كتاب الحج 11

الدرس في كتاب الحج 11، ألقاها

أحكام طواف الإفاضة والقدوم

ذكر أسماء طواف الإفاضة والقدوم، وبيان حكم طواف القدوم للمفرد والقارن والمتمتع. وأجاز الطواف في أي وقت مع التشديد على أهمية الذكر وقراءة القرآن أثناء الطواف.

أحكام الطواف والسعي للمتمتع والقارن والمفرد

المتمتع عليه طوافين وسعيين، بينما القارن والمفرد عليهما طواف واحد وسعي واحد. وهناك خلاف في حكم القارن ولكن الراجح هو قول الجمهور.

حكم الإحرام للقارن والمتمتع لمن ساق الهدي

اختلف العلماء في حكم الإحرام لمن ساق الهدي بين جواز الإحرام قارنًا أو متمتعًا ووجوب الإحرام قارنًا، واستدلوا بأدلة من الأحاديث النبوية.

أدلة التمتع في الحج وآراء العلماء

استدل الإمام ابن تيمية على جواز التمتع في الحج لغير أصحاب النبي، ويرى الشيخ العثيمين أن من ساق الهدي وجب عليه القران، ومن لم يسق الهدي وجب عليه التمتع.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، كان آخر مسألة أخذنا -يا جماعة- ما هي حكم طواف الوداع؟ طيب، الحمد لله. طيب، ها هنا بعض المسائل والفوائد المتعلقة بما تقدم في مسائل الطواف. من هذه الفوائد أولًا: قال النووي رحمه الله تعالى: واعلم أن طواف الإفاضة له أسماء، طواف الإفاضة له أسماء، قال: فيقال طواف الزيارة، وطواف الفرض والركن، قال: وسماه بعض أصحابنا -أي من الشافعية- طواف الصدر، قال: وأنكره الجمهور، وقال: إنما ذلك طواف الوداع. فالحاصل أننا قد نجد في كتب الفقهاء أن طواف الزيارة قد يقول: ما هو طواف الزيارة؟ هل معنى طواف القدوم؟ الجواب: لا، وإنما المراد به ماذا؟ طواف الإفاضة. ومعنى الزيارة: الزيارة بعد ماذا؟ بعد أن يقف الناس في عرفة، ثم بعد ذلك في اليوم التالي يرمون الجمار، ثم يرجعون إلى ماذا؟ إلى الحرم فيطوفون حوله، فيسمى هذا الطواف طواف الزيارة، ويسمى طواف الإفاضة؛ لأنهم يفيضون من بعد أن يفيضوا من عرفة، ويُفعل ما يفعله الحاج من رمي الجمار، يفيضوا ويرجعوا إلى ماذا؟ إلى زيارة البيت، كما قال الله عز وجل: ﴿ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلِيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. فالحاصل أن هذه التسميات: يسمى طواف الإفاضة، يسمى طواف الزيارة كذلك، وبعضهم يسميه طواف فرادى، وبعضهم يسميه طواف الركن، وما شابه ذلك من هذه الأسماء. هذا ما أعلمه، حتى إذا قرأنا في كتب العلماء علمنا أنهم إذا قالوا: طواف الإفاضة، معناه كذا، طواف الزيارة، معناه كذا، وهكذا. طيب، فائدة أخرى: ولطواف القدوم أسماء أيضًا، فمن أسمائه: طواف القدوم، والقادم، طواف القدوم، وطواف القادم، وكذا يقال له: طواف الورود، والوارد، والتحية، يقال له: طواف التحية. كذلك طواف القدوم، والقادم، والوارد، والورود، والتحية، كل هذه أسماء لطواف ماذا؟ لطواف القدوم. وأما طواف الوداع، فيسمى بطواف الوداع، وكذلك بعضهم يسميه طواف الصدر؛ أي إذا صدر الإنسان من مكة وخرج من مكة. طيب، ها هنا تنبيهات كذلك، وهي تتمة لمسائل الطواف قبل أن ندخل في مسائل السعي بإذن الله جل وعلا. من هذه المسائل قال الإمام النووي رحمه الله: اعلم أن طواف القدوم إنما يتصور في حق مفرد الحج، وفي حق القارن إذا كان قد أحرم من غير مكة ودخلها قبل الوقوف بعرفات. قال: فأما المكي، فلا يتصور في حقه طواف القدوم؛ إذ لا قدوم له؛ لأنه من داخل ماذا؟ من داخل مكة. قال: وأما المحرم بالعمرة -وأما المحرم بالعمرة- أي المتمتع، أو المحرم بالعمرة، سواء كان بعمرة مفردة -أي في غير أشهر الحج- أو كان متمتعًا بالعمرة -أي الحج- قال: فلا يتصور في حقه طواف قدوم؛ بل إذا طاف العمرة أجزأه عنهما، ويتضمن القدوم. كما تجزئ الصلاة المفروضة عن الفرض وتحية المسجد. فمعنى هذا أن طواف القدوم أو ما يسميه بعضهم بطواف القادم يتصور في ماذا؟ فيمن كان مفردًا، أو كان قارنًا؛ أنه إذا دخل مكة يطوف لماذا؟ للقدوم. بخلاف المكي؛ المكي لا يطوف للقدوم لماذا؟ لأنه من أهل مكة. وبخلاف المعتمر، أو المتمتع بالعمرة -أي الحج- سواء كان معتمرًا بعمرة منفردة -كما سمعتم- في غير أشهر الحيد، أو كان متمتعًا بتلك العمرة -أي الحج- فإن دخوله إلى مكة وطوافه أول قدومه يكون لماذا؟ للعمرة. ويتضمن أيضًا طواف القدوم. واضح -يا جماعة- عملًا فيجزئ هذا عن هذا، كما يقال. تتصور المسألة وتبين المسألة: أنه قد يقول: طواف القدوم لمن المتمتع؟ يأتي بعمرته، فمتى يطوف؟ واضح -يا جماعة- فالجواب: أنه يطوف، يدخل طواف القدوم في طواف ماذا؟ في طواف العمرة. على أن بعض أهل العلم حكى في هذا خلافًا، حكى في هذا خلافًا، وقال أيضًا: المتمتع -وللمتمتع كذلك- له أن يأتي بطواف القدوم بعد طواف العمرة. وهذا ليس بصحيح. إلا أن الدليل الكثير الدال على أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما أحرم أصحابه واعتمروا قال: «مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَمَاذَا وَلْيَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ لِيحْلِقْ» قال: «ثُمَّ لِيحْلِقْ وَلْيُحِلَّ» «ثُمَّ لْيُحِلَّ بَعْدَ ذَلِكَ» فدل على أنه بعد هذا الفعل له أن يحل، وليس له أن يأتي بعمرة، وليس له أن يأتي بطواف آخر. فالخلاصة من هذا أن طواف القدوم يتصور في حق من؟ في حق المفرد والقارن؛ لأن المفرد والقارن أفعالهما سواء؛ لأن المفرد والقارن أفعالهما ماذا؟ سواء. وأما المتمتع فإنه إذا دخل مكة يدخل بنية ماذا؟ العمرة. يطوف بنية ماذا؟ العمرة. وهي تغني عن الطواف، يدخل فيها الطواف للقدوم. وكذلك المعتمر. طيب، تنبيه آخر: ذكر العبدري من الشافعية، أو قال: أجمعوا على أن الطواف في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها جائز. معنى هذا أن للإنسان أن يطوف بالبيت في أي وقت شاء. وهذا يدل عليه ما جاء في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ فِي أَيِّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ» وهذا إسناده ثابت. ويدل على هذا المعنى: أن الطواف يكون في أي ساعة شاء، ليس هو كالصلوات في أوقات منهي عنها، وفي أوقات غير منهي عنها. واضح هذا -يا جماعة-. طيب، تنبيه ثالث: أنه ينبغي للإنسان أن يكثر من التكبير والتهليل والذكر والخشوع والتعظيم لله تعالى عند طوافه بالبيت. عند الطواف بالبيت ينبغي له أن يكثر من الذكر، من التكبير، من التسبيح، من الاستغفار، من الدعاء، وما شابه ذلك؛ مع ما يصحب ذلك من الخشوع والسكينة والتعظيم لله رب العالمين؛ لأنه في أشرف بقعة في الأرض؛ لأنه في أشرف بقعة في الأرض، فيه، أو بجانب البيت الحرام. طيب، الأمر الرابع كذلك: يستحب قراءة القرآن في الطواف. بعض أهل العلم قال: يستحب، وبعضهم قال: يشرع ذلك، وبعضهم ذهب إلى الكراهة. فعلى الاستحباب ذهب الجمهور؛ الجمهور قالوا: يستحب أن يقرأ القرآن؛ هو داخل في ماذا؟ في الذكر. بل هو من أعظم الذكر. وذكروا عن عروة بن الزبير، والحسن البصري، ومالك: أن القراءة في الطواف تكره. ولأحمد روايتان: كالمذهبين. والصواب ما ذهب إليه الجمهور؛ لأنه من جملة الذكر. فلو أن يقرأ القرآن، ولو أن يسبح، ولو أن يستغفر، ولو أن يفعل ما يفعل ماذا؟ من الأذكار المشروعة. بل يستحبوا ذلك لهم في ذلك المقام؛ كما ذكرنا مع استحضار تعظيم الرب جل وعلا في ذلك المكان. طيب، مسألة أخرى، وهي كذلك متعلقة بمسائل الطواف: أجمع العلماء على أن من تمتع بالعمرة إلى الحج -أو هكذا الأولى أن يقال- حكي الإجماع على أن من تمتع بالعمرة إلى الحج: أن عليه طوافين وسعيين؛ طواف للعمرة؛ لحله منها، وطواف للحج يوم النحر. قالوا: على ما في حديث عائشة رضي الله عنها المشهور، ولفظه في البخاري: قالت: «فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ -أي تمتعوا بالعمرة إلى الحج- قالت: فَطَافُوا ثُمَّ حَلُّوا» قالت: «ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى». وأما الذين جمعوا الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافًا واحدًا. والصحيح أن هذا القول قول جمهور، وخالف في ذلك أحمد في رواية عنه: أنه قال: إنما على المتمتع كذلك ماذا؟ طواف واحد وسعي واحد؛ المتمتع عليه طواف واحد وسعي واحد كالقارن. وكذلك ذهب إلى هذا بعض السلف رضي الله عنهم ورحمهم الله. والصحيح قول الجمهور؛ لحديث عائشة هذا. وكذلك جاء بنحوه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وأرضاه. وفيه أنه ذكر أن المعتمر قال: إذا جاء ودخل قال: «فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ ثُمَّ لَيْسْعَ ثُمَّ يُحَلِّ بَعْدَ ذَلِكَ» «ثُمَّ يُحَلِّ بَعْدَ ذَلِكَ» فإذا كان يوم الحج قال: «أَحْرَمَ مَعَ النَّاسِ» وذكر الحديث، ثم قال: «ثُمَّ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَسْعَى ثُمَّ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَسْعَى» ذكر نحوًا من هذا الكلام. فالحاصل أن المتمتع عليه ماذا؟ طوافين وسعيين؛ الطواف الأول والسعي الأول للعمرة. واضح -يا جماعة- أول قدومه، أول ما يقدم يطوف بالبيت للعمرة، ثم يسعى بين الصفا والمروة للعمرة، ثم يحلق أو يقصر، ثم بعد ذلك يحل، يكون قد أدى العمرة. ثم بعد ذلك يحل، ويحل له كل شيء. فإذا كان يوم التروية وحج مع الناس، ثم رجع أيضًا طاف مع الناس، ثم سعى سعيًا آخر؛ هو السعي للحج، هو السعي للحج. طيب، هذا كما سمعنا، أو كما سمعتم بالنسبة للمتمتع. وأما المفرد، فقال العلماء: فعليه طواف واحد وسعي واحد يوم النحر؛ طواف واحد وسعي واحد يوم النحر. وهذا لا خلاف فيه؛ فيمن كان مفردًا، أو في المفرد بماذا؟ بالحج. واختلف العلماء في القارن أيضًا: فذهب أكثر أهل العلم إلى أن عليه طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا كالمفرد؛ قالوا: القارن والمفرد سواء في جميع المناسك؛ إلا في ماذا؟ إلا أن ذاك أحرم بحج مفرد، والآخر أحرم بحج وعمره، والآخر -أي القارن- عليه دم، وأما المفرد فليس عليه ماذا؟ فليس عليه ذلك. فالحاصل أنهم ذهبوا إلى أن القارن عليه طواف واحد، عليه طواف واحد وسعي واحد. ممن قال بهذا القول: ابن عمر رضي الله عنهما، وجابر بن عبد الله رضي الله عنهما. وبه قال: عطاء، وطاوس، ومجاهد، ومالك، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر. وهو اختيار شيخ الإسلام، والمتأخرين، وطائفة من أهل العلم. وهو كما سمعتم: هذا القول أنه قول أكثر أهل العلم. وذهب آخرون إلى أن عليه طوافين وسعيين؛ أي كالمتمتع. ممن قال بهذا: الشعبي، وجابر بن زيد، وعبد الرحمن بن الأسود. وبه قال: الثوري، وأصحاب الرأي. وبه