شرح قرة عيون الموحدين 41

الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 41، ألقاها

أسباب عبادة الأوثان في قوم نوح والعرب

يشرح أسباب عبادة الأوثان في قوم نوح والعرب، حيث كانت الأوثان أسماء رجال صالحين ثم عبدت بعد ذلك. يذكر سببًا آخر لظهور الشرك في العرب وهو اتخاذهم حجارة ويطوفون حولها ثم عبدوها بعد موت آبائهم.

الغلو في الصالحين وانتشار الشرك

يشرح كيف أن الغلو في الصالحين يؤدي إلى الشرك بالله، مستشهدًا بأمثلة من قوم نوح وأهل مصر وغيرهم. يبين كيف أن الشيطان يزين عبادتهم ويجعل الناس يعتقدون فيهم قدرات خارقة.

تحذير النبي من الغلو والتنطع في الدين

يناقش تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من الغلو والتنطع، مستشهدًا بأحاديث نبوية. يوضح أن الغلو مذموم ويؤدي إلى الشرك بالله.

خاتمة وتسبيح وطلب مغفرة

يتضمن عبارات تسبيح واعتراف بالذنب والتوبة، حيث يُثني على الله تعالى ويطلب العفو والغفران.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. قال الشارح رحمه الله تعالى في قوله: قال قوله في الصحيح عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: 23]، قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن ينصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تعبد حتى هلك أولئك ونسي العلم، عبدت. قال رحمه الله تعالى: قوله في الصحيح، أي في صحيح البخاري. وهذا الأثر اختصره المصنف رحمه الله تعالى، والذي في البخاري عن ابن عباس: «صارت الأوثان التي في قوم نوح في العرب بعده، أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع»، أسماء رجال صالحين في قوم نوح إلى آخره. وهذا الأثر المروي عن ابن عباس رضي الله عنهما رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما. وبعض أهل العلم رحمهم الله تعالى أعلّ هذا الأثر، وعلّل ذلك بأن ابن جريج إنما روى التفسير عن عطاء الخراساني عن ابن عباس، وهو لم يسمع من عطاء الخراساني، وإنما كان ذلك بواسطة كتاب. وأيضًا فإن عطاء، أي عطاء الخراساني، فيه ضعف. فلأجل هذا بعض أهل العلم أعلّ هذا الأثر. ودافع عليه آخرون، فقالوا: بأن الأثر صحيح، وأنه صحيح. وأن ابن جريج رواه عن عطاء ابن أبي رباح عن ابن عباس. وقد ثبت أن ابن جريج رحمه الله تعالى أخذ التفسير عن عطاء ابن أبي رباح. والله أعلى وأعلم. هذا أمر، وأمر ثاني: أن هذا الذي ذكره ابن عباس رضي الله عنهما في بدء عبادة الأوثان، هذا قول لأهل العلم. وقد ذكر أهل السير والكتاب السير والتاريخ ذكروا سببًا آخر كذلك إلى جانب هذا السبب، فذكروا أن العرب في الزمن الأول حينما حصل لهم ما حصل من الشدة والقحط، اضطروا إلى أن يخرجوا وأن يسعوا في البلاد طلبًا للرزق. فكان أهل الحرم منهم إذا خرجوا أخذوا حجارة من الحرم، فكانوا إذا نزلوا في بلد وضعوا تلك الحجارة وجعلوا يطوفون عليها. فلما مات أولئك الآباء وخلفهم بعدهم الأبناء، وقد اندرس العلم، عبد الأبناء تلك الحجارة، واتخذوا كذلك حجارة أخرى عبدوها أيضًا. فهذا يكون سببًا ثانيًا في ظهور الشرك. هذا أيضًا يكون سببًا آخر في ظهور الشرك. هذا ذكره ابن هشام رحمه الله تعالى في السيرة. وما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما في صحيح البخاري يدل على معنى آخر، وهو أنه كان في الزمن في قوم نوح أن أناسًا كانوا صالحين. فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن ينصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا. لأجل ماذا؟ جاء في بعض الأسانيد في خارج الصحيح، في مسند أحمد وغيره: أن الشيطان قال لهم: ضعوا شيئًا لهؤلاء الصالحين حتى تنشطكم في العبادة. فوضعوا هذه التصاوير والتماثيل في مجالسهم لأجل أنهم إذا رأوهم تذكروا عبادتهم، فيتنشطوا لعبادة الله عز وجل. واستمروا على هذا الأمر حتى مات الآباء وخلفهم خلف آخرون، جاءهم الشيطان فقال: إن آباءكم كانوا يعبدون هؤلاء الصالحين، فاعبدوهم. فعبدوهم. فهذا خلاصة ما يذكر في أثر ابن عباس رضي الله عنهما. وبعض أهل العلم جعلوه وإن كان موقوفًا على ابن عباس، قالوا: إلا أن البخاري رحمه الله تعالى صنيع البخاري رحمه الله تعالى في كونه ذكره في صحيحه، إنما هو مخصص له بالمسند. قالوا: فهذا مصير منه إلى أنه عامله معاملة الحديث المرفوع. وهو مذهب لبعض أهل العلم، مذهب لبعض أهل العلم: أنهم يعاملون تفسير الصحابي الذي لم يخالفوا غيره، أنهم يعاملونه معاملة ما له حكم المرفوع. قوله: «أن ينصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا»، جمع نصب، وهي الأصنام التي صوروها على صور الصالحين. قوله: «ففعلوا ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت»، الذي في البخاري: «ونسخ العلم». فلعل هذا الذي هنا رواية: «ونسخ العلم»، أي ذهب العلم الذي كان عليه الآباء، فنسي وذهب بعد ذلك عند الأبناء. قال: «فصارت هذه الأصنام بعد هذا التصوير على صور الصالحين سلما إلى عبادتهم». وكل ما عبد من دون الله من قبر أو مشهد أو صنم أو طاغوت، فالأصل في عبادته هو الغلو فيه، كما لا يخفى على ذوي البصائر، كما جرى لأهل مصر وغيرهم. يعني قول الشارح رحمه الله: «فصارت هذه الأصنام بهذا التصوير على صور الصالحين سلما إلى عبادتها». قال: «وكل ما عبد من دون الله من قبر أو مشهد أو صنم أو طاغوت، فالأصل في عبادته هو الغلو فيه». يعني أنظر إلى أولئك كيف تعاملوا مع أولئك الصالحين أولًا، عظموهم، وأنهم رجال خير ورجال صلاح، فزين لهم الشيطان بحيلة منه أن يغلوا في هؤلاء، فغلوا فيهم. ثم ما زال الشيطان يحثهم على الغلو في أولئك الصالحين حتى عبدوهم من دون الله جل وعلا. فظهر من هذا مناسبة ذكر الشيخ رحمه الله تعالى لأثر ابن عباس رضي الله عنه ما تحت هذا الباب، وهو أن أصل الشرك وأول شرك ظهر في الأرض إنما هو سببه الغلو في الصالحين. أن أول شرك وقع في الأرض سببه الغلو في الصالحين، كما حصل لقوم نوح. قال رحمه الله تعالى: «فالأصل في عبادتهم هو الغلو فيهم، كما لا يخفى على ذوي البصائر، كما جرى لأهل مصر وغيرهم». فإن أعظم آلهتهم أحمد البدوي، أعظم آلهة من؟ القبورية في مصر وإلى يومنا هذا. وكذلك ما يسمونها بالسيدة زينب، وآخرين ممن يعبد من دون الله جل وعلا، آلهة تعبد من دون الله جل وعلا، يتقرب إليها بأنواع من القرابين، ولها الزيارات، ولها ما لها من أصناف العبادات والتقديس إلى غير ذلك. قال رحمه الله تعالى: «فإن أعظم آلهتهم أحمد البدوي»، قال: «وهو لا يعرف له أصل ولا فضل ولا علم ولا عبادة»، يعني رجل منكر إلى الغاية في نسبه، وفي دينه، وفي حاله، وفي كذلك ما هو عليه من الظاهر. فكما ذكر من ذكر ممن ذكره في ترجمة: أنه كان ممن يقال فيه بالمجاذيب، أي أشباه المجانين. قالوا: مع هذا فصار أعظم آلهتهم، مع أنه لا يعرف إلا أنه دخل المسجد يوم الجمعة فبال فيه، ثم خرج ولم يصل. ذكره السخاوي عن أبي حيان كما مر معنا. وأن ذكرنا أن هذه القصة ذكرها السخاوي بسند صحيح إلى أبي حيان، ذكره عن المقريزي عن أبي حيان: أنه رآه دخل يوم الجمعة، رأى أحمد البدوي دخل يوم الجمعة والخطيب يخطب، فأدخل وجهه في جيب ثوبه وجعل يبول على ثيابه داخل المسجد. ثم بعد ذلك بقي على هذه الحال والخطيب يخطب، فلما فرغ الخطيب من خطبته وأقيمت الصلاة، وصلى الناس وهو على حالته حتى قضيت الصلاة، ثم انصرف وهو على حالته مطلطخًا بالنجاسات، تاركًا للصلوات. ومع هذا يعده أولئك بأنهم من سادات الأولياء، بل ممن له تصرف في الكون، والعياذ بالله. قال رحمه الله تعالى: «فزين لهم الشيطان عبادته، فاعتقدوا أنه يتصرف في الكون». من هذا البدل الذي يبول على ثيابه، ويطفئ الحريق، وينجي الغريق، وصرف له الإلهية والربوبية وعلم الغيب. وكانوا يعتقدون أنه يسمعهم ويستجيب لهم من الديار البعيدة. وفيهم من يسجد على عتبة حضرته. وأي شرك بعد هذا الشرك بالله جل وعلا؟ وهل هذا إلا من الغلو؟ هذا من الغلو. وهل هو في الصالحين؟ الجواب: أنه من الغلو في الطالحين، رجل ليس من أهل الصلاح لا من قريب ولا من بعيد. مع هذا زين الشيطان لأولئك عبادته والغلو فيه، حتى أنهم يعتقدون فيه أشياء لا يقدر عليها ولا يعلمها ولا يستطيعها إلا رب العالمين جل جلاله. قال رحمه الله تعالى: «وكان أهل العراق ومن حولهم كأهل عمان يعتقدون في عبد القادر الجيلاني كما يعتقد أهل مصر في البدوي»، أي أنهم كذلك يعتقدون فيه أنه له قدرة على تحريك الكون، وعلى سماع أصوات المضطرين ولو كانوا في البلاد البعيدة، وأن له من القدرات الخارقة على إغاثتهم وإجابة دعواتهم، إلى غير ذلك من أشياء التي لا يقدر عليها إلا الله رب العالمين. قال رحمه الله تعالى: «وعبد القادر من متأخري الحنابلة، وله كتاب الغنية وغيره». ممن قبله وبعده من الحنابلة من هو أفضل منه في العلم والزهد، لكن فيه زهد وعبادة. وفُتن به أعظم فتنة، كما جرى من الرافضة مع أهل البيت. وسبب ذلك الغلو، ودعوى أن له كرامات. وقد جرت الكرامات لمن هو خير منه وأفضل، كبعض الصحابة والتابعين. وهكذا حال أهل الشرك مع من فتنوا به. وبالنسبة للجيلاني، عبد القادر جيلان، الصحيح الذي عليه جماعة من المحققين: أنه رجل من حيث العبادة هو بريء منها. من حيث عبادته هو بريء منها. وإلا يذكرون عنه أنه كان رجلًا خيرًا، أنه كان رجلًا خيرًا. لكن لما مات عبد. فيكون حاله كحال غيره من الصالحين الذي عبد وهو غير راض، وهو غير راض. ولكنه من حيث الصلاح رجل صالح، ومن حيث السنة هو كذلك سني، كما ذكر ذلك بعض المحققين من أهل العلم. وإن كان له بعض الشطحات كما نبهوا على ذلك. فأشهد من هذا أن سبب عبادتهم له ولغيره ممن هو مثله أو دونه أو أعلى رتبة منه هو الغلو، هو الغلو فيه، ومجاوزة الحد في