الدرس في التعليق على منظومة التائية 7، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
استهل المحاضر الدرس بشرح أبيات الإمام الإلبيري التي تكشف زيف الدنيا ووضاعتها عند الله، مستدلاً بالحديث النبوي أنها لا تعدل جناح بعوضة، وبيّن أنها دار ابتلاء يغلب فيها الحزن، وأن النجاة تكمن في الإعراض عنها والانشغال بطاعة الله والاستعداد للآخرة.
فصّل المحاضر في وصف الدنيا بأنها ظل زائل وحلم منقض، موضحاً معنى حديث النبي ﷺ: "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر"، وأن نعيم الآخرة يجعل الدنيا سجناً للمؤمن مكبلاً بقيود التكليف، بينما هي جنة نسبية للكافر لخلوه من عذاب الآخرة، مستشهداً بقصة إسلام يهودي تأثر بهذا الفهم.
عرض المحاضر وصايا الأنبياء -عيسى ومحمد عليهما السلام- بأن الدنيا ممر لا مستقر، محذراً من الاغترار بنعمها دون شكرها، وأكد أن الجنة هي المقر الحقيقي للمؤمن، مختتماً الدرس ببيان أن طلب العلم سبيل يسهل الله به طريق الجنة، والدعاء للنبي صلى الله عليه وسلم.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإلبيري رحمه الله تعالى في منظومته التائية: «فليست هذه الدنيا بشيءٍ تسوء حقبةً وتسر وقتا وغايتها إذا فكرت فيها كفيئك أو كحلمك إذا حلمت سجنت بها وأنت لها محب فكيف تحب ما فيه سجنت وتطعمك الطعام وعن قريب ستطعم منك ما فيها طعنت وتعرى إن لبست بها ثيابا وتكسى إن ملابسها خلعت وتشهد كل يوم دفن خلل كأنك لا تراد لما شهدت ولم تخلق لتعمرها ولكن لتعبرها فجد لما خلقت وإن هدمت فزدها أنت هدما وحصن أمر دينك ما استطعت ولا تحزن على ما فات منها إذا ما أنت في أخراك فزت فليس بنافع ما نلت منها من الفان إذا الباقي حرمت ولا تضحك مع السفهاء يوما فإنك سوف تبكي إن ضحكت ومن لك بالسرور وأنت رهن وما تدري أتفدى أم غللت وسل من ربك التوفيق فيها وأخلص في السؤال إذا سألت». ذكر رحمه الله تعالى هذه الأبيات التي تضمنت نصائح ووصايا عظيمة أوصى بها رحمه الله تعالى، ومن هذه الوصايا التحذير من الدنيا وبيان حقيقتها وأنها ليست بشيء، قال: «فليست هذه الدنيا بشيءٍ بها تساوي شيئا»، وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء». جناح بعوضة هذه الدنيا لا تساوي ولا تزن عند الله جناح بعوضة، لا قيمة له. لو كانت هذه الدنيا لها قيمة لما شرب كافر شربة ماء، ولا ما طعم فيها طعمة. لماذا؟ لأنه إذا كان الشراب له قيمة، وطعام الدنيا له قيمة، لما أعطاه الله جل وعلا الكافر الذي عصاه، والذي تمرد على ربه جل وعلا، والذي حارب ربه سبحانه وتعالى. لكن لأنها لا قيمة لها فأعطاها الكافر كما أعطى المؤمن، وذلك لأنها لا قيمة لها. لو كانت تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء. والمعنى: لأنها لا تزن ولا وزن لها ولا قيمة لها، أعطى الكافر شربة الماء وأعطاه الطعمة. وبين حقيقة الدنيا أنها لا تبقى على حال، لا سرور فيها دائم ولا حزن فيها دائم. فإذا سرتك أياما أحزنتك أياما أخرى. قال رحمه الله: «تسوءك حقبة» أي سنين ومددا، فالحقبة: السنين والمدة، {لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا} [النبأ: 23] أي مددا وأعواما. فهذه الدنيا تسوءك حقبة من الزمن وفترة من الزمن، وهي تسوءك من همومها، ومن أحزانها، ومن آلامها، ومن متاعبها، ومن مصائبها، ومن فتنها، ومن... إلى آخر ذلك. «وتسر وقتا» ووقت تسرك هذه الدنيا تكون فيها مسرورا، فلا حزن يدوم فيها ولا سرور، ولا بؤس يدوم فيها ولا رخاء. كما قال الشافعي رحمه الله تعالى: «فيوم حزن بل أيام، ويوم سرور، عشرة أيام حزن، ويوم واحد سرور، أسبوع هم، ويومان أو ثلاثة فرح». ما يحزن فيها أكثر مما يسر به. هذه الدنيا حقيقتها: همومها أكثر من سرورها. كم يعثر الإنسان يسر في هذه الدنيا؟ لذا مر عليه اليوم وهو 24 ساعة، 24 ساعة تمر عليك، كم الساعات التي أنت فيها على فرح وعلى السرور من هذه الأربع والعشرين؟ ربما أحيانا الأربع والعشرين... الأربع والعشرين كلها... مصد الله العالم والسلام. لماذا تفكر فيهم كذا وتفكر فيهم كذا وتفكر فيهم كذا؟ وهذا يطالبك وهذا يريد وهذا يريد، والأولاد يريدون، والزوجة تريد، وصاحب يريد، نعم صاحب الدكان يريد، وصاحب فاتورة الهاتف، وفاتورة الكهرباء، وفاتورة الماء، وفاتورة كذا، وفاتورة... فواتير، الله المستعان. ما تتسر... تسر لما تغفل عن هذه... لما تغفل تسر، تنشغل بالعلم، تنشغل بطاعة الله عز وجل. هذا الوقت الذي أنت فيه مسرور حين تأخذ كتاب الله وتقرأ فيه تنسى تلك الهموم، فأنت في راح. حين تجلس في حلقة... في حلقة علم تنسى هذه الهموم والأحزان، وهكذا حين تصلي. لكن إذا كنت على غير هذا فأنت مع الهموم، أنت مع الهموم لا تنفك عنها إلا ساعة طاعتك، إلا ساعة طاعتك وما تتقرب به إلى الله جل وعلا، وهذا قليل بالنسبة للساعات الأخرى. الساعات التي أنت فيها على طاعة الله جل وعلا من قراءة قرآن وطلب علم وغير ذلك، هذا أقل من الساعات الأخرى التي تقضيها في ما أحل الله جل وعلا، فضلا عن ما تقضيه فيما لا ينفع ولا يعود عليك بالنفع. وغاية الدنيا يقول رحمه الله تعالى: «إذا فكرت فيها كفيئك أو كحلمك إذا حلمت». في الظل... ظل الشمس هذا كم يبقى؟ تطلع الشمس أول النهار من جهة المشرق، تجعل يكون الظل على نواحي... على نواحي فقط، ثم بعد ذلك تتحرك الشمس، تطلع، تسير إلى جهة المغرب، ذلك الظل الذي كان في أول النهار انتهى. هذه حقيقة الدنيا ومقدار ذلك الظل الذي نتج عن طلوع الشمس مما لم تأت عليه الشمس بعد، مما لم تأت الشمس عليه بعد. وأما إذا جاءت عليه الشمس مسخته. وهذا معنى قولي عليه الصلاة والسلام: «ما مثلي ومثل الدنيا إلا كمثل الرجل استظل تحت شجرة ثم راح وتركها». استظل تحت الشجر ظلا، فالدنيا ظل، عبارة عن ظل، وفي سرعة ما يزول، وفي الزوال معروف، الذي هو يقاس في دخول وقت أذان الظهر، وقت يسير وشيء يسير، ظل يسير ووقته قليل. وهكذا هي حقيقة الدنيا. أو الحلم: حين يحلم الإنسان، يحلم الإنسان في المنام، نعم، ويفيق من ذلك الحلم. كم هذا الحلم؟ ما يستمر الحلم طويلا، الحلم لحظات، الحلم لحظات، ما أحد يحلم ساعة كاملة، هو يحلم... أحد حلم ساعة، أحد حلم ساعة، الحلم لحظات يسيرة. ينام وربما يحسب أنه فلوس معه، ولا شيء، فات بسرعة. هذا هو الدنيا. ذاك الحلم الذي يمر بالإنسان حال منامه، وما أسرع ما يفيق من ذلك الحلم. إذا كان ما رأى شيئا جميلا وده هو أن يستمر ولو ساعات، لكن هيهات هيهات، ما يمكن، لا هذا ولا هذا، إنما هو حلم شيء يسير يمر بك. ثم ذكر رحمه الله تعالى كذلك فيما يتعلق بحاجة الدنيا أنها سجن: «سجنت بها وأنت لها محب، فكيف تحب ما فيه سجنت». الدنيا سجن، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر». فسجن المؤمن بالنسبة لما أعد الله جل وعلا في الآخرة، لأنه في الدنيا مكبل بالقيود، بقيود الطاعة، بقيود الحلال والحرام. مكبل المؤمن في هذه الدنيا بقيود وسلاسل، والسجين هكذا، المسجون مكبل. الدنيا سجن المؤمن لأن المؤمن في الدنيا مكبل كالسجين الذي يكبل بالسلاسل والقيود. المراد بالسلاسل والقيود: المعنوية، قيود الحلال والحرام، هذا حلال وهذا حرام، هذا طاعة وهذا معصية، فهو مقيد عن الحرام، مقيد عن المعاصي، مقيد عن المال الحرام، مقيد عن إطلاق لسانه كما شاء، مقيد عن إطلاق بصره كيف شاء، سمعه وهكذا. فهذه كلها قيود على الأبصار، قيود على الأسماع، قيود على اللسان، قيود على الأيدي، قيود على الأرجل، وعلى جميع الجوارح. المؤمن مكبل بالقيود، لكن في الآخرة له ما يشاء، ما تشاء عينه، وما تشاء لسانه، وما تشاء سمعه، وما تشاء جوارحه. أما في الدنيا فلا، ليس له ما شاءت عيناه، وليس له ما شاء سمعه، وليس له ما شاء بصره، وإنما له كذا وحرام عليه كذا، وله كذا وحرام عليه كذا. هذه هي القيود. وأما المقر والمأوى: الجنة. وإنما هذه الجنة... سجنة... واليهود... لما لقي الحافظ بن حجر... على وبهته... كان على عربة تقودها الخيول، وهو يهودي فقير، وعليه من الزيت ما عليه، من التعب، فأوقف موكب الحافظ بن حجر، كان له موكب عظيم رحمه الله، فقال له: نبيكم يقول: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، وانظر ما أنت فيه وما أنا فيه، من الذي في السجن؟ كأنه يقول: الحافظ بن حجر: أنا... أنت... نبيكم يقول: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، أنت الآن في جنة الدنيا، جنتك، أنا السجين في هذه الدنيا، كأنه يقول: أنا على تعب، وعلى... يعني وسخ ثياب، وغير ذلك، زيات. فقال: نعم، الدنيا سجن المؤمن، جنة الكافر. الدنيا سجن المؤمن بالنسبة لما أعد له في الآخرة، فهو في سجن لأن النعيم الذي ينتظره في الدار الآخرة لا يوصف، فإذن هو عن ذلك النعيم مسجون، عن ذلك النعيم مسجون، مع أنه في الدنيا أنعم الله جل وعلا عليه، لما أنعم به عليه جزاء ما امتثل وما فعل من طاعة الله عز وجل، لكن هذا مقارنة بذلك فهو كالسجين، كالسجين. وأنت وما أنت عليه من هذا التعب والضنك وغير ذلك، بالنسبة لما ستلاقيه في الآخرة إذا مت على هذا الحال، أنت في جنة، أنت في جنة الآن، لأن هناك نار جهنم، نار تلظى، الآن ما أنت في نار جهنم، ولا في نار تلظى، هناك لا أكل ولا شرب، لا... ما فيه في النار تأكل وتشرب وتتنعم، من