قال: الثوري، وأصحاب الرأي. وهو رواية عن أحمد، وهو رواية عن أحمد. والصحيح الأول؛ لحديث عائشة السابق الذي ذكرناه قبل قليل؛ وفيها أنها قالت: «وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ» قالت: «فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا» «فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا». وأيضًا جاء في حديث جابر الذي في صحيح مسلم: قال جابر بن عبد الله: «لَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَصْحَابُهُ لَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا». وهذه كما ترون: نصوص صريحة في هذا الأمر؛ في أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يطف هو وأصحابه إلا طوافًا واحدًا. فهذا الطواف يجزئ عن ماذا؟ الطواف والسعي واحد؛ لحج القارن. واستدل الآخرون الذين قالوا: بأنهما سعيان وطوافان؛ بأدلة لا تصح؛ بأدلة لا تصح. منها حديث علي بن أبي طالب. وفيه أن رجلًا سأله، فقال له علي بن أبي طالب: «تُهِلُّ بِهِمَا جَمِيعًا -أي العمرة والحج-» قال: «ثُمَّ تَطُوفُ لَهُمَا طَوَافَيْنِ وَتَسْعَى لَهُمَا سَعْيَيْنِ وَتَسْعَى لَهُمَا سَعْيَيْنِ». قال البيهقي: قال أبو نصر: هذا حديث رواه الدارقطني وغيره. قال البيهقي: أبو نصر مجهول. بل حكى الإمام النووي اتفاق الحفاظ على ضعفه؛ أي على ضعف هذا الحديث. فالحاصل أن القارن إنما عليه طواف واحد وسعي واحد؛ إنما عليه طواف واحد وسعي واحد فقط. طيب، ها هنا كذلك تنبيهات تتم لهذه المسألة، وهي: الأول: ظن بعضهم أن طواف القدوم هو من الواجبات على القارن؛ من الواجبات على القارن إذا قالوا: عليه ماذا؟ قالوا: عليه طوافان وسعيان؛ لماذا؟ لأنهم ظنوا أن طواف القدوم واجب. والصحيح أنه ليس بواجب؛ كما تقدم؛ لأنه ليس من مناسكه؛ لأنه ليس من مناسكه. فلو تركه فلا شيء عليه؛ لو ترك طواف القدوم القارن أو المفرد فلا شيء عليه؛ لأنه من السنن المستحبة. بعض أهل العلم كذلك ذكر أنه قال: من طاف القدوم، من طاف القدوم وسعى بنية سعي الحج، من طاف القدوم وسعى بعد ذلك للحج، وسعى بعد ذلك للحج. قالوا: سقط عنه سعي الحج. سقط عنه سعي الحج. واستدلوا في ذلك بما جاء في بعض الأحاديث: أن رجلًا قال: يا رسول الله -جاء في حديث أسامة بن الشريك، أو غيره- أنه قال: «يَا رَسُولَ اللَّهِ سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ» فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ». قال علماء -رحمهم الله تعالى-: هذا يحمل على أنه طاف، على أنه سعى للحج بعد طواف القدوم؛ سعى للحج بعد طواف القدوم. فمن فعل ذلك قالوا: أجزأه عن طواف القدوم. فمن لم يفعل ذلك فإنه يسعى بعد ماذا؟ بعد طواف الإفاضة؛ بمعنى أنه يطوف للقدوم، ثم يسعى بعد ذلك للحج. هذا في حق من؟ في حق القارن؛ لأنه كما سمعتم: القارن والمفرد عملهما سواء. فإذا قدما وحجا، أو طافا للقدوم، وسعيا للقدوم؛ هذا طواف القدوم وسعي القدوم. يجب عليهما ماذا؟ يجب عليهما طواف وسعي الذي هو طواف وسعي الزيارة، أو طواف وسعي ماذا؟ الإفاضة. وهو الركن. واضح -يا جماعة- عملًا. فإذا رميا الجمار، ثم طافا بالبيت، وجب عليهما بعد ذلك أن يسعيا. ويكون هذا طواف هو طواف الواجب، ويكون ذلك السعي هو السعي ماذا؟ الواجب. في حق القارن. طيب، مسألة أخرى، وهي كذلك المسألة المتعلقة بهذا الباب أيضًا: من ساق الهدي؟ من ساق الهدي؟ وجب عليه الإحرام بنية، أو كان إهلاله قارنًا. ومن لم يسق الهدي -يعني كان إحرامه الأول قارنًا، والثاني يكون إحرامه متمتعًا- يعني: مسألة: هل يجب -هل على من ساق الهدي- هل يجب على من ساق الهدي أن يكون قارنًا أم لا يجب عليه؟ واضح -يا جماعة- من ساق الهدي؟ هل يجب أن يكون قارنًا أم لا يجب عليه؟ ذهب الجمهور، بل ذهب أكثر أهل العلم إلى أن من ساق الهدي لا يجب عليه أن يكون ماذا؟ أن يكون قارنًا. لا يجب عليه أن يكون قارنًا؛ بمعنى أنه لو أحرم بماذا؟ بالقران -أي بإدخال العمرة في الحج- صح ذلك منه. ولو أحرم بالعمرة إلى الحج كذلك صح ذلك منه. والكل جائز. وهذا كما سمعتم ذهب إليه أكثر أهل العلم. وذهب ابن عباس رضي الله عنهما، واختاره كذلك طائفة من الظاهرية. وهو الذي رجحه العلامة ابن القيم رحمه الله: أن من ساق الهدي وجب عليه أن يكون إحرامه قرانًا؛ أن يكون قارنًا. ولا يجزئه التمتع، ولا يجزئ التمتع؛ بل يجب عليه أن يكون قارنًا إذا ساق الهدي. استدل الأولون -استدل القائلون بالوجوب- بالأدلة الكثيرة الدالة على أن من ساق الهدي وجب عليه أن يكون قارنًا. من هذه الأدلة: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يُقْضِيَ حَجَّهُ حَتَّى يُقْضِيَ حَجَّهُ». وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلْيُقَصِّرْ وَلْيُحِلَّ ثُمَّ لْيُهِلَّ بِالْحَجِ» إلى آخر الحديث. ومتفق عليه من حديث ابن عمر. وهو كما ترون: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ» واضح -يا جماعة- «حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يُقْضِيَ حَجَّهُ» «حَتَّى يُقْضِيَ حَجَّهُ» أي: يبقى على ماذا؟ على إحرامه. يبقى على إحرامه حتى يقضي حجه. وهذا حال من؟ وهذا حال القارن. قال: «وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلْيُقَصِّرْ وَلْيُحِلَّ ثُمَّ لْيُهِلَّ بِالْحَجِ» واضح -يا جماعة- الشاهد من هذا ما هو؟ أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب على من ساق الهدي أن يبقى على ماذا؟ على إحرامه. أن يبقى على إحرامه، ولا يحل له أن يتحلل لعمرته. واضح هذا -يا جماعة-. ثانيًا كذلك: وهذا حديث كما سمعته في الصحيح من حديث ابن عمر. وسأتي معنا بإذن الله جل وعلا في حديث العمدة. وكذا جاء في الصحيح عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَنِي إِلَى الْيَمَنِ» قال: «فَوَافَقْتُ فِي الْعَامِ الَّذِي حَجَّ فِيهِ» فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَا أَبَا مُوسَى كَيْفَ قُلْتَ حِينَ أَحْرَمْتَ؟ كَيْفَ قُلْتَ حِينَ أَحْرَمْتَ؟» قال: قلت: «لَبَّيْكَ إِهْلَالًا كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» النبي صلى الله عليه وسلم بماذا أهل؟ ها -يا جماعة- بأن يكون ماذا؟ قارنًا. أدخل العمرة في الحج بأن يكون ماذا؟ قارنًا. قال: قال: «فَقَالَ لَهُ فَقَالَ لَهُ -أي النبي صلى الله عليه وسلم- هَلْ سُقْتَ الْهَدْيَ؟» فقال له: «هَلْ سُقْتَ هَدْيًا؟» فقلت: لا. قال: «فَانْطَلِقْ فَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ أَحِلَّ» واضح -يا جماعة- عملًا. قال له: «هَلْ سُقْتَ الْهَدْيَ؟» لا. مع أنه أحرم بماذا؟ أحرم بإحرام رسول الله صلى الله عليه وسلم. أنه أحرم أن يكون قارنًا. ومع هذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «هَلْ سُقْتَ الْهَدْيَ؟» قال: لا. قال: «فَافْعَلْ كَذَا وَكَذَا» إذا فعل عمرة «ثُمَّ مَاذَا؟ ثُمَّ أَحِلَّ». وهذا يدل على ماذا؟ يدل على أن من ساق الهدي وجب عليه أن يبقى على القرن. واضح -يا جماعة- ومن لم يسق الهدي فإنه يجب عليه أن يتحلل من العمرة. واضح هذا -يا جماعة-. وأيضًا جاء في حديث جابر في صحيح مسلم في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه قال: «وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنْ الْيَمَنِ بِبُدْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» «وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنْ الْيَمَنِ بِبُدْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» فَوَجَدَ فَاطِمَةَ مِمَّنْ حَلَّ وَجَدَ فَاطِمَةَ وَهِيَ زَوْجَتُهُ مِمَّنْ حَلَّ وَلَبِسَتْ ثِيَابًا وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا وَاكْتَحَلَتْ» قال: «فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا» أنكر عليها ذلك «فَقَالَتْ إِنَّ أَبِي أَمَرَنِي بِهَذَا» قالت فاطمة -رضي الله عنها وأرضاها- «إِنَّ أَبِي قَدْ أَمَرَنِي بِهَذَا» أن أحل من عمرتي. واضح؛ لأنها لم تسق الهدي. قال: «فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِيهِ» فقال النبي صلى الله عليه وسلم -أي جاء عليه النبي صلى الله عليه وسلم- فَأَخْبَرَتْهُ بِذَلِكَ فَقَالَ لَهَا صَدَقْتِ صَدَقْتِ» واضح -يا جماعة- «ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاذَا قُلْتَ؟» قال علي: «مَاذَا قُلْتَ؟ -أي أنت ماذا قلت؟- قَالَ مَاذَا قُلْتَ حِينَ أَفْرَدْتَ الْحَجَّ؟» قال: قلت: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ» واضح -يا جماعة- كما قال من؟ كما قال أبو موسى. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ» قال: «فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ» قال: «فَلَا تَحِلُّ» واضح -يا جماعة- قالوا: «فَلَا تَحِلُّ». وفيه قال: «فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ» قال جابر: «فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا إِلَّا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ». وهذا يدلنا على ماذا؟ على أن من كان معه الهدي فإنه يبقى على إحرامه، ولا يتحلل. بخلاف من لم يسق الهدي فإنه ماذا؟ يجب عليه أن يتحلل. وهذا هو القول الصحيح في المسألة. وأيضًا جاء في الصحيحين من حديث حفصة -رضي الله عنها وأرضاها- قالت: «مَا شَأْنُ النَّاسِ؟» قالت: «يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا شَأْنُ النَّاسِ؟» «حَلُّوا وَلَمْ تَحِلُّوا؟» «مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا وَلَمْ تَحِلُّوا؟» «أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟» قال: «إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي وَقُلْتُ هَدْيٌ وَقُلْتُ هَدْيٌ فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ». وهذا كما سمعتم: يدل عليه قول الله جل وعلا: «حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ» واضح -يا جماعة- لا. فهذا يدلنا على أن من ساق الهدي فإنه لا يزال على إحرام حتى ينحر هديه، ولا يكون في يوم النحر. واضح هذا -يا جماعة-. فهذا القول هو الأظهر، والله تعالى أعلم. إن كان شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- نصر قول الجمهور. وشيخ الإسلام -تعرفون- إذا دخل في مسألة يجعل الطرف الآخر ما ليرد في الحكم على القول. إذا نظرنا ما ذكرنا من هذه الأدلة -كما يقال- من أجل إظهار القول الراجح في هذه المسألة. وإلا شيخ الإسلام -رحمه الله- قال: هذه الأحاديث التي ذكرت فيها هذه الأوامر وتلك النواهي. قال: «إِنَّمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ بِالتَّمَتُّعِ بِأَنَّ الْوُجُوبَ خَاصٌّ بِالْصَّحَابَةِ بِأَنَّ الْوُجُوبَ خَاصٌّ بِمَنْ؟ بِالصَّحَابَةِ دُونَ غَيْرِهِمْ» واضح -يا جماعة-. قال: «فَمَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ فَمَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مَا وَجَبَ عَلَى الصَّحَابَةِ» لماذا؟ وذكر أشياء وأشياء -رحمه الله تعالى- واستدل على ذلك بماذا؟ استدل على ذلك بما رواه مسلم. استدل الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية على ذلك بما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر -رضي الله عنه- قال: «كَانَتْ الْمُتْعَةُ انْظُرُوا قَوْلَ أَبِي ذَرٍّ كَانَتْ الْمُتْعَةُ فِي الْحَجِّ كَانَتْ الْمُتْعَةُ فِي الْحَجِّ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً» هذا نص أولًا -يا جماعة- هذا نص. أولًا -يا جماعة- يقول أبو ذر -رضي الله عنه وأرضاه- في صحيح مسلم: «كَانَتْ الْمُتْعَةُ فِي الْحَجِّ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاذَا؟ خَاصَّةً» واضح -يا جماعة-. والشيخ العثيمين -رحمه الله تعالى- استحسن هذا القول. الشيخ العثيمين استحسن هذا القول الذي ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية. ولكن الصواب ما سمعتموه. الصواب ما سمعتموه: أن المتعة ليست خاصة بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ بل هي للناس أجمع. وإن قال بها، وإن كان بعض الصحابة -رضي الله عنهم وأرضاهم- ينهون عن المتعة في الحج. ولكن كان لهم في ذلك غرض؛ وهو أن لا يهجر البيت؛ كما سيأتي -بإذن الله- معنا الكلام عند حديث عمران بن حسين -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-. فالحاصل من هذا أن الصواب، أو الأظهر في هذه المسألة: أن من ساق الهدي وجب عليه ماذا؟ وجب عليه أن يكون قارنًا. ومن لم يسق الهدي وجب عليه أن يكون ماذا؟ أن يكون متمتعًا. لذا شيخ الإسلام الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى- بعد أن ذكر هذه المسألة وناقشها. قال في موضع -رحمه الله تعالى- قال: «وَإِنْ كَانَ شَيْخُنَا يَقُولُ بِالْقَوْلِ الْآخَرِ» قال: «فَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ» قال: «فَبِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَقُولُ». وجاء في موضع آخر: ذكر هذه المسألة، ثم قال: «وَإِذَا ظَهَرَ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَاذَا؟ بِأَمْرِ وُجُوبِ الْقِرَانِ لِمَنْ سَاقَ الْهَدْيَ وَعَدَمِ جَوَازِ التَّمَتُّعِ لِمَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ» قال: «فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا تَغْتَرَّ» قال: «فَلَا يَضُرُّكَ بَعْدَ ذَلِكَ قِلَّةُ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ» «فَلَا يَضُرُّكَ قِلَّةُ مَنْ قَالَ بِهِ» قال: «يَكْفِيكَ أَنَّهُ قَدْ قَالَ بِهِ» البحر «ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ- وَطَائِفَةٌ مِنْ الظَّاهِرِيَّةِ وَبِهِ أَقُولُ». فالله تعالى أعلم أن هذا القول هو الأقرب، والله أعلى وأعلم. طيب، مسألة أخرى نذكرها. مسألة أخرى نذكرها، أو نعجل إلى غدًا إن شاء الله. إلى هنا -سبحانك اللهم وبحمدك،

شاركنا على