الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 43، ألقاها
النبي صلى الله عليه وسلم حذر من اتخاذ القبور مساجد وعبادتها، وقد لعن اليهود والنصارى لفعلهم ذلك. هذا التحذير يشمل كل من يغلو في القبور ويعبدها من دون الله.
الغلو في الصالحين يمكن أن يكون ذريعة إلى الشرك الأكبر، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. دفن النبي في بيته خشية أن يتخذ قبره مسجدًا ويعبد من دون الله.
بناء المساجد على القبور محرم وقد استشهد العلماء بأحاديث نبوية في ذلك. انتشار الشرك في الأمة الإسلامية وتطور مظاهره يعد من أخطر الظواهر التي تهدد التوحيد.
ظاهرة الاعتقاد في غير الله منتشرة، حيث يعتقد الناس في أشياء لا يقدر عليها إلا الله. هذا الاعتقاد يصل إلى حد إسناد تحريك الكون إلى غير الله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال العلامة عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى: قال قوله «ولهما عنها»، أي عن عائشة رضي الله تعالى عنها، «ولهما»، أي للشيخين البخاري ومسلم، قالت: «لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذروا ما صنعوا»، ولولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا. أخرجاه. قوله رحمه الله تعالى: «الخميصة: كساء له أعلام»، وشاهد للترجمة قوله صلى الله عليه وسلم «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». قال رحمه الله: «فلعنهم صلى الله عليه وسلم على تحري الصلاة عندها، وإن كان المصلِ إنما يصلي لله، فمن كان يصلي عند القبور ويتخذها مساجد فهو ملعون؛ لأنه ذريعة إلى عبادتها، فكيف إذا عبد أهل القبور والغائبين بأنواع العبادة وسألهم ما لا قدرة لهم عليه؟ وهذا هو الغاية التي يكون اتخاذ القبور مساجد ذريعة إليها». قوله رحمه الله تعالى بعد أن ذكر حديث عائشة رضي الله عنها: قوله «والشاهد للترجمة قوله صلى الله عليه وسلم لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، فلعنهم النبي صلى الله عليه وسلم لأجل أنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد؛ لأن المساجد هي الأمكنة التي يصلى فيها، والأمكنة التي يصلى فيها تسمى مسجدًا، كما سيأتي بإذن الله جل وعلا، بل كل مكان صلى فيه المسلم فإنه مسجد، لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم «وجعلت تربتها لنا مسجدًا وطهورًا»، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، بمعنى أن الأرض كلها لأهل الإسلام مسجد، أي كل مكان أدركت الصلاة الإنسان فيه فإنه يصلي في تلك البقعة وتكون مسجدًا له. فكيف بمن حدد واختص بقعة ما بالصلاة فيها، وقد نهى نبينا صلى الله عليه وسلم عن تلك البقعة، كالصلاة عند قبور الصالحين؟ وقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث «اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» لغرض من هذا الحديث مع الحديث الأول الذي مر معنا في الدرس الماضي، وهو قوله صلى الله عليه وسلم «إذا مات فيهم الرجل الصالح»، وها هنا قال «اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، فنخلص بمعنى وهو كما مر معنى في ما مضى أن مقصود النبي صلى الله عليه وسلم بالصالح أعم مما قد يتبادر إلى الذهن من أنه دون الأنبياء أو غير الأنبياء؛ لأن الصالح كما سمعتم يدخل في عمومه كل صالح، ومنهم الأنبياء، وهم ذروة الصلحاء صلوات الله وسلامه عليهم. فإذا قوله صلى الله عليه وسلم «إذا مات