الدرس في كتاب البيوع 26، ألقاها
تناول المقطع حكم شراء المجلات والجرائد التي تحتوي على صور، حيث يجوز شراؤها للعلم النافع ويحرم للصور. كما حرم شراء المجلات المفسدة التي تحتوي على صور نساء متبرجات.
لا يجوز بيع الدم لحرمة الدم بنص القرآن، بينما يجوز التبرع به للضرورة استنادًا إلى استثناء المضطر في القرآن، وقد أفتى العلماء بجواز التبرع في حالات الضرورة.
السلم هو بيع موصوف في الذمة، وقد اتفق العلماء على مشروعيته، واشترطوا له شروط البيع وتسليم رأس المال في المجلس. يُعرف أيضًا بالسلف، ويعتبر نوعًا من البيع.
شرح حديث ابن عباس حول السلم وأحكامه، حيث بين النبي صلى الله عليه وسلم جواز السلم في كل موصوف في الذمة إذا كان في كيل أو وزن معلوم إلى أجل معلوم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم ما بعد، فمن باب الفائدة نقرأ عليكم بعض فتاوى اللجنة الدائمة في حكم شراء المجلات والجرائد. طيب، هذه الفتوى أولى، قال: أفتت اللجنة الدائمة برئاسة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز، رحمه الله تعالى، ورحم الله من مات من علمائنا، وحفظ الله من بقي منهم. قال رحمه الله -أو قالوا- رحمهم الله وحفظ الله منهم الباقين: «المجلات والجرائد التي بها أخبار مهمة ومسائل علمية نافعة، وبها صور لذوات الأرواح، يجوز شراؤها والانتفاع بما فيها من علم مفيد وأخبار مهمة؛ لأن المقصود ما فيها من العلم والأخبار، والصور تابعة، والحكم يتبع الأصل المقصود إليه دون التابع. ويجوز وضعها في المصلى مع إخفاء ما فيها من الصور بأي شكل، لينتفع بما فيها من مقالات، أو يطمس رؤوس الصور بما يذهب معالمها». هذه فتوى للجنة. وفتوى أخرى لهم قالوا: «اقتناء المجلات التي فيها الصور يجوز إذا كان اقتناؤها من أجل ما تحتوي عليه من العلم النافع، وينبغي لمن اقتناها أن يطمس ما فيها من الصور بالحبر ونحوه. أما إذا كان اقتناؤها من أجل الصور فلا يجوز». واضح هذا، جماعة، إذا كان اقتناء لأجل الصور، قالوا: فلا يجوز. فيفرق بين أن تكون الصور تبعًا والمقصود الأخبار أو المقصود ما فيها من علوم، وبين أن تكون الصور أصلًا والأخبار وما فيها من العلم تبعًا. واضح، فالحكم يكون للأصل، لا يكون للتبع. وفي فتوى لهم أيضًا ثالثة، قالوا: يتكلمون عن المجلات الخليعة والهادمة المفسدة -يعني ذكروا أو سئلوا بهذا أو بهذا المعنى عن هذه المجلات- فذكروا جملة من المفاسد المترتبة على بيع هذه المجلات والجرائد، ثم قالوا -يعني حكمها بعد أن ذكروا جملة من المفاسد-: «أولًا: يحرم إصدار هذه المجلات الهابطة، سواء كانت مجلات عامة أو خاصة بالأزياء النسائية... ومن فعل ذلك فله نصيب من قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. يحرم إصدار هذه المجلات الهابطة التي فيها صور نساء متبرجات، بل ونساء عاريات، عارية الصدر أو الفخذين أو ما شابه ذلك. يعني بعض النساء يقولون: هذا عرض أزياء، ثياب أزياء، هذه محرمة لما فيها من الفتن». وكما ذكروا، كما ذكر هؤلاء العلماء: أنهم يدخلون في قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. قالوا: «ثانيًا: يحرم العمل في هذه المجلات على أي وجه كان، سواء كان العمل في إدارتها أو تحريرها أو طباعتها أو توزيعها؛ لأن ذلك من الإعانة على الإثم والباطل والفساد، والله جل وعلا يقول: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. واضح، جماعة، فلا يجوز تحريرها، ولا إدارتها، ولا يجوز كذلك ماذا؟ توزيعها، إلى غير ذلك من المعان. «ثالثًا: تحرم الدعاية لهذه المجلات وترويجها بأي وسيلة؛ لأن ذلك من الدلالة على الشر والدعوة إليه». «رابعًا: يحرم بيع هذه المجلات والكسب الحاصل من ورائها؛ كسب حرام، ومن وقع في شيء من ذلك وجب عليه التوبة إلى الله تعالى والتخلص من هذا الكسب الخبيث». واضح، جماعة، كسب خبيث يجب التخلص منه. «خامسًا: يحرم على المسلم شراء هذه المجلات واقتناؤها؛ لما فيها من الفتنة والمنكرات والتشجيع لأصحابها». «سادسًا: على المسلم أن يغض بصره عن النظر في تلك المجلات الفاسدة؛ طاعة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وبعدًا عن الفتنة ومواقعها». هذا، جماعة، في المجلات والجرائد، فكيف بالتلفاز؟ فكيف بالتلفاز؟ فإنه من باب أولى. واضح، جماعة. «سابعًا: يجب على أولاة أمور المسلمين أن ينصحوا للمسلمين، وأن يجنبوهم الفساد وأهله، ومن ذلك منع هذه المجلات المفسدة من النشر والتوزيع». طيب، هذه بعض الفتاوى، وكما سمعتم من اللجنة الدائمة، أن يتحثوا على هذه المسألة أو يتكلموا حول هذه المسألة. طيب، نجد في حديث جابر، قال جابر: «حينما قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: رأيت الشحوم الميتة، فإنه يطلع بها السفن، ويدهنوا بها الجلود، وستطرع بها الناس. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا، هو حرام. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه». قوله: «قاتل الله اليهود» فيه جواز الدعاء على اليهود بهذا الدعاء، وعلى غيرهم ممن يستحقه، ممن يستحق هذا الدعاء. وقد دعا عليهم صلى الله عليه وسلم كذلك باللعنة. وفيه أيضًا تحريم الحيل على المحرم، وأنها لا تزيد المحرم إلا حرمة. يعني كان محرمًا، ففعلوا، فكان سببًا لماذا؟ للعنة الله لهم، بالتحايل، للتحايل على المحرم. وقد جاء في حديث ابن عباس، جاء في حديث ابن عباس عند أحمد وأبي داود وابن ماجه، بإسناد صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها. وإن الله عز وجل إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه». وتقدم معنا مرارًا هذا الحكم. يعني تبين معنا كذلك في حديث ابن عباس: أن المقصود من التحريم يشوي -أي الجماعة- البيع. واضح، الجماعة، وهذا يؤيد ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، وغيره، من أن النهي في قوله: «هو حرام» لا، بل هو حرام، عيد على ماذا؟ على البيع. وهذا الحديث يدل على هذا المعنى: «إن الله عز وجل إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه». حرم ثمنه، أي، لم، ليس المقصود الانتفاع. طيب، وقوله: «إن الله عز وجل إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه» يعني ها هنا مسألة. في قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله إذا حرم شيئًا -أو في لفظ آخر- أو حرم أكل شيء حرم ثمنه». قال الإمام ابن القيم، رحمه الله تعالى: «يراد به أمران». يراد به أمران: «إن الله إذا حرم شيئًا -أو حرم أكل شيء- حرم ثمنه». يقول: «يراد به أمران». أحدهما: ما هو حرام العين، ما هو حرام العين، وانتفاع به جملة. ما هو حرام العين، وانتفاع به جملة، كالخمر والميتة والدم