الجواب الكافي 68

الدرس في الجواب الكافي 68، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

أثر المعاصي في محق بركة العمر ونقصانه

يناقش المقطع كيف تمحق المعاصي بركة العمر وتقلل حقيقته، مستعرضاً أقوال العلماء في أن الذنوب تنقص العمر كما تنقص الرزق. ويؤكد أن الحياة الحقيقية هي حياة القلب بالإقبال على الله، فالمعاصي تضيع أوقات العمر الحقيقية وتعسر طريق الخير.

آثار الطاعات والمعاصي على الأعمار والأرزاق والأبدان والبركة فيهما

يوضح المقطع أن الطاعات تجلب البركة في العمر والرزق والبدن بينما المعاصي تمحقها، مستشهداً بحديث صلة الرحم ومثال قيام ليلة القدر. ويناقش أقوال العلماء في حقيقة الزيادة في العمر وهل هي بركة في الوقت أم زيادة حقيقية.

البركة في العمر والرزق وعلاقتها بالطاعة العملية ونماذج السلف

يشرح المقطع مظاهر البركة في العمر بإنجاز أعمال كثيرة في وقت قصير كما فعل أبو بكر الصديق والعلماء، وفي الرزق بكفاية القليل مع القناعة. ويؤكد أن سبب هذه البركات هو الطاعة والعمل الصالح المتواصل.

ختام الدرس والدعاء للنبي ﷺ

يعلن المتحدث انتهاء وقت الدرس مستعيناً بالله على ما مضى، ويختتم بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