فيهم الرجل الصالح» يدخل فيهم كذلك الأنبياء، أو غيرهم من الصالحين ممن هم من أتباعهم الأنبياء. وجاء في هذا الحديث تخصيص الأنبياء بقوله «اتخذ قبور أنبيائه مساجد» لمعنى أخص، وهو أن الناس قد اعتادوا أنه كلما كان الرجل أصلح، كلما كان الجهال إليه أرغب، أي في طلب الاستشفاع، وفي طلب الوركة، وفي التماس الخير منه، وما شابه ذلك. وفيه كذلك إشعار منه صلى الله عليه وسلم لأمته بأن ينتهوا عن هذا الفعل به صلى الله عليه وسلم، فكأنه يقول «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وإياكم أن تكونوا مثلهم في نبيكم أو مع نبيكم». قال رحمه الله تعالى: «فلعنهم صلى الله عليه وسلم على تحري الصلاة عندها»، يعني وتأمل قوله رحمه الله تعالى «تحري الصلاة عندها»، لأنهم كما مضى لا يتحرون الصلاة عندها إلا هم يعتقدون أن لذلك المكان قداسة، ولذلك المكان مزية وخصيصة، إما في زيادة الثواب والأجر، وإما في حصول البركة العاجلة أو الآجلة من ذلك الصالح بالصلاة عند قبره لله، فكيف إذا كانت الصلاة عند قبره لذلك الميت؟ ذلك أشد وأنكر. قال رحمه الله تعالى: «وإن كان المصلي إنما يصلي لله، فمن كان يصلي عند القبور ويتخذها مساجد فهو ملعون؛ لأنه ذريعة إلى عبادتها». ومعنى هذا أنه كما مر معنا رب إنسان يكون في أول الأمر لما عنده من العلم، لما عنده من بقية الخير والصلاح، باحتكاكه بأهل الخير والصلاح، ربما يصلي عند تلك القبور لا لعبادة تلك القبور، ولكنها عبادة لله جل وعلا، ولكنه قد طغى عليه الغلو في الصالحين حتى إنه صلى عند قبورهم. لكن آخرين ممن هم دونهم في العلم وفي العقل ربما يرى ذلك الإنسان يصلي عند ذلك القبر، فيظن أنه يصلي لذلك القبر، فيصلي لذلك القبر، فيكون ذلك الفاعل لذلك الفعل ابتداء فعله ذريعة، بسببها حصل الشرك الأكبر، حصل الشرك الأكبر. ولو تأملنا فيما مضى معنا في قصة أصحاب قوم نوح، كيف كانت عبادتهم لأولئك الصالحين؟ أول شيء كما جاء في حديث ابن عباس، وجاء كذلك نحوه في أثر قتادة، ونحوه من السلف، وآخرين من السلف: أن الشيطان أول ما ماتوا والناس حزنوا على موتهم، جاءهم فقال: «اعملوا لهم تصاوير، حتى إذا رأيتم صورهم تنشطتم على عبادة الله». أنظر أول شيء قالهم: «اعملوا تصاوير حتى إذا رأيتم أولئك الصالحين تنشطتم على عبادة الله جل وعلا»، فبدأوا مع الشيطان بأول خطواته، ثم كانوا على هذه الحال في مجالسهم، إذا رأوهم تنشطوا عبادة وذكروهم بخير، حتى ذهب أهل ذلك القرن واندثر العلم، ونسخ العلم، جاء الخلف فجاءهم الشيطان فقال: «إن آباءكم ما وضعوا هذه التصاوير في مجالسهم وفي أماكن اجتماعاتهم إلا لأن لها منزلة عظيمة ومكانة كبيرة، فإنهم كانوا يعبدونها، فتقربوا إلى الله». جاء الخلف لجهلهم فعبدوا تلك القبور أو عبدوا تلك التصاوير. والأمر في القبور كذلك يأتي الشيطان أولًا فيأتي لهؤلاء يقول: «هؤلاء صالحون، وهؤلاء عندهم من خير، وهؤلاء مقربون إلى الله جل وعلا، ولهم منزلة ولهم مكانة ولهم بركة إلى غير ذلك، أعبدوا الله جل وعلا لكن عند قبورهم، أعبدوا الله لكن عند قبورهم»، حتى إذا انقرض ذلك الزمن وجاء الخلف الجهال، يأتيهم الشيطان فيقول لهم: «فإن آباءكم كانوا يتقربون إلى الله بالتقرب إلى أولئك المقبورين، فإن آباءكم كانوا يذبحون لهم»، والآباء قد يكونون ماذا؟ كانوا يذبحون لله عند قبورهم؟ «فإن آباءكم كانوا ينذرون لهم»، والآباء قد يكونون ماذا؟ ينذرون لله جل وعلا عند قبورهم؟ «فإن آباءكم كانوا يصلون لهم»، والآباء قد يكونون كانوا يصلون لله جل وعلا عند ماذا؟ عند قبور، فيحصل الشرك الأكبر، فيحصل الشرك الأكبر. فنبينا صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، ومن هذه الحماية التي حمى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد أنها عن كل أمر وكل وسيلة وكل ذريعة مفضية وموصلة إلى عبادة غير الله جل وعلا، ومنها الغلو في القبور وفي الصالحين، وعبادة الله جل وعلا عندها. قال رحمه الله تعالى: «قال: فكيف إذا عبد أهل القبور والغائبين بأنواع العبادة وسألهم ما لا قدرة لهم عليه؟ كما هو حال الكثيرين، أنهم لا يأتون الآن إلى أصحاب القبور لعبادة الله جل وعلا عندها، وإنما يأتون إلى أصحاب القبور لعبادتها، يأتون إلى أصحاب القبور لعبادتها، وإن كانوا يقولون: نحن لا نعبدها، ولكن هم في الحقيقة ماذا؟ يعبدونها، فهم يعظمونها ويجلونها ويخشونها ويحبونها كحب الله جل وعلا، وكخشية الله جل وعلا، وكتعظيم الله جل وعلا، بل يسألونها سؤالًا لا يقدر عليه إلا الله جل وعلا». وإذا نزل بهم الكرب، وإذا نزلت بهم الوصائب، ضل من يدعوه إلا أولئك المقبورين، إلا أولئك المقبورين. ومع هذا يقولون: «فإننا لا نعبدهم، فإننا لا نعبدهم». وأي شيء فوق هذا؟ وما هي العبادة إلا ذلك العمل منكم، والتقرب والتوجه والتعلق منكم بغير الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: «وهذا هو الغاية التي يكون اتخاذ القبور مساجد ذريعة إليها»، ما هي الغاية؟ «الغاية أن تعبد تلك القبور، أن تعبد تلك القبور». قال: «وهذا هو الغاية التي يكون اتخاذ القبور مساجد ذريعة إليها، واللعنة ليست مختصة باليهود والنصارى، بل تعم من فعل فعلهم، وما هو أعظم منهم؛ لأن العبرة بماذا؟ العبرة ليس بخصوص السبب، ولا بخصوص اليهود والنصارى، وإنما العبرة كما يقال بوجود الوصف». فكلما وجد الوصف وجد معه الحكم، والوصف ها هنا ما هو؟ كلما وجد أن أناسًا بنوا على قبور أنبيائهم مساجد، واتخذوا قبور الأنبياء مساجد، واتخذوا قبور الصالحين مساجد، فإنهم ملعونون؛ لأن اللعنة ما هو سببها؟ اتخاذهم المساجد على قبور الأنبياء، وعلى قبور الصالحين، على قبور الأنبياء كما في الحديث الذي بين أيدينا، وعلى قبور الصالحين كما في الحديث الذي مر معنا في الدرس الماضي. قال رحمه الله تعالى: «قال: بل تعم من فعل فعلهم، وما هو أعظم منه»، أي من باب أولى، بمعنى أن من فعل فعلهم فعظم قبور الصالحين والأنبياء، فبنى عليها المشاهد والقباب، واتخذها مساجد يعبد الله جل وعلا عندها، فهو ملعون، فكيف بمن اتخذها مساجد يعبدها من دون الله جل وعلا، أن يعبدوا قبور الصالحين، ويتقرب إليهم من دون الله جل وعلا؟ هذا أشد وأنكر؛ لأنه وقع في الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله جل وعلا لأحد. قال رحمه الله تعالى: «قال: وهذا هو الذي أراده في قوله بل تعم من فعل فعلهم وما هو أعظم منه، وهذا هو الذي أراده النبي صلى الله عليه وسلم من لعنه اليهود والنصارى على هذا الفعل، على هذا الفعل؛ فاللعن وقع على ماذا؟ على فعلهم لذلك الفعل». ومعنى هذا أن من فعل ذلك الفعل فإنه ملعون بسبب ذلك الفعل، لماذا؟ لأن الحكم كان لسبب ما هو ذلك السبب؟ السبب أنهم بنوا المساجد على قبور الصالحين، وعلى قبور الأنبياء، فمن بنى المساجد على قبور الصالحين وعلى قبور الأنبياء، فقد وقع في السبب الذي لأجله كان الحكم الذي هو ماذا؟ اللعنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم على من فعل ذلك الفعل. قال رحمه الله: «وقوله: ولولا ذلك، أي ما كان يحذر من اتخاذ قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسجدًا، لأبرز قبره مع قبور أصحابه بالبقيع»، بمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم لولا أنه خشي أن يحصل من جهال الأمة ممن يأتي بعد ذلك من الجهال والجهالات، فيفعلون معه صلى الله عليه وسلم ما فعله اليهود والنصارى مع أنبيائهم، فيقعوا فيما وقعوا فيه، فلأجل هذا قبر صلى الله عليه وسلم في بيته، في حجرته. قال قوله: «غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا»، روي بفتح الخاء وضمها، أي خشي وخشي، بالمبني للمعلوم والمبني للمجهول. فعلى الفتح يكون هو الذي خشي ذلك صلى الله عليه وسلم، وأمرهم أن يتفننوا في المكان الذي قبض فيه. وعلى رواية الضم يحتمل أن يكون صحابته الذين خافوا أن يقع ذلك من بعض الأمة، فلم يبرزوا قبره خشية أن يقع ذلك من بعض الأمة غلوًا وتعظيمًا لما أبدى وأعاد من النهي والتحذير، ولعن فاعله. وكلا الأمرين محتمل. قال رحمه الله تعالى: «قال القرطبي والحاصل أنه على كالاحتمالين نعلم ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من حماية حمى التوحيد، وكذلك ما كان عليه صحابته رضي الله عنهم وأرضاهم من بعده كذلك من حماية حمى التوحيد، وقطع كل طريق مفضي وموصل إلى الشرك بالله جل وعلا». قال القرطبي رحمه الله تعالى: «ولهذا بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فأحاطوا تربته، وسدوا المداخل إليها، وجعلوها محدقة بقبره صلى الله عليه وسلم». ثم خافوا أن يتخذ موضع القبر قبلة إذا كان مستقبل المصلين، إذا كان مستقبل المصلين، فتصور الصلاة إليه بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلثة من ناحية الشمال، حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره، يعني الأمر واضح، كان قبر النبي صلى الله عليه وسلم كما تعلمون خارج المسجد، فلما وسع المسجد أدخل قبره صلى الله عليه وسلم في زمن بني أمية، لما وسع المسجد أدخل قبره في المسجد صلى الله عليه وسلم. فلما كان قبره في المسجد وكان متقدمًا، خشي العلماء رحمهم الله تعالى ومن كان في زمانهم أن يصلي الناس في جهة القبلة والقبر كان في جهة القبلة، من أن تتعلق قلوب بعض الناس بأنهم يصلون إلى جهة القبر، فماذا فعلوا؟ عملوا جدارين، عملوا جدارين من الجهة الشمالية على شكل مثلث، حتى لا يستطيع إنسان أن يصلي إلى جهة القبر، حتى لا يستطيع المصلي أن يصلي إلى جهة القبر، بل إذا صلى يكون يصلي إلى جهة لا إلى جهة القبر. قال الشارح رحمه الله: «قلت: فبذلك صان الله قبره، وقبل دعوته بقوله: اللهم لا تجعل قبره وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». قوله رحمه الله تعالى: «ولمسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت آخذ من أمتي خليلا لاتخذت أبابكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك». وهذا كما ترون عام منه صلى الله عليه وسلم «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد»، فقال: «ألا فلا تتخذوا القبور أي قبر كان، أي قبر كان مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك». قوله رحمه الله تعالى: «عن جندب بن عبد الله»، أي ابن سفيان البجلي، وينسب إلى جده، صحابي مشهور، مات بعد الستين. