كتاب البيوع 14

الدرس في كتاب البيوع 14، ألقاها

تحريم التصرية وشرح الحديث النبوي

يشرح المقطع حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول تحريم التصرية ومعناها واشتقاقها. التصرية هي جمع اللبن في ضرع الإبل أو الغنم لزيادة ثمنها عند البيع.

حكم التصرية وبيع المصرة وتفاصيله

التصرية محرمة بسبب الغش والخديعة، وبيع المصرة صحيح مع إثم البائع إذا كان عالما. الجمهور يجيز التصرية لغير البيع بينما يمنعها بعض الشافعية.

تطبيق حكم التصرية على البقر

الجمهور يرى شمول حكم التصرية للبقر مع الإبل والغنم، بينما يرى داود الظاهري قصر الحكم على الإبل والغنم فقط كما في الحديث.

خاتمة وذكر الله تعالى

المقطع يختم بذكر الله تعالى وتسبيحه والاستغفار منه، حيث يتضمن التسبيح والحمد والإقرار بوحدانية الله والاستغفار والتوبة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في حديثه عن أبي هريرة السابق: «ولا تصر الإبل، ولا تصر الإبل والغنم». ولا تصر الإبل والغنم هو بضم التاء وفتح الصاد، «لا تصر» ونصب الإبل من التصرية. «لا تصر الإبل والغنم» من التصرية، وهي الجامع. يقال: صر يسري تصرية، وصراها يسريها تصرية فهي مصرة. يقال: صر يسري يسريه، وصراها يسريها تصرية فهي مصرة، كغشاها يغشيها تغشية فهي مغشاة، وزكاها يزكيها تزكية فهي مزكاة. قال النووي رحمه الله تعالى: قال القاضي: ورويناه في غير صحيح مسلم عن بعضهم «لا تصر» بفتح التاء وضم الصاد من الصر. قالوا: عن بعضهم «لا تصر» أو «لا تصر» من تصر بغير واو بعد الراء، وبرفع الإبل على ما لم يسمى فاعله من الصر أيضًا، وهو ربط أخلافها. وهو ربط أخلاف الإبل والغنم. قال: وهو الصواب المشهور. قال النووي رحمه الله: والأول هو الصواب المشهور، ومعناه: لا تجمع اللبن في ضرعها عند إرادة بيعها حتى يعظم ضرعها، فيظن المشتري أن كثرة لبنها عادة لها مستمرة. ومنه قول العرب: صريت الماء في الحوض، أي جمعته. وصر الماء في ظهره، أي حبسته. قال الخطابي رحمه الله: اختلف العلماء وأهل اللغة في تفسير المصراه، وفي اشتقاقها. فقال الشافعي: التصرية أن يربط أخلاف الناقة أو الشاة، ويترك حلبها اليومين والثلاثة حتى يجمع لبنها، فيزيد مشتريها في ثمنها بسبب ذلك، لظنه أنها عادة لها. وقال أبو عبيد: هو من صر اللبن في ضرعها، أي حقنه فيه. وأصل التصرية الحبس. قال: ولو كانت من الرض، لكانت مصرورة أو مصررة. يعني في كلام أبي عبيد انتقاد على ما ذكره الشافعي رحمه الله تعالى من حيث اللغة. قال الخطابي رحمه الله: وقول أبي عبيد حسن، وقول الشافعي صحيح. كيف حسن وصحيح؟ معناه: أن من حيث الحسن والجودة كلام أبي عبيد، ومن حيث الصحة كلام الشافعي كذلك صحيح، أي ليس بضعيف، بل يجوز أن يقال: ما قاله الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: أن التصرية أن يربط أخلافها، لا أن يحبس. أو التصرية بمعنى أن يربط، ولا مانع أن يكون كذلك بمعنى الحبس. قال: والعرب تصر ضروع المحلوبات. يعني العرب تقول: تصر ضروع المحلوبات. تذل صحة قول الشافعي. بقول العرب: لا يحسن الكره، وإنما يحسن الحلب والصر. وبقول مالك بن أنس: فقلت لقوم: هذه صدقاتكم مصررة أخلافها لم تجرد، أي مربوطة أخلافها. والحاصل من هذا أن التصرية من حيث اللغة تطلق على المعنيين: على معنى الحبس، حبس اللبن في ضرع الشاة أو الإبل أو غيرها. ويطلق كذلك على ربط أخلاف الناقة أو الشاة لأجل ماذا؟ لأجل حبس اللبن حتى تظهر الناقة أو الشاة بأنها حافل، أي عندها لبن كثير. وإنما هو لبن محبوس حبسه صاحبها لأجل أن يغري المشتري فيزيد في سعرها، ظنًا منه أن هذه هي عادة هذه الشاة أو تلك الإبل. فالحاصل: أن فيه معنى من معاني الغش والخداع. فيه معنى من معاني الغش والخداع. فما حكم التصرية إذن؟ مسألة: ما حكم التصرية لأجل البيع؟ قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى في شرح العمدة: لا خلاف أن التصرية حرام لأجل الغش والخديعة التي فيها للمشترين. قال: والنهي يدل عليه. مع عدم تحريم الخديعة قطعًا من الشرع. يعني أنه من الخديعة، والخديعة محرمة قطعًا من الشرع. فالحاصل أنه محرم. وذهب الجمهور إلى جواز التصرية لا لأجل البيع. وذهب بعض الشافعية إلى المنع. أخذ بعموم الحديث. وأيضًا عللوا ذلك فقالوا: ولأن فيه إيذاءً للحيوان. أن الحيوان إذا ربطت أخلافها الإبل أو الغنم، فإن فيه أذية لها. والصحيح قول الجمهور. ودليلهم ما رواه النسائي بإسناد الصحيح: أن أبا هريرة مرفوعًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تصر الإبل أو لا تصر الإبل والغنم» للبيع. وفي رواية أخرى له: إذا باع أحدكم الشاة أو اللقحة، فلا يحفلها. فقيد النهي بما إذا كان للبيع. فما كان لغير البيع فإنه جائز؛ لأنه ليس داخلًا في النهي. قالوا: من حيث النظر يدل عليه تعليل الأكثرين بالتدليس. يعني أكثر العلماء عللوا الحكم في النهي عن بيع تصريات الإبل والغنم بأن فيه تدليسًا وغشًا. والرجل إذا حبس لبن إبل أو غنم لنفسه، هل يكون فيه غش لنفسه؟ ليس فيه هذا المعنى. فإذا لم يكن فيه هذا المعنى، لم يكن فيه معنى النهي. وأجابوا عن التعليل بالإيذاء: بأنه ضرر يسير لا يستمر، فيغتفر لتحصيل منفعة. أي كونه يحصل ضرر للحيوان. قالوا: هذا ضرر يسير، ولا يستمر، فيغتفر لتحصيل المنفعة في مقابل المنفعة الحاصلة لمالكها. والغالب أن مالكها لن يؤذيها، وإنما يعمل شيئًا كما يقال: تكون فيه منفعة له، وليس فيه إضرار بماله من الغنم أو الإبل أو غيرها. مسألة: ما حكم بيع مصرة؟ أي إذا وقع البيع فما حكمه؟ والجواب: أن البيع صحيح، مع الإثم على البائع إن كان عالما عامدا. البيع صحيح، ويثبت الخيار للمشتري. للحديث في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فمن ابتاعها فهو بخير النظرين». فمن ابتاعها، أي اشتراها، فهو بخير النظرين: إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها وصاع من تمر. قالوا: فثبوت الخيار للمشتري يدل على صحة ذلك البيع. هذا الخيار ثابت للمشتري فحسب دون البائع. هذا الخيار إنما هو حق للمشتري، أما البائع فليس له حق. مثال ذلك: رجل اشترى شاة محفلة، أخذها إلى البيت، حلبها. جاء اليوم الثاني ينظر: ما في لبن أو لبن يسير. يقول: إن شاء الله غدًا لعله يحلب. يأتي اليوم الثاني: ما في. يعلم أنها محفلة، وأنها إنما صرية. له أن يمسكها على هذه الحال إن عجبته، وله أن يردها وصاع من تمر. لكن هل للبائع أن يقول: أنا يا أخي خدعتك، وأنا نادم. خلاص، ما دام أنت في مدة الخيار، أنا أتراجع عن بيعتك؟ ليس له ذلك. ليس له أن يفسخ البيع في مدة الخيار، وإنما الخيار من حق المشتري. مسألة أخرى: هل حكم التصرية خاص بالإبل والغنم أم يتعداه إلى البقر؟ لأن الحديث جاء فيه: «لا تصر الإبل والغنم». فهل يلحق بهم البقر أم لا؟ الجمهور على الإلحاق. أي بأن البقر تلحق بالغنم؛ لأن المعنى هو المعنى. أي العلة هي العلة. فيلحق الحكم بالحكم؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. فالعلة موجودة ها هنا فيدور الحكم معها. وقال بقولهم أيضًا إمام ابن حزم الظاهري. وذهب داود الظاهري إلى عدم تعدي الحكم إلى البقر. أي بقي على ظاهر النص. ما دام أن النبي صلى الله عليه وسلم حده بالغنم والإبل، إذن يقصر عليه. والصحيح قول الجمهور. واستدل الجمهور على قولهم من حيث الأثر: بالحديث في قولهم: «من اشترى مصرة». جاء في بعض ألفاظ الحديث: «من اشترى مصرة» فهو بخير النظرين. وهذا نفض عام، أي لم يحدد إبلًا أو غنمًا أو ما شابه ذلك. وجاء في بعض ألفاظه أنه ذكر الإبل والغنم. وكما ذكر العلماء رحمه الله تعالى: عنده العلم في هذا الباب: أن المقيد أو العام الخاص يحمل على العام. والمطلق يحمل على المقيد. لكن الجمهور يجعلون هذا الباب ليس من هذا الباب، وإنما هو من باب ذكر بعض ألفاظ العام لا يعني تخصيصًا. يقولون: فإنما ذكر الإبل والغنم على سبيل ذكر بعض أفراد العام لا على سبيل التخصيص. وأيضًا يستدلوا من حيث النظر: فإنهم قالوا: يشتركون في المعنى. أي تصرية الإبل والغنم وتصرية البقر يشتركون في المعنى. والشرع لا يفرق بين مشترك، ولا يجمع بين مفترق. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليه.

شاركنا على