تهفل... الآن تتنعم، تأكل وتشرب وتنام، لكن ما في هذا في نار جهنم، إذا أنت في جنة. حتى نطق هذا اليهودي بالشهادتين، قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، دخل الإسلام. وانظر فقه الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى لله دره. ثم ذكر رحمه الله تعالى بعد ذلك: قالوا: «تطعمك الطعام، عن قريب ستطعم منك ما فيه». يعني ما تأكله وما تشربه وما تطعمه في هذه الدنيا، هذه الدنيا ستطعم منك بعد ذلك. الذي طعمته منها لا تظن أنك إذا طعمت منها مقابل التقصير والتفريط أنها لا تضرك، لا، وإنما ستطعم منك كما طعمت منها، لأنك ما أديت حقها، وحقها طاعة رب العالمين جل وعلا. إذا طعمت في الدنيا وشربت وأنت على طاعة، فلم تطعم منك الدنيا بعد ذلك، لكن إذا طعمت وشربت في الدنيا على حساب التقصير والتفريط فستطعم منك، لأن هذا الطعام والشراب سيكون وبالا عليك، لأنك لم تؤدي شكر هذه النعم، فلذلك أنت على خسارة، ومن العقوبات العاجلة: ضر هذه الدنيا عليك. ثم أوصاه... أوصاه ونصحه بأن لا يلبس ثياب هذه الدنيا، نعم، وإنما يلبس ملابس الآخرة، لأن الإنسان إذا لبس ثياب الدنيا فإنه يعرى، ولكن إذا تعرى عن هذه الثياب ولبس لباس التقوى فإنه يكسى يوم القيامة. وأول من يكسى إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، أول من يكسى يوم القيامة كما في الصحيحين. ذكر بعض العلماء: قالوا: الحكمة في كون إبراهيم أول من يكسى يوم القيامة، لأنه أدخله قومه النار من غير ثياب، فأكرمه الله جل وعلا يوم القيامة بأن يكسى أول الخلائق يوم القيامة. وهكذا من كان في هذه الدنيا على لباس التقوى، نعم، وإن كان ليس عليه لباس ما يكفيه، وإنما عليه الإزار والرداء فقط، نصف جسمه مكشوف، لم يجد ما يكسي به النصف الآخر من جسمه، لكن مادام أنه على لباس التقوى فإن الله جل وعلا سيكرمه يوم القيامة بالكساء الذي لا يوصف، نسأل الله من فضله. وذكره كذلك ما يشهده كل يوم من دفن الأقارب، من دفن خل، وهو غافل عن هذا، وكأنه لا يشاغ لمثل هذا، ولما شهد. وذكره بأنه لم يخلق ليعمرها ولكن ليعبرها. ومن وصايا المسيح عليه السلام: «اعبروها ولا تعمروها، اعبروها ولا تعمروها». هذا من وصايا المسيح عليه السلام في قومه: «اعبروا هذه الدنيا ولا تعمروها». يعني: اعبروا هذه الدنيا ولا تعمروها. وأوصى بذلك نبينا عليه الصلاة والسلام: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»، كما في البخاري عن عبد الله بن عمر. إذن وصايا الأنبياء تتابعت في هذه الوصية: عيسى عليه السلام يقول: «اعبروها ولا تعمروها»، نبينا عليه السلام يقول: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». لماذا؟ لأن الدنيا دار عبور ودار ممر، وليست دار مقر، المقر الآخرة، الجنة مقر المؤمن، والدنيا طريق إلى الآخرة، وسبيل، من سلك سبيلا طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريق الجنة، فهي سبيل وطريق. طيب، نقف هنا ونكمل في الدرس اللاحق إن شاء الله، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.