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «أما بناء المساجد على القبور، فقد صرح عامة الطوائف بالنهي عنه للأحاديث الصحيحة، وصرح أصحابنا وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي بتحريمه». قال: «ولا ريب في القطع بتحريمه، ثم ذكر الأحاديث في ذلك إلى أن قال: وهذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين والملوك وغيرهم تتعين إزالتها»، أي تجب إزالتها، المساجد المبنية على قبور الأنبياء، وعلى قبور الصالحين، وعلى قبور المعظمين؛ فإنها يجب إزالتها، قال: «بهدم أو غيره، هذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين، وهذه من الواجبات التي تجب على ولاة الأمور أن يفعلوها، تطهيرًا للأرض، وتطهيرًا للأمة من دنة الشرك بالله جل وعلا، ومن كل وسيلة مفضية إلى الشرك بالله جل وعلا». قال رحمه الله تعالى: قوله «فقد نهى عنه في آخر حياته، ثم إنه لعن وهو في السياق من فعله، والصلاة عندها من ذلك، وإن لم يبنى مسجد»، وهو معنى قولها: «خشي أن يتخذ مسجدًا»، فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدًا، وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدًا، وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدًا، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجدًا، كما قال صلى الله عليه وسلم «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»، كما في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. قال: «هذا ذكره شيخنا، وهو من تقرير شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى على هذه الأحاديث»، أي ذكرها شيخ الإسلام رحمه الله، وقررها شيخ الإسلام، ولخصها الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى. قوله: «ولي أحمد بسند جيد على بن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا: إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد»، أخرجاه، أبو حاتم في صحيحه، وإسناده حسن. أشهد منه أنهم من شرار الناس، من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد، يتخذون القبور مساجد. وهذا فيه إشارة إلى ماذا؟ إلى أن الشرك واقع في هذه الأمة، ولا محالة، فكما ترون وتسمعون أن من الناس من اتخذ القبور مساجد، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وكما هو الواقع المحسوس. قال رحمه الله تعالى: «قلت: وقد وقع هذا في الأمة كثيرًا، كما وقع في أهل الجاهلية قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، كما لا يخفى على ذوي البصائر، وقد زاد هؤلاء المتأخرون من هذه الأمة على ما وقع من أهل الجاهلية من هذا الشرك بأمور، الآن هذه الأمة وقع منها الشرك كشرك الأولين، وزيادة ما هو الزيادة؟». قال: «منها أنهم يخلصون عن الاضطرار لغير الله، وينسون الله، بينما كان حال المشركين الأول أنهم إذا نزل بهم الكرب إذا نزل بهم الكرب ما يدعون إلا من؟ ما يدعون إلا الله جل وعلا، دعوا الله مخلصين له الدين، لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين». حالهم أنهم إذا نزل بهم الضُر، ونزل بهم الكرب، دعوا الله جل وعلا وحدهم لا شريك له، هذا من المشركين الأول. أما المشركون المتأخرون، فإنهم إذا نزل بهم الضر، فإنهم لا يدعون إلا ساداتهم وأوليائهم، ومن قد تعلقت قلوبهم بهم، من قد تعلقت قلوبهم بهم. فإذا المتأخرون يدعون غير الله جل وعلا في السراء والضراء، وأما المتقدمون الجاهليون المشركون الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا يدعون الله في الضراء، ويدعون غيره في السراء، هذا أمر. قال: «ومنها أنهم يعتقدون أن آلهتهم من الأموات يتصرفون في الكون دون الله، بخلاف الأولين؛ الأولين كانوا يعتقدون أن المتصرف في الكون من الله جل وعلا، الله جل وعلا، ولئن سألتهم من خلقهم لا يقولون الله، وكانوا في تلبيتهم كما جاء في حديث ابن عباس في صحيح مسلم يقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك»، إذن يعلمون أن المتصرف في الكون والمالك للكون، بل المالك لآلهتهم هو من هو؟ الله، بل قالوا: «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى»، بينما المتأخرون يعتقدون في آلهتهم أن لها تصرفًا وتحكمًا في الكون. قال: «هذا من كلام الشيخ عبد الرحمن، ومن ذلك قول ابن الكمال من أهل عمان، وأمثاله: إن عبد القادر الجيلاني يسمع من دعاه، ومع سماعه ينفع»، هذا يقول فيمن في عبد القادر الجيلاني أنه يسمع من دعاه، ولو كان ماذا؟ ولو كان بعيدًا، ولا يسمع فقط، بل ويجيب، إذن حال كحال من كحال الذي قال في كتابه الكريم «أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله؟»، حال كحال الذي قال عن نفسه جل وعلا «وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان». فإذا كان هذا حال عبد القادر الجيلاني، فما الفرق بينه وبين رب العالمين جل جلاله؟ وضح هذا، فوقع شرك منهم في ماذا؟ في الألوهية، وكذلك في الربوبية. قال رحمه الله: «فزعم أنه يعلم الغيب»، من الذي يعلم الغيب؟ عبد من عباد الله جل وعلا، وهو ميت، قال: «فلقد ذهب عقل هذا، وضل، وكفر بما أنزل الله في كتابه، كقوله: إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم، ولو سمعوا ما استجابوا لكم، ويوم القيامة يكفرون بشرككم، ولا ينبئك مثل خبير». قال رحمه الله تعالى: «فلما صدقوا، فما صدقوا الخبير فيما أخبر به عن آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله، ولا آمنوا بما أنزل الله في كتابه، بل بالغوا وعاندوا في رده، وكذبوا، وألحدوا، وكابروا العقول، وكابروا المعقول والمنقول، فالله المستعان، فالله المستعان». وهذا كما سمعتم قطرة من مطرة، وفيض من غيظ، وإلا الأمر أعظم وأدهى وأمر. وقد مر معنا ما سمعتموه مرارًا من كلام البوصيري صاحب البردة، وأنه كيف وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يجيب، وأنه يغيث، وأن الجنة والنار بيده، والدنيا والآخرة بيده، وعلم الغيب الذي هو اللوح والقلم بيده، إلى غير ذلك، إلى غير ذلك. ومر معنا كذلك ما ذكرناه عن ذلك البرعي عبد الرحيم البرعي، وما قال في قصائده في الاستغاثة برسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاءه لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا له نظائر كثيرة، من قرأها تعجبًا وانذهلًا، كيف إن الناس وصل حالهم إلى هذه الحال، يعتقدون في غير الله جل وعلا أشياء لا يقدر عليها ولا يستطيعها إلا الله جل وعلا، بل يجعلون لهذه الدنيا أقطابًا، يجعلون لهذه الدنيا أقطابًا وأوتادًا، وكذلك رؤساء، وأن هذا تحته كذا وكذا من الأقطاب يحركها ويسيرها، وهذا تحته كذا وكذا، وهذا تحته كذا وكذا، إلى أن يصل إلى ماذا؟ إلى القطب الأعظم والأكبر الذي يحرك الكون، فأين الله رب العالمين جل تعالى الله جل وعلا عن قول الأفاكين علوًا عظيمًا. والله تعالى أعلى وأعلم، سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.