  • 26 جمادى الأولى 1434هـ - 06/04/2013مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فيقول إمام القيم رحمه الله تعالى في كتابه "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي": قال رحمه الله تعالى: "ومنها أن المعاصي تقصر العمر وتمحق بركته، ولابد؛ فإن البر كما يزيد في العمر فالفجور ينقصه". وقد اختلف الناس في هذا الموضع، فقال طائفة: عمر العاصي هو ذهاب بركة عمره ومحقها عليه، وهذا حق وهو بعض تأثير المعاصي. وقال طائفة: بل تنقصه حقيقة كما تنقص الرزق، فجعل الله سبحانه للبركة في الرزق أسباباً كثيرة تكثره وتزيده، وللبركة في العمر أسباب تكثره وتزيده. قالوا: لا تمنع زيادة العمر بأسباب كما ينقص بأسباب، فالأرزاق والآجال والسعادة والشقاوة والصحة والمرض والغنى والفقر، وإن كانت بقضاء الله عز وجل، فهو يقضي ما يشاء بأسباب جعلها موجبة لمسبّباتها مقتضية لها. وقال طائفة أخرى: تأثير المعاصي في محق العمر إنما هو بأن تفوته حقيقة الحياة، وهي حياة القلب، ولهذا جعل الله سبحانه الكافر ميتاً غير حي، كما قال تعالى: ﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾، فالحياة في الحقيقة حياة القلب، وعمر الإنسان مدة حياته، فليس عمره إلا أوقات حياته بالله، فتلك الساعات عمره، والتقوى والطاعة تزيد في هذه الأوقات التي هي حقيقة عمره، ولا عمر له سواه. وبالجملة، إذا أعرض العبد عن الله واشتغل بالمعاصي ضاعت عليه أيام حياته الحقيقية التي يجد غب إضاعتها يوم يقول: ﴿ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾، فلا يخلو إما أن يكون له مع ذلك تطلع إلى مصالحه الدنيوية والأخروية أو لا. فإن لم يكن له تطلع إلى ذلك فقد ضاع عليه عمره كله وذهبت حياته باطلاً، وإن كان له تطلع إلى ذلك طالت عليه الطريق بسبب العوائق وتعسرت عليه أسباب الخير بحسب اشتغاله بأضدادها، وذلك نقصان حقيقي من عمره. سر المسألة أن عمر الإنسان مدة حياته، ولا حياة له إلا بإقباله على ربه والتنعم بحبه وذكره وإيثار مرضاته. ذكر رحمه الله تعالى في هذا الموضع هذه الآثار السيئة من آثار الذنوب والمعاصي، فذكر رحمه الله تعالى أن من آثار الذنوب والمعاصي محق بركة العمر، فالمعاصي سبب لمحق البركة في العمر، فالله جل وعلا يعاقب العاصي بمحق بركته في عمره، وكل ذلك بقضائه جل وعلا وقدره، كما يجازي جل وعلا الجزاء العاجل في الدنيا قبل الآخرة، يجازي الطائع بزيادة البركة في عمره، لأن الطاعات سبب لزيادة البركة في الأعمار وفي الأرزاق وفي الأموال وفي الأبدان، كل ذلك من آثار الطاعات، والمعاصي لها آثار سيئة تمحق هذه البركات، تمحق البركة في الأموال، وتمحق البركة في الأبدان، وتمحق البركة في الأرزاق، فهي ضد الطاعات. فذكر رحمه الله تعالى أنه كما أن البر والطاعة والعمل الصالح يزيد في العمر فالفجور ينقصه، أي ينقص هذا العمر. وقد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام، وجاء في الحديث كما رواه أنس وغيره، قال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»، وهذا مثال للطاعة، وأنها سبب في البركة في الأرزاق وفي الأعمار، صلة للأرحام سبب للبركة في الأعمار، وهكذا سبب للبركة في الأرزاق كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. وذكر رحمه الله أقوال أهل العلم في هذه المسألة: هل معناه أن الطاعة إذا عملها العبد تزيد في عمره حقيقة، أو أن المراد بهذه الزيادة البركة فقط، بأن يجد البركة في هذا العمر، فيعيش مثلاً ستين سنة لكن يبارك له في هذا العمر، فيعمل أعمالاً كأنه عاش ألف سنة، لأنه عاش ألف سنة لأن الله جل وعلا بارك له في هذا العمر حيث استغله في طاعة الله جل وعلا، فوفقه الله سبحانه وتعالى إلى هذا الخير العظيم، كأنه لم يعش ستين سنة وإنما كأنما عاش آلاف السنين. وتأمل فضل قيام ليلة القدر، فضل قيام ليلة القدر كما قال جل وعلا: ﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾، خير من عمل ألف شهر ليس فيه ليلة القدر. إذا قام الإنسان ليلة القدر طيلة حياته كلها، احسب كم يكون قد عاش من السنين، كل حياته ما تأتي سنة إلا وهو يقيم ليلة القدر، كما ذكر بعض العلم ما يقارب 83 سنة، كأنه عاش 83 سنة في كل سنة، فإذا عاش 60 سنة، 60 في 83 يضرب بالآلة، وإذا كنت ما شاء الله من حفاظ جدول الضرب فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. فالشاهد أن الله جل وعلا، ومن أهل العلم من يقول: البركة في العمر ليس معناه أنه لو لم يعمل هذه الطاعات لكان عمره مثلاً 40، لكن بالطاعات انتقل العمر إلى 60، فصارت الزيادة حقيقية في العمر، لو لم يعمل الطاعة لما عاش 60 سنة، وهو إنما مقدر له إذا لم يعمل الطاعة إنما يعيش 40 سنة فقط، هذا قول لأهل العلم. قالوا: المراد البركة في العمر، عاش 30 لكن هو كعمر من عاش 100. الحافظ الحكمي رحمه الله تعالى مات صغيراً، مات قبل الأربعين، وإذا نظرت في كتب هذا العالم كأنه عاش مئة سنة أو أكثر لما بسط من علم غزير في هذه الأمة كعلم الأئمة أو قريب من علمهم. الإمام النووي رحمه الله تعالى، انظروا نفع الأمة بهذا الإمام رحمه الله تعالى مع أنه مات في الأربعين أو أكثر أو أقل في هذا الحد، لكن بارك الله جل وعلا لهم في أعمارهم. فالبركة في العمر في الانتفاع به في طاعة الله جل وعلا. أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، في يومه وليلته يجمع بين أعمال كثيرة، بين صلاة وصيام واتباع جنازة وشهود جنازة وعيادة مريض، بركة، فهذا شيء ظاهر في جعل البركة في الأعمار، في توفيق العبد لاستغلال هذه الساعات في طاعة الله سبحانه وتعالى، مع أنه عاش كذا وكذا من السنين، لكن لما جعل الله جل وعلا من البركة في هذا العمر كأنه عاش الكثير من السنين. وهكذا في الرزق، كذلك شيء ظاهر، البركة في الرزق: من الناس من عنده الشيء القليل من المال أو الطعام أو غير ذلك، ومع هذا يبارك جل وعلا في هذا الرزق وهو قليل لكن فيه بركة، حتى يتعجب ربما بعض الناس: كيف يعيش هذا؟ كيف يعيش هذا؟ ومن أين يأكل؟ ومن أين كذا؟ وكيف يلبس؟ وكيف يتعجبون من حاله؟ حق المحل تعجب لما يرون من حاله، ليس بذاك الذي يتقاضى المرتبات العالية أو كذا وكذا، ومع هذا يجدونه تمر عليه الأيام ولا يسمعون عنه شيئاً، يعني الأمور ماشية، وربما عنده الشيء القليل، الطعام أو الملبس، إنها البركة، البركة في هذا الرزق. ما سبب هذه البركة؟ الطاعة، سبب هذه البركات الطاعات، فالطاعات سبب للبركة في الأرزاق. بعض الناس يتقاضى مئات الآلاف، مئات ألف أو أكثر، لا ما فيه بركة، ما فيها بركة، وآخر بما يتقاضى ثلاثين أو عشرين أو أقل، ومع هذا يبارك جل وعلا له في ذلك، لا يقل، لماذا هذا المال فيه بركة وهو عشرون أو ثلاثون أو أربعون، وهذا ما فيه بركة وهو مئة ألف أو أكثر؟ ما السبب؟ السبب الطاعة، طاعات هذا الشخص كانت سبباً في جعل هذه البركة له من الله جل وعلا في ماله وفي رزقه، فهذا واضح إن شاء الله. وقد انقضى من النظر الساعة، فقد مر الوقت، الله المستعان. صلى الله وسلم وبارك على النبي محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.