والخنزير وآلات الشرك، فهذه أثمانها حرام، كيفما اتفقت. لا يقول إنسان: يبيعها بأي صورة من الصور، ما دام على هذه -ما دامت على هذه الخواص- بيع الخنزير، بيع الخمر، بيع الميتة، الدم، ونحو ذلك. كما تقدم معنا. طيب، قد ذكر هنا الدم، فلا بأس أن نذكر مسألة من باب الفائدة. نذكر مسألة الآن خطرت في البال؛ لأنها قد لا تعود أو لا تمر بنا بعد هذا، سندخل في مسائل السلام، ثم مسائل الربا. طيب، تقدم معنا الكلام على حرمة الخمر والميتة والخنزير وآلة الشرك، حرمة الدم. هل يجوز بيع الدم؟ واضحة، جماعة، هل يجوز بيع الدم؟ طيب، هذه مسألة نؤجلها بعد أن ننتهي من هذه المسألة إن شاء الله. طيب، يقول الشيخ الإمام ابن القيم -يعني في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله إذا حرم شيئًا أو حرم أكل شيء حرم ثمنه»- قال: «يراد به أمران». أحدهما: ما هو حرام العين، وانتفاع به جملة. أي: لا يجوز به -لا يجوز ماذا؟- بيعه على أي صورة، ولا أكل ثمنه على أي صورة. وهي الأشياء المذكورة في الحديث. قال: «والثاني: ما يباح الانتفاع به في غير الأكل، ما يجوز الانتفاع به في غير الأكل، وإنما يحرم أكله، وإنما يحرم أكله؛ كجلد الميتة بعد الدباغ، وكالحمر الأهلية والبيغال ونحوها، مما يحرم أكله دون الانتفاع به». قال: «فهذا قد يقال: إنه لا يدخل في الحديث، وإنما يدخل فيه ما هو حرام على الإطلاق». قال: «وقد يقال: إنه داخل فيه، ويكون تحريم ثمنه إذا بيع لأجل المنفعة التي حرمت منه». فإذا بيع البغل والحمار لأكلهما حُرما ثمنهما، بخلاف ما إذا بيع للركوب وغيره -الركوب، الحرث، وما شابه ذلك- وإذا بيع جلد الميتة لانتفاع به حل ثمنه، وإذا بيع لأكله حرم ثمنه. قال: «وطرد هذا ما قاله جمهور الفقهاء، كأحمد ومالك، وأتبعهما: إنه إذا بيع العنب لمن يعصره خمرًا حُرما أكل ثمنه، بخلاف ما إذا بيع لمن يأكله -أي يجوز ثمنه- وكذلك السلاح إذا بيع لمن يقاتل به مسلمًا حُرما أكل ثمنه، وإذا بيع لمن يغزو في سبيل الله فثمنه من الطيبات. وكذلك ثياب الحرير إذا بيع لمن يلبسها ممن يحرم عليه حرم أكل ثمنها، بخلاف بيعها ممن يحل له لبسها». واضح هذا، جماعة. وهذا التفصيل الأخير هو المعتمد. بمعنى أن الأشياء التي حرم الشرع الانتفاع بها على وجه مخصوص أو وجه ما، فلا يجوز بيعها على صورة ذلك الشيء المنهي عنه. أما بيعها على وجه آخر منتفع به لم يمنعه الشرع، فإنه ماذا؟ فإنه جائز. واضح هذا، جماعة. يعني الحمار إذا جاء إنسان فقال: «هل يجوز بيع الحمار؟» نقول له: لمن؟ يقول: لرجل يريد أن يستخدمه للركوب. نقوله: يجوز. واضح، جماعة. ملا يأتي آخر يقول لنا: «هل يجوز بيع الحمار؟» نقول له: لمن؟ يقول: لرجل يريد أن يأكله. نقول له: لا يجوز. واضح هذا، جماعة. ملا فيكون الحكم متعلقًا بماذا؟ بسببه. فإذا كان سبب البيع الانتفاع بغير ما نهى عنه شرعًا، فإنه جائز. وإذا كان الانتفاع بما نهى عنه شرعًا، فإنه يكون ماذا؟ فإنه يكون غير جائز. هذا في الأشياء التي ذكرت، بل كما ذكر رحمه الله تعالى عن جمهور العلماء: أنهم يقولون في الأشياء المباحة -مثال العنب- العنب مباح، وليس مباحًا، مباحة. لكن إذا جاء إنسان عرف أنه يصنع الخمر بذلك العنب، فلا يجوز بيعه. إذا باعه الإنسان، ما حكم ذلك المال؟ باع طيبًا، لكن ما حكم ذلك المال؟ المال خبيث، محرم. واضح، جمع، لماذا؟ لأنه باعه لمن يستخدمه في الحرام. واضح، جمع، لا، فهذا كما يقال: هذا خلاصة فيما يذكر في هذه الأبواب. «إن الله إذا حرم شيئًا حرم ماذا؟ حرم ثمنه». طيب، قلنا نذكر مسألة، وهي مسألة حكم الدم. ما حكم بيع الدم؟ ما حكم بيع الدم؟ بيع الدم من الأمور المحرمة كذلك باتفاق العلماء. الدم؟ نعم. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾. واضح، جماعة، فهي محرمة بنص القرآن، والعلم متفقون على تحريمها. فلا يجوز بيع الدم بأي صورة من أنواع البيوع. لا يجوز بيع الدم بأي صورة من أنواع البيوع. تجارة، إنسان يتاجر في الدم، أو يريد أن يأكل الدم، أو يريد أي شيء من هذه الأشياء. فإن الدم لا يجوز بيعه، كما لا يجوز بيع الميتة، ولا يجوز بيع ماذا؟ الخنزير. واضح، جماعة، أم لا؟ طيب، ها هنا مسألة، وهي: ما حكم التبرع بالدم لمن أراده أو لمن احتاج إلى الدم؟ التبرع بالدم لمن احتاج إلى الدم. تعرفون هذه الأيام وبكثرة في المستشفيات، يعني هناك بنوك يسمونها بنوك الدم. يحتاجون إنسانًا يعمل عملية، يحصل له مرض، يقول: يحتاج إلى من يتبرع له بالدم. واضح، جماعة، الآن عندنا صورتان: أولًا، ما حكم التبرع بالدم؟ والثانية: ما حكم بيع الدم؟ واضح، جماعة، أم لا؟ أما حكم التبرع بالدم للغير، التبرع بالدم فيه ماذا؟ المنع. واضح، جماعة، أمل، الأصل في بيع الدم أو الانتفاع بالدم لأي صورة من أنواع الانتفاع، الأصل فيه ماذا؟ جماعة، الحرم، لقول الله جل وعلا: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾. لكن يجوز لماذا؟ للضرورة. يجوز للضرورة. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. واضح، جماعة، ملا «فمن اضطر فلا إثم عليه». وقد ذكر -فيما يحضرني الآن- الشيخ عطية سالم، رحمه الله تعالى، في شرحه لبلوغ المرام -فيما يحضرني الآن- أنا قبل سنوات وقفت على هذا، ذكر قصة عجيبة في هذا الباب. يعني ذكر أن العلماء اجتمعوا على هذه المسألة يتناقشون ويتحاورون على هذه المسألة -أي مسألة التبرع بالدم- في الجامعة الإسلامية، برئاسة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز، حينما كان رئيسًا عليها. فقال الشيخ عبد العزيز بن باز -حسب ما ذكر الشيخ عطية سالم، رحمه الله تعالى جميعًا-: «ما تقولون في هذه المسألة؟» قال: «فكل ذكر ما عنده». والشيخ الأمين الشنقيطي لا يذكره شيء، ولا يتكلم به. قال: «فقال له الشيخ عبد العزيز بن باز: ما لك يا شيخ، ما تتكلم؟ تكلم الناس ولم تتكلم». فقال: «لأني لم أقف -ليس عندي ما أقوله- ليس عندي ما أقوله». فقال له الشيخ -أو قال-: «ليس عندي من كتاب الله عز وجل أو من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ما أقول به». فقال له الشيخ عبد العزيز بن باز: «إذا كان أمر كذلك، فقد حل للعلماء أن يجتهدوا في الحكم أو في المسألة؛ حتى يصدروا للناس حكمًا». واضح، جماعة. فقال له الشيخ الشنقيطي: «نعم، إذن أجدت الدم قرينًا للميتة في موضعين من كتاب الله». واضح، جماعة، نظروا، الشنقيطي الآن استحضر: «أجدت الدم قرينًا للميتة في موضعين من كتاب الله، في آية المائدة المذكورة، وفي آية النحل أيضًا فيه الحكم واعد». قال: «والله عز وجل قرنهما في الحرمة، ثم استثنى مضطر». قال: «فإذا كان التبرع بالدم لأجل الضرورة جاز». فقال الشيخ عبد العزيز بن باز: «والله ليس عندنا إلا هذا، ليس عندنا إلا إيش؟ إلا هذا». وكانت الفتوى على هذا، وكانت الفتوى على هذا. وبها أفتى العلماء -علماء العصر- لا بحسب علمي، لا أعلم أحدًا يخالف في هذه المسألة. يعني اللجنة الدائمة أفتت، وكذلك الشيخ عبد العزيز بن باز، قبل ذلك الشيخ محمد بن إبراهيم، رحمه الله تعالى، الشيخ الألباني، شيخنا مقبل، غير واحد، نصوا نصًا إلى أنه يجوز في حالة ما الضرورة. واضح، جماعة. الله عز وجل يقول: ﴿مَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. فكأنما أحيا الناس جميعًا. فيكون هذا التبرع من باب ماذا؟ من باب الإحسان. من باب الإحسان. إذن حكم التبرع بالدم: الأصل فيه ماذا؟ المنع. لكن يجوز متى؟ عند الضرورات. هذه المسألة الأولى. المسألة الثانية: هل يجوز بيعه عند الضرورة؟ واضح، جماعة، هل يجوز بيعه عند الضرورة؟ الجواب: لا يجوز. لكن أن اضطر الإنسان إلى شرائه -شراءً- أي: لم يجد الدم إلا بمقابل. قالوا: «فإن له أن يشتري، والإثم على من باعه، والإثم على من باعه». واضح، هذا، جماعة، لا؛ لأنه باع شيئًا محرمًا، لا يجوز بيعه، باع شيئًا محرمًا لا يجوز بيعه. كمن يبيع الميتة للمضطر -يعني تخيل إنسان عنده ميتة، وإنسان مضطر، يقول له: «أنا أحتاج، سأموت». يقول له: «عندك الميتة». دفع مال واخذها. أيش حكم هذا يا جماعة؟ ما يجوز. واضح. لكن هل لمن خشي على نفسه الهلاك أن يشتريها -تلك الميتة-؟ هذا يا جماعة له أن يشتريها، والإثم على من؟ والإثم على البائع. واضح، هذا، جماعة. فهذا كما يقال: خلاصة ما يذكر في هذا الباب. ومن باب التتمة للفائدة المذكورة: يعني بعض أهل العلم نبه على مسألة. يعني بعض الناس يقول: «أنا ما أخذ مال، نزيه». يقول: «أنا ما أخذ مال، لكن قد يعني عرف أنه سيأخذ هذا الرجل، وسيكرمه غاية الإكرام». يعني يقول: «ذا بلا فلا، ما سيقصر معك». يأتي -واعي الصاب- يقول: «يذهب معه، ما سيقصر معك، غذا، اليوم، ما شاء الله، سمين، دسم». وما شاف ذلك. فالحاصل: أنه إذا كان هذا قد صار كالعرف -إذا كان هذا قد صار كالعرف- فبعض أهل العلم يقول: «يخشى أن يقع في الإثم». واضح، جماعة، يتنزه، يتنزه الإنسان عنه. أما إذا كان بعض الناس إكرامًا منهم -يعني تبرع- فأنتفعت لنا، خير. والله عز وجل يقول: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾. فأخذه وأطعمه طعامًا قيدًا -هذا لا شيء- من غير الشرط، لا عرف، ولا وقع في نفسه. إنما قضى التبرع، فالآخر أصر عليه. واضح، جماعة. فيكون هذا من هذا الباب. يعني الإنسان ينتبه بين ما كان عرفًا؛ لأن الشرط العرفي كالشرط إيش؟ اللفظي. هذه قاعدة من قواعد الفقه وأصوله. يعني بدلا أن تشترط -مثلا- لو قال إنسان: «سأتبرع لك دمًا بشرط أن تطعمني بطعام كذا وكذا». إيش حكم هذا؟ الآن الشرط هذا بيع. واضح، جماعة، عملًا. إذا كان العرف على هذا دون أن يتلفظ -إيش حكمه؟ الحكم هو الحكم؛ لأن إيش؟ عندها قاعدة: «الشرط العرفي كالشرط إيش؟ اللفظي». واضح، جماعة. الشرط العرفي كالشرط اللفظي. فهذا مما يعني كما يقال: ينبه إليه أو ينبه عليه في هذه المسائل؛ لأنه قد يتساءل بعض الناس في مثل هذه المسائل. طيب، ندخل في الباب الجديد إن شاء الله. يكون أخذنا ما تيسر من المسائل، وهي كثيرة وكثيرة. وقد أخذنا في حديث جابر. لكن نسأل الله عز وجل أن يعين وأن يتقبل. طيب، قال الإمام عبد الغني المقدسي، رحمه الله تعالى، في كتابه «عمدة الأحكام»، في كتاب البيوع منه: «باب السلم». قال: «أهل اللغة: السلم والسلف، وأسلم وسلم، وأسلف وسلف». قال الحافظ في الفتح: «والسلم بفتحتين، والسلف، وزنا ومعنى». قال: «وذكر الماوردي أن السلف لغة أهل العراق، والسلم لغة أهل الحجاز». ومعنى. وقيل: «السلم تقديم رأس المال، والسلم تسليمه في المجلس، فالسلف أعم». قال الحافظ: «والسلم شرعًا: بيع موصوف في الذمة». قال: «ومن قيده بلفظ السلم زاده في الحد». ومن زاد فيه: «ببدل يعطى عاجلًا ببدل يعطى عاجلًا». قال: «فيه نظر؛ لأنه ليس داخلا في حقيقته». قال: «واتفق العلماء على مشروعيته؛ إلا ما حكي عن ابن المسيب». واتفق العلماء على مشروعيته؛ إلا ما حكي عن ابن المسيب. قال: «واختلف في بعض شروطه، واتفقوا على أنه يشترط له ما يشترط للبيع -تقدم معنا شروط البيع- وعلى تسليم رأس المال في المجلس». طيب، قلنا: قال الحافظ: «اتفق العلماء على مشروعيته؛ إلا ما حكي عن ابن المسيب، واختلفوا في بعض شروطه، واتفقوا على أنه يشترط له ما يشترط للبيع، وعلى تسليم رأس المال في المجلس». واختلفوا: «هل هو عقد غرر جوز للحاجة أم لا؟» العلماء الآن، هذا العقد هو من عقد الغرر الذي جوز للحاجة أم لا؟ أم أنه ليس من عقود الغرر؛ لأنه موصوف الذمة؟ واضحة، جماعة. قال رحمه الله: «واشتراط تعيين الكيل -أي في الحديث فيما يسلم فيه من المكيل- متفق عليه؛ من أجل اختلاف المكاييل». يعني جاء في الحديث: «ما سيأتي معنا في كيل معلوم». فالمكاييل مختلفة، فاشترط العلماء تعيين الكيل فيما يسلم فيه من المكيل. قال: «متفق عليه؛ من أجل اختلاف المكاييل». يعني مكاييل الحجاز، أو عراق، أو مصر. واضح، جماعة. قال الحافظ: «إلا أن يكون في البلد -إلا أن لا يكون في البلد- سوى كيل -سوى كيل واحد- سوى كيل واحد، فإنه ينصرف إليه عند الإطلاق». يعني إذا كان أهل بلد التعامل في مكيل أو في مكيال واحد أو في كيل واحد، فيرجع إلى العرف. أما إذا كان عندهم مكاييل مختلفة، والعرف غير منضبط، فلابد أن يحدد. يقول له: «مثلا أريد منك عشرة مكاييل أو عشرة -نعم- مكيال مثلا من التمر، من المكيال الحجازي». واضح، «من المكيال الحجازي الذي يزن مثلا كذا كذا آصع». واضح، جماعة، منضبط بشيء ما؟ هذا منضبط. طيب، الإمام النووي، رحمه الله تعالى، عرفه شرعًا، فقال: قال أصحابنا: «ويشتركان -السلام والقرض- في أن كل منهما إثبات مال في الذمة بمبذول في الحال». قال: «وذكروا في حد السلام عبارات، أحسنها: أنه عقد على موصوف في الذمة، ببذل يعطى عاجلًا». قال: «سمي سلما لتسليم رأس المال في المجلس، وسمي سلفا لتقديم رأس المال». أن السلام تارة يسمى سلما، وتارة يسمى سلفا. قال رحمه الله: «وأجمع المسلمون على جواز السلم». كأنه لم يعتبر خلاف سعيد بن مسيب -أو لم يصح عنده خلافه-. وقال الإمام ابن قدامة، رحمه الله تعالى، في المغني: «السلم: هو أن يسلم عوضًا حاضرا في عوض موصوف في الذمة إلى أجل». قال: «وهو نوع من البيع ينعقد بما ينعقد به البيع -أي شروطه وأحكامه كأحكام البيع تماما-». قال: «وهو نوع من البيع ينعقد بما ينعقد به البيع». قال: «و(بلفظ السلم والسلف) -يعني لكن يقال: أسلمت، أسلفت-». قال: «ويعتبر فيه من الشروط ما يعتبر في البيع، وهو جائز بالكتاب والسنة والإجماع». قال: «أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾». قال: «وروى سعيد بن منصور بإسناد عن ابن عباس -لأنه قال: أشبه -أو أشبه- أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله في كتابه وأذن فيه، ثم قرأ هذه الآية -أي أن ابن عباس قرأ هذه الآية- واستدل به على أن السلم قد ذكره الله في كتابه». واضح. قال: «ولأن هذا اللفظ يصلح للسلم -أي الآية- لفظ الآية يصلح للسلم، ويشمله بعمومه». وذكر حديث -أي وسنة- استدل بحديث ابن عباس الذي هو حديث الباب، سيأتي: «بإذن الله». ونقل الإجماع، وذكر أن ابن المنذر، رحمه الله تعالى، نقل الإجماع على جواز السلم. قال ابن قدامة، رحمه الله تعالى، معللًا: «ولأن المثمن في البيع أحد عوضي العقد، فجاز أن يثبت في الذمة كالثمن». ولأن بالناس حاجة إليه؛ لأن أرباب الزروع والثمار وتجارات يحتاجون إلى النفقة على أنفسهم وعليها لتكمل. وقد تعزموا النفقة، فجوز لهم السلم، يرتفقوا ويرتفق المسلم بالاسترخاص. قال الإمام عبد الغني المقدسي، رحمه الله تعالى، عن عبد الله بن عباس، رضي الله عنه وأرضاه، ما قال: «قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين والثلاث. فقال: من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم». وهذا الحديث يعد أصلًا في باب السلم. حديث ابن عباس، رضي الله عنه وأرضاه، يعد أصلًا في باب السلم. وقوله: «قال قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة» يدل على أن هذا الأمر كان معمولا به قبل الإسلام، كان معمولا به قبل الإسلام؛ إلا أنه لم يكن مضبوطًا بالضوابط الشرعية. فجاء الإسلام بضبط هذه الأمور الذي فيه ضبط ما ينفع الناس في حياتهم وفي معاشهم؛ لأنه قال: «وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين والثلاث». وجاء في بعض الأحاديث، وذكر بعض العلماء: أنهم كانوا يسلفون في نخل معلوم، ليس في كيل معلوم، في نخل يقول: «مزرعتك، أشتريها منك لمدة ثلاث سنوات». يعني حكمك حكم المعاومة. أو مثلا يقول له: «النخل هذا، أسلمك الثمن على أن أشتريها -أن تكون الثمار- لمدة ثلاث سنوات، أو ما شابه ذلك». واضح، جماعة. فقال نبي صلى الله عليه وسلم، معلمًا لهم، مرشدًا: «من أسلف في شيء». وقوله صلى الله عليه وسلم: «من أسلف في شيء» يدل على إطلاق السلم، وأنه يجوز في كل موصوف في الذمة -على الصحيح من أقوال أهل العلم- وسيأتي معنا -بإذن الله جل وعلا- الكلام على هذه المسألة: «يصح في كل موصوف في الذمة ينضبط بالوصف». قال: «فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم». وقوله: «في كيل معلوم» أي: ينبغي أن يكون الكيل معلومًا عند البايع وعند المشتري. متفق عليه. يقول له: «كيل من نوع الفلان، كم مرة معنا». وقوله: «ووزن معلوم» أي: أو وزن معلوم. فوها هنا بمعنى «أو». بكيل معلوم، أو وزن معلوم. إما أن تتفق على كيل معلوم، وإما أن تتفق على ماذا؟ على وزن معلوم. إلى إيش؟ قال: «إلى أجل معلوم». إلى أجل معلوم. إذن جاء في هذا الحديث ذكر بعض شرائط السلم: أن يقول: «في كيل معلوم، أو وزن معلوم، إلى أجل معلوم». وسأتي معنا -بإذن الله جل وعلا- الكلام على شروطه -بإذن الله جل وعلا- في الدرس القادم -بإذن الله جل وعلا-. اكتفي بهذا، إلهنا، سبحانك، اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.