تعظيمه وإجلاله، حتى رفعوه إلى منزلة الخالق جل جلاله. قالوا: «أعظم من هذه وأعظم من هذا عبادة عبادة أهل الشام لابن عربي». وابن عربي كما يقول علماء: إثنان، ابن عربي المعرف معرفة، وابن عربي المنكر نكرة. يعني ابن العربي. بالألف واللام المعرف، إمام من أئمة المالكية، من أهل العلم والصلاح. وأما ابن عربي المنكر، فهو نكرة، إمام أهل وحدة الوجود، أحد الزنادقة، والعياذ بالله. قال رحمه الله تعالى: «وأعظم من هذا عبادة أهل الشام لابن عربي، وهو إمام أهل الوحدة الذين هم أكفر أهل الأرض». ومعنى إمام أهل الوحدة: أنهم يقولون بأن الكون عبارة عن عين واحدة، أن الكون كله عبارة عن عين واحدة. فليس هناك خالق ومخلوق، ليس هناك خالق ومخلوق، بل الكل رب العالمين جل جلاله. حتى قال قائلهم: «وما الكلب والخنزير إلا إلهنا». وكان أحدهم إذا سمع الكلب ينبح يقول: «سبحانك سبحانك». وكان أحدهم يفتح جبته، ثم يقول: «ما داخل هذه الجبة إلا رب العالمين»، أو كما قال. الشاهد: أن هؤلاء من أهل وحدة الوجود هم الذين يقولون بأن الكون عبارة عن عين واحدة، فلا يميزون بين خالق ومخلوق، ولا بين رب ومربوب، وإله ومألوه، إلى غير ذلك. فلا يميزون بين رب العالمين جل جلاله وبين خلقه. وهؤلاء كما ذكر: هم أكفر أهل الأرض. بل نقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى الإجماع على أن هؤلاء أكفر من اليهود والنصارى، أكفر من اليهود والنصارى. اليهود قالوا: عزير ابن الله. النصارى قالوا: بأن الله ثالث ثلاثة. أما هؤلاء جعلوا كل من في الأرض هو ماذا؟ هو الله رب العالمين، تعالى الله وتقدس عن قولهم علوًا كبيرًا. قال رحمه الله تعالى: «وأكثر من يعتقد فيه هؤلاء لا فضل له ولا دين»، أي أكثر ممن يقول بأنه ولي وأنه سيد، وأن عنده صلاح، وأن عنده كرامات. أكثرهم غير معروف بالصلاح، غير معروف بالصلاح. ومثال ذلك كما سمعتم: البدوي وغيره، وغيره. قال: كأناس بمصر وغيرها. وجرى في نجد قبل هذه الدعوة مثل هذا. وفي الحجاز واليمن وغيرهما من عبادة الطواغيت والأشجار والأحجار والقبور، ما عمت به البلوى، كعبادتهم الجن، وطلبهم الشفاعة منهم. والأصل في ذلك الغلو بتزيين الشيطان. قال: «وذكر أهل السير أن التلبية من عهد إبراهيم عليه السلام: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك». حتى كان عامر بن الطفيل الخزاعي، فبينما هو يلبي، تمثل له الشيطان في صورة شيخ يلبي معه، فقال: «لبيك لا شريك لك». فقال الشيخ: «إلا شريكًا هو لك». فأنكر ذلك عامر، فقال: «ما هذا؟» فقال الشيخ: «تملكه وما ملك». فإنه لا بأس بهذا. فقال عامر: «فدانت بها العرب»، أي فجعل العرب يلبون بها للتلبية، كما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما في صحيح مسلم. وقوله: «وذكر أهل السير»، ذكرهم بعض أهل السير، كأبي القاسم السهيلي في كتاب «الروض الأنف». قوله رحمه الله تعالى: «وعن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله». أخرجاه. قوله: «عن عمر»، هو ابن الخطاب بن نفيل، بنون وفاء، مصغر، العدوي، أمير المؤمنين، وأفضل الصحابة بعد الصديق رضي الله عنه، ولي الخلافة عشر سنين ونصفًا، فامتلأت الدنيا عدلًا، فتحت في أيامه ممالك كسرى