الدرس في كتاب البيوع 63، ألقاها
تناول المقطع مسألة أخذ الأب مال ولده واختلاف الفقهاء حول شروط جواز ذلك. الفقهاء اختلفوا بين جواز أخذ الأب لمال ولده بشرط عدم الإضرار به وبين قصر أخذ الأب على حالة حاجته فقط.
ذكر الفقهاء شروطاً لجواز أخذ الأب من مال ولده، منها عدم الإضرار بالولد وعدم الأخذ في حالة مرض الموت. هذه الشروط ذكرها غير واحد من الفقهاء، منهم الشيخ عبد الله بن الإمام محمد بن عبد الوهاب.
يناقش المقطع أحاديث نبوية تتعلق بمزارعة الأرض وإجارها ويشرح الشروط الصحيحة للتعامل في مثل هذه المعاملات. الأصل في المعاملات هو الحل ما لم يرد نهي شرعي عنها.
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، طيب مرت معنا جملة من المسائل في مسائل هبات، فنذكر كذلك ما تيسر من مسائل متعلقة بهذا الباب. طيب مسألة: وللأب أن يأخذ من مال ولده بالمعروف ويتملكه مع حاجة الأب إلى ما يأخذه ومع عدمها، لكن بالمعروف، صغيراً كان الولد أو كبيراً. وهذه المسألة وإن لم تكن من مسائل الهبات، إلا أن لها تعلقاً بالمسألة السابقة، يعني مسائل السابقة في استرجاع الأب هبته من ولده، لذا ذكرها الفقهاء رحمهم الله تعالى في هذا الباب في باب الهبات، فنذكرها للفائدة الكثيرة أو الكبيرة منها، لأن الناس يحتاجون إلى مثل هذه المسألة، ولا سيما طلبة العلم. طيب في المسألة خلاف مشهور، في هذه المسألة خلاف مشهور. فذهب الجمهور إلى أنه ليس له أن يأخذ من مال ولده إلا بقدر حاجته. ومعنى هذا أن الجمهور يقول: إن كان الأب محتاجاً، له أن يأخذ من مال ولده، فإن لم يكن محتاجاً، فليس له أن يأخذ من مال ولده. استدل الجمهور بأدلة كثيرة، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا». الحديث متفق عليه من حديث أبي بكرة. ولحديث: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه». وهذا الحديث روي عن جماعة من الصحابة، أو جاء جماعة من الصحابة عن أبي حميد الساعدي وابن عباس وعمر بن يترب، وهو حديث صحيح لغيره. واستدلوا كذلك بحديث: «كل أحد أحق بماله من والده وولده والناس أجمعين». رواه الدارقطني، ولكن الحديث ضعيف مرسل، أرسله حبان بن أبي جبلة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال الدارقطني أو البيهقي رحمه الله تعالى بعد أن رواه: هذا مرسل، وحبان بن أبي جبلة من التابعين. والشيخ الألباني رحمه الله ضعفّه كذلك في الضعيفة، وذكر له علة أخرى. فالحاصل أن هذا الحديث لا يصح. الشاهد من هذه الأدلة لذكرها العلماء، الجمهور قالوا: فيها دلالة على أن الولد مالك لماله، وإذا كان مالكاً لماله، فلا يحل لأحد أن يأخذ من ماله إلا بطيب نفسه منه، ولو كان أبوه. أي ولو كان الآخذ أباً له. وذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى إلى أن للأب أن يأخذ من مال ولده ما شاء ويتملكه، مع حاجة الأب إلى ما يأخذه ومع عدمها، صغيراً كان الولد أو كبيراً، بشرطين. يعني واضح ماذا؟ بإمام أحمد رحمه الله، إمام أحمد يقول: يأخذه مطلقاً، سواء كان محتاجاً أم لم يكن محتاجاً، لكن بشرطين. ما هما؟ قال: بشرطين، أحدهما: أن لا يجحف بالابن ولا يضر به، ولا يأخذ شيئاً تعلقت به حاجته. الثاني: قال: أن لا يأخذ من مال ولده فيعطيه الآخر، لأنه ممنوع من تخصيص بعض ولده بالعطية من مال نفسه، فلأن يمنع من تخصيصه بما أخذه من مال ولده الآخر أو لا. وقد روي أن مسروقاً رحمه الله زوج ابنته بصداق عشرة آلاف، فأخذها أو فأخذه، وأنفقها في سبيل الله، وقال للزوج: جهز امرأتك. الشاهد منه ماذا؟ أن مسروق عمل بهذا المعنى، أخذ المال لا لحاجة، وإنما تصدق بها. ويستدلون كذلك بحديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إن أبي إن أبي اشتاح مالي. فقال: «أنت ومالك لأبيك». إن أولادكم من أطيب كسبكم، فاكلوا من كسب أولادكم. رواه أحمد وغيره، وهو حديث حسن، لكن الحديث صحيح. وقد روي هذا الحديث يعني روى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من الصحابة، جاء من حديث عبد الله بن عمر كما ها هنا، وجاء كذلك من حديث جابر ومن حديث ابن مسعود ومن حديث عائشة وسمرة وعبد الله بن عمر وأبي بكر وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين. إن كان في بعضها ضعف، لكن الحديث ثابت. الشاهد منه ما هو؟ رجل جاء يشتكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم: إن أبي اشتاح مالي، اشتاح أي أهلكه من كثرة ماذا؟ أخذ منه. فقال: «أنت ومالك لأبيك». النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت ومالك لأبيك». ثم قال: «إن أولادكم من أطيب كسبكم»، ففي أنه مال الولد من كسب من كسب الأب. قال: «فكلوا من كسب أولادكم». وهذا أمر يعني أمر إباحة ها هنا، «فكلوا من كسب أولادكم» يعني معناه أنه حلال مباح. رواه أحمد وغيره. واستدلوا كذلك بقول الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾، وقوله عن إبراهيم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾، قال: وما كان موهوباً له، فله أخذ ماله كعبده. وقال ابن عيينة في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾ الآية، ثم ذكر سائر القرابات. قال: إلا الأولاد لم يذكرهم، لأنهم دخلوا في قوله: «بيوتكم»، قال: فلما كانت بيوت أولادهم كبيوتهم، لم يذكر بيوت الأولاد. وهذا الأمر يقول: ففي الآية دلالة على هذا المعنى، أن مال الولد هو من مال الأب، من مال الوالد. لذا في الآية جاء الذكر للأقارب: البنات، الأخوات، الإخوان، الأعمام، إلا الولد لماذا؟ لأن ولده من كسبه، وهذا من كسبه. فقالوا: ولأن الرجل أيضاً من التعليلات، لأن الرجل يلي مال ولده من غير تولية، أي عند الصغر، ولد الطفل إذا دخل عليه مال في به أو ما شابه ذلك، الأب يليه، يكون ماذا؟ ولياً على هذا المال. قالوا: من غير تولية، فكان له التصرف فيه كمال نفسه. أي أن الأب يتصرف فيه كمال نفسه. وأجابوا عن أدلة القول الآخر بأنها عامة. واضح، جماعة، أدلة الجمهور قالوا: عامة. «إن دماءكم وأموالكم عليكم، عليكم حرام». قالوا: هذه عامة. وقول: «إلا بطيب نفس منه». قالوا: هذا عام. قالوا: وهذه الأدلة تخصها وتفسرها. فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل مالاً للأب بقوله: «أنت ومالك لأبيك». فلا تنافيا بينهما. أي لا تنافيا بين الأحاديث الخاصة وبين الأحاديث العامة، بل يحمل العام على الخاص، وما كان مجملاً على ما كان مفصلاً موضحاً. قالوا: وأما حديث: «أحق به من والده وولده». وهذا كالنص، سيكون. قالوا: فضعف مرسل، ثم هو يدل على ترجيح حقه، لا على نفيه الحق بالكلية. يعني على صحته، يقول: فيه أن الولد أحق بماله من غيره، لا أنه ليس للأب حق فيه. يعني لذا قالوا: ثم هو يدل على ترجيح حقه، لا على نفيه الحق بالكلية. وإن كان الولد أحق بماله من والده بما تعلقت به حاجته. واضح، فالأظهر والله أعلى وأعلم أن يقال: إن للأب أن يأخذ من مال ولده ما شاء، لكن بالمعروف، أن يأخذ ما شاء لكن بالمعروف، بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «أنت ومالك لأبيك». فإن اللام فيها للإباحة. يعني انتبه أن اللام هنا للإباحة، لا للتمليك، بشروط سيأتي ذكرها. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه، باب الهبة للولد، قال: وهل للوالد أن يرجع في عطيته؟ ثم قال: وما يأكل مما لولده بالمعروف، ولا يتعدى. واضح، جماعة، ولا يتعدى. وهذا هو الصواب الذي ذهب إليه البخاري رحمه الله. وبوب عليه البخاري رحمه الله في صحيحه، يعني بمعنى أن الأب له أن يأكل من مال ولده بالمعروف، لكن إيش؟ لا يتعدى، لا يتعدى. طيب وذكر بعض الفقهاء لذلك شروط ستة شروط. ذكر الفقهاء لجواز أخذ الوالد من مال ولده ستة شروط. أحدها: أن يأخذ ما لا يضره الولد، ولا يحتاجه. أي ولا يحتاجه الولد، يعني قال: لا يحتاجه الولد، كأما يريده لنفسه، أما تعلقت به نفسه، يريده لنفسه. أو مثلا رأس مال يريد أن يضارب به، أن يتجر به، فليس للأب أن يضره بالأخذ منه، لأن حاجته متعلقة به. الثاني: الشرط الثاني، قالوا: أن لا يعطيه لولد آخر، كما تقدم في كلام أصحاب القول الثاني. الثالث: قالوا: أن لا يكون في مرض موت أحدهما، لأنه إذا كان الأب سيكون تاركاً للأولاد، يعني بقية الأولاد الأبناء، والأب ذلك، والمال مال الولد، فيكون فيه معنى من معاني أخذ المال من الولد للولد. طيب وإن كان الولد هو الذي سيموت، فيكون أخذ من التركة، وحق الأب من التركة، إن كان له أولاد. أي الولد إنما مات، كان السدس. واضح، جماعة، فإذن قالوا: اشترطوا أن لا يكون في مرض موت، لا هذا ولا ذاك، لأن في مرض الموت يكون حكمهم حكم ماذا؟ المال يكون معلقاً بالغير. المال يكون معلقاً بالغير، يعني الأب ماله معلق يكون بالأولاد، والولد إن كان له أولاد، يكون ماله متعلقاً بماذا؟ بحق أولاده وغيره من الورثة. طيب الشرط الرابع، قالوا: أن لا يكون الأب كافراً، والإبن مسلماً. يعني الأب إذا كان كافراً، يقال: لا يأخذ، ليس له أن يأخذ من مال ولده. قالوا: يستدلون على ذلك بقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا جَعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾. قالوا: فإن كان العكس، فإن كان العكس، ذكر خلاف، شيخ الإسلام رحمه الله يقول: أوجه أنه كذلك لا يأخذ. والشيخ العثيمين رحمه الله يستظهر أن للأب أن يأخذ، لقوة الدين، وكذلك ماذا؟ للحديث. واضح، جماعة، لا مانع، وهذا الأظهر، لا مانع من أخذ الأب المسلم من ولده الكافر، لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت ومالك لأبيك». «أنت ومالك لأبيك». إلا أن يكون سبباً لتنفيره عن الإسلام، وعدم دعوته للإسلام، فها هنا يترك، لما يترتب عليه من المفاسد. واضح. طيب الشرط الخامس، قالوا: أن يكون عيناً موجودة. أي المال، أن يكون عيناً موجودة. أما إذا كانت غائبة، كانت مرة معنا في مسألة مضت، فلا. غائبة أو ستأتي أو ما شابه ذلك، فلا، لأنها لم تدخل في ملك الولد، لم تدخل في ملك الولد، أو كانت غائبة معلقة بماذا؟ بغيرها من الحقوق. السادس: قالوا: يملكها أو يملك ما يأخذه من مال الولد بقبض مع قول ونية. بمعنى إذا قبضها دون قول يدل عليه، ولا فعل على الصحيح يدل عليه، ونية، فإنه ماذا؟ فإنه يكون غير معتبر، يكون كأنه استعار من ولده شيئاً من المال، فلا يتملكه. واضح، هذا جماعة، ما يعني بمعنى: إذا مات الأب، أخذ من ولده شيئاً، ثم مات، هل يقال: أن هذا قد أخذه الأب، وما كان للأب، فهو ملكاً له، فليس لك الرجوع؟ الجواب ماذا؟ يقول الفقهاء: قال الفقهاء: إذا أخذه ولم يتملكه، لم يتملكه ماذا؟ الأب، وإنما أخذه مثلا استعارة، أو أخذه يقول: ما الولد؟ سأستخدمه، مال ولد، من ماله، لا لأنه يتملكه لنفسه. واضح، هذا جماعة، فيقولون: يبقى على ماذا؟ يبقى على الأصل، أن المال للولد. بمعنى إن مات الأب، وهو كان يستعمل مال ولد، وما عندنا قرينة أو دليل يدل على أنه أراد به التمليك، أن يتملكه لنفسه، فإن للولد أن يسترجعه. واضح، هذا جماعة، فلا يكون تركه لبقية الأبناء. طيب هذا معنى كلام الفقهاء رحمهم الله ممن قال بهذا القول. أي اختار هذا القول، هم حنابلة كما سمعتم. وذكر يعني هذه الشروط ذكرها غير واحد، ومنهم الشيخ عبد الله بن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، كما في الدرر السنية. وقال: وعليه الفتوى. أي هذا القول عليه الفتوى بهذه الشروط المذكورة. الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى في كتاب نيل الأوطار، قال: هو يتكلم على حديث: «أنت ومالك لأبيك». قال: يدل على أن الرجل مشارك لولده في ماله، مشارك لولده في ماله. فيجوز له الأكل منه، سواء أذن الولد أو لم يأذن. فيجوز له أيضاً يتصرف به كما يتصرف بماله، ما لم يكن ذلك على وجه الإسراف والسفه. وفي كلام إمام الشوكاني رحمه الله تعالى إطلاقات، إطلاقات. والأولى أن يقال: الأولى أن يقال: أن الرجل يباح له أن يأخذ مما لولده. أما أن يقال: مشارك لولده، فهذا فيه نظر. فهذا فيه نظر. لماذا؟ لأن الأب لا يصح منه شيء في المعاملات التي هي في مال الولد. يعني فلا يمضي عنه مثلا صلح. واضح، جماعة، ولا يمنعها، ولا يفسخ كذلك ما كان في ملك الولد، مثلا من إماء، ذكاة ملك الولد، من إماء ومثلا وطء، فهذا بإجماع ليس للأب في ذلك شركة، ليس للأب في ذلك شركة. وما شابه ذلك، وما شابه ذلك. فإذن قوله: «مشارك» في توسع. الأولى أن يقال ماذا؟ يدل على أن الرجل يباح له، لأن كما ذكر هو في مسألة معنا، أن اللام للإباحة. واضح، جماعة، لا للتمليك. إذا كانت للتمليك، معناه أنه يملك، فهو مشارك لولده. واضحة، جماعة، أما للإباحة، فإنها معناه أنه يباح له أن يأخذ ما يأخذ من مال ولده، ولكن بماذا؟ لكن بالمعروف. لذا قال رحمه الله: قال: وقد حكى في البحر الإجماع على أنه يجب على الولد الموسر مؤنتا الأبوين المعسرين. هذا بإجماع، لا خلاف، أن الأبوين إذا كانا معسرين، والولد كان موسراً، أنه يجب عليه وجوباً أن ينفق، أن ينفق على الوالدين. وقال رحمه الله الشوكاني: أنت في قول: «أنت ومالك لأبيك». يا ابن رسلان، اللام للإباحة لا للتمليك، وهذا هو الحق. قال: فإن مال الولد لهم، فإن مال الولد لهم، وزكاته عليه، على من؟ على الولد، وهو موروث عنه. أي إن مات. إذن قوله: «يشاركه» إن أراد بأنه له أن ينتفع به، فنعم. واضح، جماعة، لكن بالمعروف. وأما إن أراد أنه يشاركه له معنى الشركة بمعنى أنه يشاركه في الزكاة، يشاركه في الميراث، هذا فيه نظر، ليس بصواب. لذا قلنا: أن العبارة فيها إطلاقات، العبارة فيها إطلاقات. والصواب ما ذكر، والله أعلى وأعلم، بأن يقال: أن للأب يباح للأب أن يأخذ مما لولده بالمعروف، من غير تعد ولا إسراف ولا سفه، بالشروط المذكورة، بالشروط المذكورة. والله أعلى وأعلم. طيب ننتقل إلى الأحاديث الأخرى. قال الإمام عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر على شطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع. وهذا