلوا- أي بما عليه سلفهم رضي الله عنهم وأرضاهم. قال: فهدى الله هذا الإمام إلى معرفة أنواع التوحيد، فقررها بأدلتها، فلله الحمد، فلله الحمد على توفيقه وهدايته إلى الحق -حين اشتدت غربة الإسلام- فضلًا عنه من ضل من أهل القرى والأمصار وغيرهم، وبالله التوفيق. قال: وقد اجتمع في هذا المصنف أنواع التوحيد الثلاثة التي أشار إليها العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى بقوله: «والعلم أقسام ثلاثة ما لها من رابع، والحق ذو تبيان، علم بأوصاف الإله وفعله، وكذلك الأسماء للرحمن، والأمر والنهي الذي هو دينه، وجزاؤه يوم المعاد الثاني». وصلى الله على سيد المرسلين وإمام المتقين محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحابته أجمعين. وبذلك نكون انتهينا من هذا الكتاب المبارك الذي هو «قرة عيون الموحدين»، فإلى الله الحمد أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا. وكان الابتداء في الثامن من ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة وألف، والانتهاء في الحادي عشر من ذي القعدة عام ثلاث وثلاثين وثلاثمائة وألف، أي لنا نحو سنة، نحو عام في هذا الكتاب. فالحمد لله تبارك وتعالى له الحمد أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا. وسيكون بإذن الله تبارك وتعالى من الأسبوع القادم الدرس في كتاب «عقيدة السلف أصحاب الحديث» للإمام الصابوني رحمه الله تعالى، سيكون الدرس من أجل أن يأخذ الإخوة الكتب في كتاب «عقيدة السلف أصحاب الحديث» للإمام الصابوني رحمه الله، والله المستعان.