وقيصر، واستشهد في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة. قوله: «لا تطروني»، الإطراء والغلو، كما أطرت النصارى ابن مريم. كما قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: 171]. قال رحمه الله تعالى: قوله: «إنما أنا عبد»، فقول: «عبد الله ورسوله»، أمرهم صلى الله عليه وسلم أن لا يتجاوزوا هذا القول في الخطاب. وقد أمر الله عباده بالصلاة والسلام عليه. لأن أشرف مقامات الأنبياء العبودية الخاصة والرسالة. فالنبي صلى الله عليه وسلم أغلق كل باب يفضي إلى الشرك بالله جل وعلا، وكل سبب يفضي إلى الشرك بالله جل وعلا. ومن هذه الأبواب الغلو. ومن أعظمها: أن يغلو فيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فنهاهم: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، ولكن قولوا: عبد الله ورسوله». قولوا: «عبد الله ورسوله». وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والغلو، فإنما هلك من كان قبلكم الغلو». قال: هذا الحديث ذكره المصنف رحمه الله تعالى بدون ذكر راويه. وقد رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه، الحديث عن ابن عباس. وهذا لفظه رواية أحمد عن ابن عباس، وإسناده صحيح. وهذا فيه: عندما أمر ابن عباس أن يأتيهم بحجارة أو بحصيات كحصيات الخلف من أجمر، أن يرمي الجمار. ثم قال: «إياكم والغلو، فإنما هلك من كان قبلكم الغلو». قال شيخ الإسلام: هذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال. فالغلو سواء كان في الأقوال أو في العبادات أو في الاعتقادات، في أي شيء مذموم. لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إياكم والغلو». ثم قال: «فإنما هلك من كان قبلكم الغلو». إذن الغلو بجميع ألوانه وأصنافه وأنواعه هو مذموم، حذر منه نبينا صلى الله عليه وسلم غاية التحذير، لما يترتب على الغلو من الشرور الكبيرة. قال رحمه الله تعالى: قوله: «ولمسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هلك المتنطعون»، قالها ثلاثًا. قال الخطابي: «المتنطع المتعمق في الشيء، المتكلف في البحث عنهم، على مذهب أهل الكلام، الداخلين فيما لا يعنيهم، الخائضين فيما لا تبلغه عقولهم». وقال أبو سعد: «المتعمقون الغالون في الكلام، المتكلمون بأقصى حلوقهم». وقال النووي: «فيه كراهة التقعير في الكلام بالتشدق، وتكلف الفصاحة، واستعمال وحشي اللغة، ودقائق الإعراب في مخاطبة العوام ونحوهم». قوله: «قالها ثلاثًا»، أي قال هذه الكلمة ثلاث مرات، مبالغة في التعليم والإبلاغ. فقد بلغ البلاغ المبين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. قال: «ووجه مناسبة هذا الحديث لترجمة: أن الغلو من التنطع والزيادة». أن الغلو من التنطع والزيادة، لما فيه من الخروج إلى ما يوصل إلى الشرك بالله جل وعلا. إذن قول الشيخ رحمه الله تعالى: «هلك المتنطعون». ومن التنطع: التجاوز في الغلو في الصالحين، بأن يتجاوز في محبتهم وتعظيمهم وإجلالهم إلى مرتبة لا يستحقها إلا الله جل وعلا. فلأجل هذا ذكر الشيخ رحمه الله تعالى هذا الحديث تحت هذا الباب، تنبيهًا على خطر التنطع والغلو في الدين. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على