الحديث يعني الحديث، عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قد مضى بحمد الله جل وعلا الكلام على مسائله. والكلام على مسائل، وهو أنه يجوز للإنسان أن يعامل غيره في الأرض، أن يعامل غيره في الأرض، بنسبة معينة مشاعة، بنسبة معينة مشاعة. فالنبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر على شطر ما يخرج منها من ثمر، إن كانت الأشجار مثمرة، أو من زرع، إن كانت زروعاً. واضح، جماعة. فالحديث فيه من الفوائد، إلى جانب ما تقدم، فيه جواز معاملة أهل الكتاب، جواز معاملة أهل الكتاب. وكذلك فيه أن الإنسان إذا دخل في هذه الأنواع من المعاملات والتجارات، فإنه فإن الواجب فيه أن يكون في أمور وشروط معروفة مضبوطة، في أمور وشروط معروفة مضبوطة. وذلك لقوله: «عامل أهل خيبر على شطر ما يخرج منها من ثمر أو ماذا؟ أو زرع». فيدلنا على ماذا؟ على أن الأمور والعقود لا بد أن تكون واضحة، وأن تكون منضبطة، بحيث لا يقع عليها خلاف ولا نزاع. وأيضاً في قوله: أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر على شطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، فيه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كان يتعامل بهذه المعاملات، أي بمسائل البيوع. وهذا كغيره من الأنبياء، كغير من الأنبياء، كانوا يتعاملون بالبيع والشراء. لكن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ما كان يخرج من خيبر، فيجعله في نفقة أهله، كان يجعل منه في نفقة أهله، وما زاد على ذلك، جعله في سبيل الله، وما زاد على ذلك، جعله في سبيل الله عز وجل. وأيضاً كما تقدم معنا من شروط الشركات في هذا النوع، أن يكون في أمر مشاع، أن يكون في نسبة مشاعة، لا يقال مثلا: أن تعمل بشرط أن تخرج ثلاثين صاعاً لي، والباقي لك، أو ما شابه ذلك. أو الأرض الجنوبية لي، والشمالية لك، لا. يقول: بالثلث، بالربع، بالنصف، بالخمس، بالثلثين، أو ما شابه ذلك من النسب المشاعة، قلت أو كثرت. طيب هذا بعض ما يذكر، وقد تقدم الكلام كما ذكر عن هذه المسألة بحمد الله جل وعلا عن مسائل مزارعة. طيب قال: عن رافع بن خديج رضي الله عنه، قال: كنا أكثر الأنصار نخلا، أو قال: حقلا. كنا أكثر الأنصار حقلا. قال: كنا نكري الأرض على أن لنا هذه، ولهم هذه. فربما أخرجت هذه، ولم تخرج، ولم تخرج هذه. فنهانا عن ذلك، وأمر. وأما الورق، فلم ينهنا. وكذلك حديث رافع بن خديج رضي الله تعالى عنه وأرضاه، تقدم الكلام عليه. وفيه كذلك مسائل، جملة تقدم. وذكر قوله: «كنا أكثر الأنصار حقلا». فيه جواز أن يخبر الإنسان عن حاله، وعما فتح الله جل وعلا عليه من الرزق. فقوله: «كنا أكثر الأنصار حقلا»، يدل على أنهم كانوا من ممن فتح الله جل وعلا عليه في الرزق. وقوله: قال: «كنا نكري الأرض على أن لنا هذه، ولهم هذه». فربما أخرجت هذه، ولم تخرج هذه، إلى آخر الحديث، جواز في إطلاق الكراء على هذا النوع من المعاملة، في إطلاق الكراء على هذا النوع من المعاملة. وهو بمعنى ماذا؟ الإجارة، بمعنى الإجارة، لكن إجارة بماذا؟ بشيء معين، لا شيء مشاع، بشيء معين، لا شيء مشاع. لذا قال: «على أن لنا هذه، ولهم هذه». أي لنا مثلا الأرض الجنوبية، ولهم الشمالية، أو لنا الشرقية، ولهم الغربية، أو لنا التي في مداخل المياه، ولهم التي على بعد، ما شابه ذلك. وقوله: «فربما أخرجت هذه، ولم تخرج هذه». يدلنا على أن هذه المعاملات مما كان يتعامل بها أهل الجاهلية من قبل، ومن أسلم، كان يتعامل بهذه، حتى بين الشرع الحكم في هذه المسألة. وهذا يدلنا على أن الأصل في المعاملات الحل، على أن الأصل في المعاملات الحل، حتى يأتي الدليل المانع. وقوله: «فنهانا عن ذلك». أي جاء النهي، أي نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذه المعاملة. والشرع إذا نهى عن معاملة ما، فإنه ينهى عنها، إما لأنها ضرر في ذاتها، أو لما ترتب عليها. وهذه فيها ضرر، باعتبار ما ترتب عليها من الظلم، فيها معنى من معاني الظلم، والغرر، والجهالة، والغرم. لأنه قد يربح، وقد لا يربح، قد تخرج اليمين، ولا تخرج الشمال، والجنوبية ولا تخرج الشمالية، والعكس، فيكون حال كحال ماذا؟ كحال الميسر، أي متعامل بالميسر، إما أن يربح، وإما أن يخسر. والقاعدة عند العلماء: أن كل معاملة كانت بين الغرم والغنم، فهي من الميسر، وهي حرام. بخلاف المعاملة التي بين الغنم والسلامة، بين الغنم والسلامة، فإنها مباحة، فإنها مباحة. طيب وقوله: «وأما الورق». أي الفضة. «فلم ينهنا». ففيه جواز استكراء الأرض بالورق، سواء كان من الفضة، أو ما كان في معناها من العملات، أو العروض، أو ما شابه ذلك. واضح، هذا الجماعة. بمعنى إنسان إذا كان عنده أرض، فلو أن يكري أرضه بمال، يقول له: سأكري عليك أو سأجر لك الأرض لمدة عام، أو عامين، أو ثلاثة أعوام، أو أكثر، أو أقل، وكل عام أريد منك مثلاً ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم، أو في هذه الأيام مثلاً يقول له: أريد منك باليمني مثلاً بالسنة مليون، لك أنت أرضه كبيرة، أو خمسمائة ألف، أو مئة ألف، المهم على ما يتفقان عليه، هذا جائز، هذا جائز. لقوله: «وأما الورق، فلم ينهنا». فدل على أنه ماذا؟ على الإباحة، يدل على الإباحة. وفيه أيضاً في قوله: «وأما الورق فلم ينهنا». يدلنا أيضاً على القاعدة التي ذكرناها قبل، وهي أن الأصل في المعاملات الإباحة، ما لم ينه عنها الشرع. واضح؟ طيب قوله: «ولمسلم عن حنظلة بن قيس، قال: سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والورق، فقال: لا بأس به». إنما كان الناس يؤاجرون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بما على الماذيانات وأقبال الجداول، وأشياء من الزرع. قال: فيهلك هذا، ويسلم هذا، ويسلم هذا، ويهلك هذا. فلم يكن للناس كراء إلا هذا. أي كانت هذه المعاملة كما سمعتم، كانت في الجاهلية، واستمرت في الإسلام، حتى جاء الشرع بماذا؟ بالنهي عنها. قال: «فلذلك زجر عنه». فأما شيء معلوم مضمون، فلا بأس به. أما شيء معلوم مضمون، فماذا؟ فلا بأس به. شيء معلوم مضمون، مثل ماذا؟ مثل كراء بالدراهم، أو الدنانير، أو بالشيء المشاع، بالشيء المشاع، بنسبة المشاع، الثلث، الربع، النصف، أو ما شابه ذلك، فإنه جائز. ويدل على جوازه حديث ابن عمر: «عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر على الشطر». طيب يا جماعة، وأما الدراهم والدنانير، فيدل عليه هذا الحديث، حديث رافع بن خديج. قال: «فأما شيء معلوم مضمون، فلا بأس». قال: «الماذيانات» أي الأنهار كبار. والجدول نهر صغير، نهر صغير. أي كانوا يتعاملون على أن من كان عند النهر كبير، فهو لي، وما كان مثلا في الجدول الصغير، فهو ماذا؟ فهو لك. أو الأرض الشرقية لي، والغربية لك، أو ما شابه ذلك من المعاملات التي لا يخلو فيها من معنى من معاني الظلم والجور. وكذا كما تقدم، فيه معنى من معاني الغرر والقمار. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. شكراً.