الدرس في كتاب الحج 1، ألقاها
الحج هو قصد البيت الحرام بأعمال مخصوصة في زمن مخصوص، وهو واجب بالكتاب والسنة والإجماع. من أنكر وجوبه يكفر، بينما من تركه تهاونًا مع إقراره بوجوبه فالجمهور على أنه لا يكفر.
تناولت الآراء الفقهية حول وجوب الحج فورًا أو جواز التراخي، واستعرضت أدلة الفريقين. بعض الفقهاء رأى وجوبه على الفور، بينما رأى آخرون جواز التراخي مع التأكيد على إثم التأخير حتى الموت.
استعرضت أدلة القائلين بالتراخي وردود الشافعية عليها، حيث استدل الأولون بتأخر فرضية الحج ونزولها بعد الهجرة. رد الشافعية مؤكدين أن الحج فرض في العام العاشر لأسباب تتعلق بإصلاح نظام الأشهر الحرم.
أنهى المتحدث كلامه بإظهار الأدب مع الله تعالى والإقرار بعلمه الأتم، واختتم بالتسبيح والاستغفار والتوجه بالتوبة إلى الله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فنبتدئ بإذن الله عز وجل في هذا اليوم في كتاب الحج من كتاب "عمدة الأحكام"، والإمام عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى. في كتاب "عمدة الأحكام" لم يذكر الأدلة في أول الباب على فرضية الحج، ولم يشر كذلك في الأبواب ولا في الأحاديث على المسائل المتعلقة بذلك، أي المتعلقة بالحج وبوجوب الحج وبأركان الحج وشروط الحج، وعلى من تجب أو على من يجب الحج. فلأجل هذا رأينا من باب التغتيب أن نبدأ بالكلام على هذه المسائل قبل الدخول في باب المواقيت. قوله رحمه الله تعالى: "كتاب الحج". الحج لغة: القصد. وقال الخليل - أي ابن أحمد الفراهيدي رحمه الله تعالى، وهو من أئمة اللغة -: "الحج كثرة القصد إلى معظم". فإذن الحج معناه أخص من القصد، إذ أنه قصد إلى معظم. والحج كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى يقال بفتح المهملة: "الحَج"، ويقال بكسرها: "الحِج". يقال: "حَج" و"حِج" لغتان. ونقل الإمام الطبري رحمه الله تعالى أن الكسر لغة أهل نجد، والفتح لغيرهم. ونقل عن حسين الجعفي أنه قال: "إن الفتح الإسم، والكسر المصدر". "الحَج" الإسم، و"حَج" يحج "حَجًّا" ف"حَجًّا" يكون المصدر. والحج نعم، الحج يقال: المصدر، والحج يقال: الإسم. وقيل العكس. وقال النووي رحمه الله تعالى: "الحج بفتح الحاء وكسرها لغتان قرأ بهما في سبع". أي جاءت القراءة في السبع بالفتح والكسر. "ولله على الناس حج البيت". جاءت "حج البيت". قال النووي رحمه الله تعالى: "وأكثر السبع بالفتح". فالحاصل أن هذا سائغ، وهذا سائغ. يجوز أن يقال: "حَج"، ويجوز أن يقال: "حِج" لغة. وكذلك قرأ بها السبعة، قرأ بهذا بعضهم، وقرأ بالآخر بعضهم. والحج شرعًا: قالوا: "هو القصد إلى البيت الحرام بأعمال مخصوصة في زمن مخصوص". وقيل: "التعبد لله عز وجل بأداء المناسك على ما جاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم". والحج واجب بالكتاب والسنة والإجماع، بل وجوبه معلوم بالدين بالضرورة. بل وجوبه معلوم في الدين بالضرورة، فإنه أحد مباني الإسلام العظام. قال الله جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. وقال الله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. فهذه أدلة تدل على وجوب الحج من كتاب الله. وأما السنة: فلحديث عبد الله بن عمر في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله لمن استطاع إليه سبيلًا". وفي مسلم من حديث أبي هريرة قال: "خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحج فحجوا". فقال رجل: "أكل عام يا رسول الله؟" فسكت حتى قالها ثلاثًا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم". ثم قال: "ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم. فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عن شيء فدعوه". والشاهد من هذا أنه قال: "يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا". وأما الإجماع: فقد نقله غير واحد. قال الإمام ابن المنذر رحمه الله: "وأجمعوا أن على المرء في عمره حجة واحدة - حجة الإسلام - إلا أن ينذر نذرًا فيجب عليه الوفاء به". فالأصل أنها واجبة في العمر مرة واحدة بأصل الشرع، ولكن من نذر أن يحج لله جل وعلا فتجب عليه الحج أو الحج مرة أخرى بسبب النذر لا بأصل الشرع. وقال أبو محمد بن حزم الظاهري رحمه الله في كتاب "الإجماع": "اتفقوا أن الحر المسلم العاقل البالغ الصحيح الجسم واليدين والبصر والرجلين، الذي يجد زادًا وراحلة، وشيئًا يتخلف لأهله مدة ماضية، وليس في طريقه بحر ولا خوف، ولا منعه أبواه أو أحدهما، فإن الحج عليه فرض". قال: "واتفقوا أن المرأة إذا كانت كذلك وحج معها ذو محرم أو زوج، فإن الحج عليها فرض". ولا سبيل إلى إجماع جاز في كيفية الحج. وقال ابن قدامة رحمه الله: "وأجمعت الأمة على وجوب الحج على المستطيع في العمر مرة واحدة". وقال الحافظ ابن حجر: "وأجمع على أنه لا يتكرر إلا لعارض كالنذر". فهذه كما ترون مجموعة إجماعات على هذه الفريضة، وهي أدلة من أن يستدل لها لأنها كما سمعتم من الأمور المعلومة بالدين ضرورة. فالحج واجب بإجماع الأمة، وهو من الأمور المعلومة بالدين ضرورة. ولأنه كذلك كما سمعتم من أركان الإسلام الخمسة. ومن أنكر وجوب الحج فما حك، الجواب: أن من أنكر وجوب الحج فإنه يكفر إجماعًا. ويدل عليه كذلك قول الله جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. وهو كما سمعتم من الأمور المعلومة في الدين ضرورة. بقي من تركه تهاونًا وتكاسلًا مع إقراره بوجوبه. فالجمهور على أنه لا يكفر. وعن أحمد رواية بكفره. والصحيح قول الجمهور لعدم الدليل الصحيح الصريح على كفره. وأما قول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾، أي ومن كفر بوجوب الحج، أي جحد وجوب الحج كما قالوا المفسرون لهذه الآية. وللحج فضائل كثيرة إلى جانب أنه أحد أركان الإسلام العظام. فمن هذه الفضائل ما رواه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة". وفي البخاري ومسلم كذلك، وفي صحيح البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أيضًا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه". وفي البخاري أيضًا من حديث أبي هريرة قال: "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله. قيل: ثم ماذا؟ قال: جهاد في سبيل الله. قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور". فهو كما ترون من أعظم الأعمال ومن أفضل الأعمال. وأدلة أو فضائل الحج كثيرة. نكتفي بما ذكر. بقي: هل الحج واجب على المستطيع على الفور أم هو على التراخي؟ بمعنى أن من كانت عنده الاستطاعة والقدرة على الحج، وكان صحيح البدن، وكان عنده من النفقة ما يكفيه ويكفي من يعود، وكذلك عنده المركب - سواء كانت دابة أو ما يقوم مقامها في هذه الأيام - وكان الطريق آمنًا، وتوفرت له شروط الحاج، هل يجب عليه بوجود الاستطاعة وتوفر الاستطاعة أن يحج على الفور أم له أن يتأخر السنة والسنتين والثلاث؟ فذهب الشافعي والأوزاعي والثوري ومحمد بن الحسن إلى أنه على التراخي. ونقل هذا القول الماوردي عن ابن عباس وأنس وجابر وعطاء وطاوس رضي الله عنهم. لكن الشافعي رحمه الله تعالى قيد هذا التراخي فقال: "لكن من أخره إلى الموت فهو آثم". إن أخره إلى أن يموت فهو ماذا؟ فهو آثم. وذهب الإمام مالك وأحمد وأبو حنيفة وغيرهم إلى أنه واجب على الفور. استدل هؤلاء بظواهر الأوامر، كقول الله جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. قالوا: "فمن استطاع إليه سبيلًا فالله جل وعلا يقول عليه ماذا؟ عليه الحج". قالوا: "والأصل في الأمر أنه على الفور". وهذه قاعدة أصولية، وهي قاعدة من قواعد الأصوليين: هل الأصل في الأمر أنه على الفور أم أن الأصل في الأمر أنه على التراخي؟ والصحيح ويحكيه بعضهم قولًا للجمهور: "أنه على الفور إلا أن يتعلق الأمر بسبب أو بزمن. إذا تعلق الأمر بسبب أو بزمن فحينها يكون بحسب ما تعلق به". قالوا: "ها هنا أوامر، منها هذه الآية: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. فمن كان مستطيعًا فالله جل وعلا يقول عليه ماذا؟ فعليه الحج". وكذلك بما جاء في الأحاديث، قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا". وهذا كذلك أمر يقتضي الفورية؛ لأنه الأصل. واستدلوا كذلك بما رواه أحمد وغيره عن ابن عباس عن الفضل أحدهما عن الآخر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أراد الحج فليتعجل، فإنه قد يمرض المريض وتضل الضالة وتعرض الحاجة". وهذا الحديث رواه الإمام أحمد بإسناد فيه أبو إسرائيل - إسماعيل بن خليفة العبسي الملائي الكوفي - وهو سيء الحفظ، لكنه متابع عند الطبراني بإسناد صحيح. فالحديث صحيح بحمد الله. وظاهره أو قالوا: "وهو ظاهر في الوجوب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أراد الحج فليتعجل". لماذا يتعجل؟ قال: "فإنه قد يمرض المريض" - يعني النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "أنت اليوم في صحة، غدًا قد يعرض لك ماذا؟ المرض". قال: "وتضل الضالة" - اليوم عندك ماذا؟ عندك البعير، عندك ما يذهب بك إلى الحج، غدًا قد تضل هذه، قد يضل هذا البعير. ويقول كذلك: "وتعرض الحاجة" - اليوم أنت غني، عندك الاستطاعة والمال، غدًا قد تعرض عليك الحاجة فلا تستطيع الحج. فالنبي صلى الله عليه وسلم يحرض في هذا الحديث بل ويأمر في هذا الحديث على ماذا؟ على المسارعة في الحج لمن كان مستطيعًا قادرًا. وقالوا: "هذا دليل على الوجوب، وهو دليل خاص في المسألة". وأيضًا استدلوا بما رواه الإمام الترمذي وغيره من حديث علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ملك زادًا وراحلة تبلغه إلى البيت ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديًا أو نصرانيًا. وذلك أن الله يقول في كتابه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾". قال الترمذي رحمه الله: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وفي إسناده هلال بن عبد الله مجهول، والحارث الأعور يضعف في الحديث". فالحديث كما ترون ضعيف لا يصح. وهلال بن عبد الله وهو الباهلي متروك الحديث. فالحديث ضعيف جدًا. وجاء في معنى أحاديث وآثار، جاءت آثار عن عمر بهذا المعنى كذلك. قال العلماء رحمهم الله تعالى: "وعلى فرض ثبوتها - أي على فرض ثبوت هذه الأحاديث التي فيها أنه فليمُت يهوديًا أو نصرانيًا - فيحمل على من استحل الترك". وذلك لأنه قوله: "فليمت يهوديًا أو نصرانيًا" يدل على ماذا؟ يدل على أن من تركه مستحلًا لتركه أو جاحدًا لفرضيته يكون يموت على هذه الحال - إما يهوديًا أو نصرانيًا - يموت على غير الملة. وإلا كما سمعتم الصحيح من أقوال أهل العلم - الذي عليه جمهور أهل العلم -: "أن من ترك الحج تكاسلًا وتهاونًا فإنه لا يكون كافرًا، وإنما يكون ما لا يكون فاسقًا بتركه - بتركه إن كان عن إهمال وتخاذل، عن إهمال وتكاسل". وهذا حال جماعة. فهذه جملة كما ترون من أدلة التي استدل بها القائلون بفورية الحج على المستطيع. واستدلوا من حيث النظر: "بأن الحج لو كان على سبيل التوسعة - لو كان الحج على سبيل التراخي لا على سبيل الفور - قالوا: "لأخرجه عن كونه واجبًا". لماذا؟ قالوا: "إذ لو مات قبل أن يحج مع قدرته على الحج لم يكن آثمًا". قالوا: "وهذا حال المباحات لا الواجبات". واضح هذا. يقولون: "لو قلنا بأنه على التراخي ولا ألزم على الفور، الرجل يقول: ما سأحج السنة هذه، سأحج السنة الثانية، الثالثة، الرابعة. مات في السنة الثانية. هل يأثم على ذلك القول بالتراخي؟ يلزم بأن يقول: لا يأثم". فإذا كان لا يأثم على تركه مع الاستطاعة، قالوا: "أشبه ما يكون بماذا؟ بالمباحات لا بالواجبات؛ لأن الواجب من ترك الواجب مع قدرته عليه يكون ماذا؟ يكون آثمًا. ومن ترك غير الواجب مع قدرته عليه لا يكون ماذا؟ لا يكون آثمًا". قال: "فمن ترك الحج مع قدرته عليه إذا قلنا بأنه لا يكون آثمًا حتى يموت، إذا أشبهنا الحج الذي هو واجب بماذا؟ بالمباحات". واضح هذا. وهذا الأمر الذي جعل الإمام الشافعي رحمه الله تعالى تحرز فيقول: "لكن إذا مات قبل أن يحج فهو ماذا؟ فهو آثم". واضح. فالحاصل: هذا ما استدل به القائلون بالوجوب. وأما القائلون بعدم وجوبه على الفور، وإنما هو على التراخي، فاستدلوا كذلك بأدلة. وأدلتهم تصدى لها الإمام الشافعي رحمه الله تعالى. فقال رحمه الله تعالى: "ذكروا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه استدل بأن الحج على التراخي بقوله: بأن فريضة الحج نزلت بعد الهجرة". وأن فريضة الحج نزلت بعد الهجرة، وفتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في رمضان. واضح. الحجة الأولى: بأن فرضية الحج نزلت متى؟ بعد الهجرة. قيل أنها سنة ثلاث، ومنهم من قال: سنة خمس، ومنهم من قال: سنة ست، ومنهم من قال: سنة ثمان، ومنهم من قال: سنة عشر. ومنهم من قال: "أنه قبل الهجرة"، ولكن هذا القول ضعيف. فالحاصل أن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقول: "أن فرضية الحج نزلت متى؟ بعد الهجرة". سيأتي في كلام أصحابه أنهم حددوه بأن فرضية الحج نزلت ماذا؟ في عام الحديبية، في عام الحديبية في السنة السادسة. وسيأتي الكلام على هذا. فقال: "هذا دليل على أنه ليس على الفور؛ إذ لو كان على الفور لسعى إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولبادر إليه". قال: "ثم غزوة تبوك في سنة تسع، وانصرف عنها قبل الحج، فبعث أبا بكر رضي الله عنه فأقام الناس الحج سنة تسع". ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو وأزواجه وعامة أصحابه قادرين على الحج غير مشتغلين بقتال ولا غيره. واضح هذا. يقول: "هذا أيضًا إرساله لأبي بكر، وبقاؤه هو في المدينة مع كونه ليس منشغلًا بحرب ولا بغيره، وبقاء أزواجه ومن معه من الصحابة يدل على ماذا؟ يدل على أنه ليس على الفور". قال: "ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم بأزواجه وأصحابه كلهم سنة عشر. فدل على جواز تأخيره". واستدلوا بأن الحج قد فرض بعد الهجرة. أي سلك بعض الشافعية بحديث كعب بن عجرة قال: "وقفت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية ورأسي تهافت قملًا. فقال: يؤذيك هوامك؟ قلت: نعم يا رسول الله. قال: فاحلق رأسك". قال: "ففي هذا نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ إلى آخر الآيات التي فيها: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾". قالوا: "رواه البخاري ومسلم". قالوا: "فثبت أن هذه الآية نزلت سنة ست من الهجرة. وهذه الآية دالة على وجوب الحج". واضح هذا. وسلك هؤلاء أيضًا: "بأن النبي صلى الله عليه وسلم غزى حنينًا بعد فتح مكة، وقسم غنائمها، واعتمر من سنته في ذي القعدة". فتح مكة في رمضان، بقي في مكة إلى شوال، ثم انطلق إلى حنين. بعد غزوة حنين رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة معتمرًا. قالوا: "في ذي القعدة، وكان إحرامه بالعمرة من الجعرانة". ولم يكن بقي بينه وبين الحج إلا أيام يسيرة. إلا أيام يسيرة. فلو كان على الفور لم يرجع من مكة لم يرجع إلى مكة حتى يحج. مع أنه هو وأصحابه كانوا حينئذ موسرين؛ فقد غنموا الغنائم الكثيرة، ولا عذر لهم، ولا قتال، ولا شغل، ولا شغل آخر. وإنما آخره بيان لجواز التأخير؛ ليكمل الإسلام والمسلمون فيحج بهم حجة الوداع. فهؤلاء أجابوا على أدلة المتقدمين. والمتقدمون أجابوا على أدلة هؤلاء. فهؤلاء - أي أصحاب الشافعي - الشافعي وأصحابه ردوا على هذه الأدلة بأن النبي صلى الله عليه وسلم التي أنزلت عليه هذه الآيات ما حج إلا متى؟ ما حج إلا في العام العاشر. ويقال: "إن قول الله جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ في سورة آل عمران نزلت في يوم أحد أو بعد يوم أحد". ويوم أحد كان في السنة الثالثة. فقالوا: "ها يدل على أن فرضية الحج كانت في السنة الثالثة. ومع هذا أخر". وأما الحديث الذي فيه: "من أراد الحج فليتعجل". فأجابوا عنه بقولهم: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أراد. فقوله: من أراد يدل على ماذا؟ على عدم الوجوب؛ إذ أنه أحال أمر إلى إرادة الإنسان، إلى إرادة الإنسان. لم يقل: من كان مستطيعًا فليحج. ما قال: من كان مستطيعًا فليحج. بل قال: من أراد. من أراد الحج فليتعجل". فقالوا: "فيه إشارة إلى أنه مستحب وليس بواجب، مستحب وليس بواجب". والآخرون ردوا على ما ذكره الشافعي رحمه الله تعالى من أن النبي صلى الله عليه وسلم نزلت هذه الآيات في تلك الأزمان وتلك الفترات. أجاب عن هذا كله بأن النبي صلى الله عليه وسلم أولًا نازع في فرضية الحج. وأن الحج ما فرض إلا في العام العاشر. أن الحج ما فرض إلا في العام العاشر. وهذا الذي نصره الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في "زاد المعاد". ابن القيم رحمه الله انتصر للقول بأن الحج الشرعي الذي هو شعيرة الإسلام إنما كان في حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام العاشر. قالوا: "وكانت الحكمة من ذلك أن المشركين غيروا وبدلوا في الأعوام، يقدمون شهرًا ويؤخرون شهرًا". كانوا يقدمون الشهور بالنسيء، يقدمون شهرًا ويؤخرون شهرًا. فشاء الله جل وعلا أن يتأخر نبيه صلى الله عليه وسلم إلى العام العاشر؛ حتى يعود الزمان إلى ما كان عليه يوم خلق الله الأرض. كما جاء في الصحيحين: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الزمان قد استدار كيوم خلق الله الأرض". فذكروا حينما قال لهم: "أي يوم هذا؟" قالوا: "أليس اليوم يوم النحر؟" قال: "نعم". إلى آخر ما جاء فيه. ألا حديث كما في حديث أبي بكرة في الصحيحين وغيره. فقال هؤلاء العلماء: "إنما تأخر النبي صلى الله عليه وسلم لأجل هذه الحكمة؛ أن يستدير الزمان فيكون الحج في يومه الذي فرضه الله جل وعلا". فكانت فريضة الحج حقيقة في العام العاشر. وإنما النبي صلى الله عليه وسلم لم يحج لأجل هذا المعنى ولأجل هذه الحكمة. وإلا فالناس كانوا يحجون في غير زمن الحج. ولم يكن نبينا صلى الله عليه وسلم ليحج في غير زمن الحج. فالحاصل: أن المسألة كما ترون متجاذبة. والأقوال كما ترون متقاربة. والأحوط والأحرى للمرء أن من كان مستطيعًا قادرًا عليه أن يبادر إلى الحج. والله تعالى أعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.