الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 12، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
مرتبة المشيئة تعني أن كل ما يحدث في الكون هو بمشيئة الله تعالى، وتدل عليها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. الإرادة الكونية تشمل كل ما يحدث في الكون.
النصوص الإسلامية تفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، الأولى تشمل كل ما يحدث في الكون والثانية تتعلق بما يحبه الله من أفعال العباد. الإرادة الكونية لا تتخلف عن وقوع ما أراده الله.
مرتبة الخلق تشمل الإيمان بأن الله خالق كل شيء، وقد دلت عليها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. أهل السنة والجماعة يؤمنون بصفات الله من غير تحريف ولا تعطيل.
أهل السنة والجماعة يؤمنون بما وصف الله به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله، ويؤمنون بصفات الله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد ذكرنا في الدرس الماضي الركن الخامس، الإيمان بالقدر، وبعض مراتبه: مرتبة العلم والكتابة، وذكرنا من مراتب القدر المشيئة أو الخلق والمشيئة. مرتبة المشيئة معناها أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون إلا ما شاء الله جل وعلا. فما هو كائن في ملكوت الله جل وعلا فهو بمشيئته سبحانه وتعالى، لا يخرج شيء عن إرادته جل وعلا وعن مشيئته. وأدلة هذه المرتبة كثيرة في كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. منها قوله جل وعلا: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، وقال جل وعلا: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وقال جل وعلا: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾، وقال جل وعلا: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾. والآيات كثيرة في كتاب الله في ذكر المشيئة والإرادة الكونية. وفي السنة كذلك أحاديث كثيرة، منها قوله عليه الصلاة والسلام، كما في صحيح البخاري عن ابن عمر، قال عليه الصلاة والسلام: «إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء». وفي الحديث الذي رواه علي في الصحيحين، لما جاء يسلم على النبي عليه الصلاة والسلام وأيقظ عليا بالصلاة، قال علي: يا رسول الله، أنفسنا بيد الله، إن شاء أن يبعثنا بعثنا، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «فقم على ذلك»، فمضى عليه الصلاة والسلام فضرب فخذه وقال: «وكان الإنسان أكثر شيء جدلا». وفي الصحيح كذلك، حين نام النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة في الوادي، قال عليه الصلاة والسلام لما شاء الله أن يبعثكم بعثكم، يعني بعد النوم. وإلى أحاديث كثيرة في إثبات مرتبة المشيئة. المشيئة ترادف الإرادة الكونية في القرآن، ترادف الإرادة الكونية في النصوص، لأنه في نصوص الشرع ذكرت إرادتان: إرادة شرعية وإرادة كونية. الإرادة الكونية هي بمعنى المشيئة، وهو ما شاء الله جل وعلا، وهو الذي لا بد أن يكون، هو ما أراده كونا وقدرا، ولابد أن يكون. الإرادة الكونية شاملة لما يحبه الله وما لا يحبه، شاملة لكل شيء. هذا مثل قول جل وعلا: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾، هذه إرادة كونية بمعنى المشيئة، لا تتخلف، لا بد أن تقع، شاملة فيما يحب الرب جل وعلا وما لا يحب. النوع الثاني من الإرادة المذكورة في النصوص الإرادة الشرعية، الإرادة الشرعية: وهو ما أراده جل وعلا شرعا من عباده، هذا إنما هو فيما يحبه الله جل وعلا ويرضاه. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، هذا كله من المحبوبات. فما أراده الله جل وعلا من العباد وطلبه من العباد فهو من الإرادة الشرعية. لأن الله جل وعلا لا يأمر بالفحشاء شرعا، ولا يريد الفحشاء شرعا، وإن كان قدر ذلك وأراد ذلك كونا وقدرا لحكم بالغة. المرتبة الرابعة مرتبة الخلق، ومعنى مرتبة الخلق: الإيمان بأن الله جل وعلا خالق كل شيء، خلق العباد وخلق أفعال العباد، فالعباد وأفعالهم مخلوقون لله جل وعلا. ودلت هذه المرتبة على كثيرة في كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. قال جل وعلا: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، وقال جل وعلا: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، وقال جل وعلا: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾. وفي السنة كذلك، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله يصنع كل صانع وصنعته»، كما عند الحاكم عن حذيفة. وهكذا في الصحيحين عن عائشة، قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي: «إن الله جل وعلا يقول: ومن أظلم ممن يذهب يخلق خلقي؟ فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا شعيرة، أو ليخلقوا حبة». فكل حديث ذكر فيه الخلق فهو دليل على مرتبة الخلق. وهذه المرتبة كذلك ضل فيها المعتزلة، المعتزلة كما قالوا: العبد مشيئته مستقلة عن مشيئة الله، غير تابعة لمشيئة الله، قالوا كذلك: العبد هو الذي يخلق فعل نفسه. قالوا: العبد مخلوق لله، لكن أفعاله من خلق العبد، العبد الذي خلقه. كل هذا فرارا من القول بالجبر، وهكذا فرارا من الوقوع في عدم تنزيه الله بزعمهم. وأهل السنة جمعوا بين القولين: العبد وأفعاله مخلوق لله عز وجل، ولا يمنع هذا أن يكون مختارا ويفعل بمشيئته. وقوله: «من الإيمان بالله» هذا شروع في التفصيل، يعني الشيخ الإسلام تيميا ذكر أركان الإيمان إجمالا، ثم شرع الشيخ الإسلام في التفصيل، فذكر أولا الركن الأول: الإيمان بالله، وما يتعلق به من تفصيل. فقال: «ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، أو وصف به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل». ذكر الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن أهل السنة والجماعة يؤمنون بما وصف الله به نفسه في كتابه، أو وصف به رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.