الدرس في الجواب الكافي 39، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يشرح الحديث النبوي أن نيل الإيمان دليل على محبة الله للعبد، ويحذر من الاغترار بنعم الله أو ستره أو ثناء الناس. يُبين أن الله يعطي الدنيا لمن يحب ومن لا يحب، بينما الإيمان لا يعطيه إلا لمن يحب.
يُنبه على خطر الاغترار بثناء الناس وبالدنيا، حيث قد يؤدي ذلك إلى التهاون في الطاعات والانغماس في الذنوب. يُحذر من تفضيل الدنيا على الآخرة والرضا بها بديلاً عنها.
يُنبه إلى خطورة تفضيل الدنيا الفانية على الآخرة الباقية، ويستدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يبين قصر الدنيا مقارنة بالآخرة. يشير إلى أن الكثيرين يغترون بالدنيا ويستعجلون العاجل على حساب الآجل.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله عليه وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: وفي جامع الترمذي عنه صلى الله عليه وآله وسلم «إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب». وهذا الحديث قد جاء عند أحمد أيضا من حديث عبد الله بن عمر، وكذلك هو في الأدب المفرد للبخاري رحمه الله، صحح العلامة الألباني أنه موقوف في حكم المرفوع. والحديث فيه بيان الميزان، وفيه البرهان الذي يدل على محبة الله للعبد، وهو أن يعطيه الإيمان والدين، فمن أعطاه الله جل وعلا الإيمان وأعطاه الدين وأعطاه التقوى والإحسان، فهذا دليل على أن الله جل وعلا يحبه، بغض النظر عنده مال أم لا، غني أو فقير، فهذا لا يدل على محبة الله الغنى أو الفقر، لأن الدنيا يعطيها الله من أحب ومن لم يحب، لكن لا يعطي الدين والإيمان إلا من يحب. فإذا أعطاك الله جل وعلا يا عبد الله الإيمان والدين، فأحمد الله عز وجل وأعلم أن هذا من محبة الله جل وعلا لك، ولو كنت أفقر الناس. وكما تقدم، من الناس من ينعم الله جل وعلا به الأموال وهو قائم على معصية الله، وهذا استدراج كما تقدم معنا. قال رحمه الله تعالى: وقال بعض السلف: «رب مستدرج بنعم الله عليه وهو لا يعلم، ورب مغرور بستر الله عليه، ورب مفتون بثناء الناس عليه وهو لا يعلم». وهذا واضح في أن كثيرا من الناس يغترون بما أنعم الله جل وعلا به عليهم، قد جهلوا ولم يعلموا أن هذا من باب الاستدراج. فكم من مستدرج بنعم الله عليه، عنده من الأموال وعنده من الدور والقصور، ولكن عنده قصور، أعطاه الله القصور ولكن هو مقصر، فهذا مستدرج مسكين وهو لا يعلم، ومغرور بما أنعم الله به عليه، قد جهل أن هذا من باب الاستدراج وهو لا يعلم. وهكذا رب مغرور بستر الله عليه وهو لا يعلم، كم من الناس من سترهم الله عز وجل، سترهم عندهم من المخالفات وعندهم من انتهاك حرمات الله جل وعلا، والله جل وعلا يسترهم ولا يفضحهم، يسترهم ولا يفضحهم، وهو مغتر بهذا، مغتر ويصر على ما هو عليه، فيغتر بستر الله جل وعلا عليه. وكان الواجب أن يتدارك نفسه، فما دام أن الله جل وعلا ستره عليه، كان عليه أن يبادر بالتوبة، لأنه لا يأمن مكر الله جل وعلا إذا ستره هذه المرة ولم يفضحه، فلا يأمن على نفسه المرة الأخرى أن يفعل ما فعل في المرة الأولى فيفضحه الله، لكن هو يفعل ويسره الله، ويفعل المخالفة والذنب ويسره الله، اغتر بكثرة ستر الله الستير عليه، بدلا من أن يدفعه ذلك للإقلاع والرجوع والندم. وكذلك كم من الناس من افتتن بثناء الناس عليه وهو لا يعلم، افتتن بثناء الناس عليه، فلان ابن فلان وفلان وفلان من المدح والثناء، العالم العلامة الفقيه إلى آخر ذلك من الألقاب، يفتتن بذلك وهو لا يعلم أن هذا من الاستدراج. فالحذر الحذر من الافتتان بثناء الناس، لأن من الناس قد بلغ مبلغا في العلم، قد بلغ مبلغا في العلم ومع هذا افتتن بثناء الناس عليه، وكان ثناء الناس عليه سببا في هلاكه وفي سقوطه، والله المستعان. فقد وجد ممن يشار إليهم بالبنان أنهم أعلم الناس مثلا في الحديث، لا يقارنهم أحد في عصره، افتتن بثناء الناس عليه، فربما يقدم له قبل أن يتحدث يقال فلان ابن فلان العالم المشهور الذي مثلا لا يقارنه أحد إلا فلان مثلا، فيقطع الحديث ويقول: وما عنده فلان، فلان ما عنده شيء، سبحان الله، هذا فتنة. قال رحمه الله: فصل الاغترار بالدنيا. قال: وعظم الخلق غرورا من اغتر بالدنيا وعاجلها فآثرها على الآخرة، ورضي بها بديلا من الآخرة، حتى يقول بعض هؤلاء: الدنيا نقد والآخرة نسيئة، والنقد أحسن من النسيئة. ويقول بعضهم: ذرة منقودة ولا درة موعودة. ويقول آخر منهم: لذات الدنيا متيقنة ولذات الآخرة مشكوك فيها، ولا أدع اليقين بالشك. وهذا من أعظم تلبيس الشيطان وتسويله، والبهائم العجم أعقل من هؤلاء، فإن البهيمة إذا خافت مضرة شيء لم تقدم عليه، ولو وهؤلاء يقدم أحدهم على عطب نفسه وهو بين مصدق ومكذب. فإن آمن أحدهم بالله ورسوله ولقائه والجزاء، فهو من أعظم الناس حسرة لأنه أقدم على علم، وإن لم يؤمن بالله ورسوله، فأبعد له. وقول هذا القائل: النقد خير من النسيئة، فجوابه أنه إذا تساوى النقد والنسيئة فالنقد خير، وإن تفاوت وكانت النسيئة أكثر وأفضل فهي خير. فكيف والدنيا كلها من أولها إلى آخرها كنفس واحد من أنفاس الآخرة، كما في مسند الإمام أحمد والترمذي من حديث المستورد بن شداد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما الدنيا في الآخرة إلا كما يدخل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بما يرجع». قال: فإيثار هذا النقد على هذه النسيئة من أعظم الغبن وأقبح الجهل. وإذا كان هذا نسبة الدنيا بمجموعها إلى الآخرة، فما مقدار عمر الإنسان بالنسبة إلى الآخرة؟ فأيما أولى بالعاقل إيثاره العاجل في هذه المدة اليسيرة وحرمان الخير الدائم في الآخرة، أم ترك شيء حقير صغير منقطع عن قرب ليأخذ ما لا قيمة له ولا خطر له ولا نهاية لعدده ولا غاية لأمده. ثم ذكر قول الآخر: وكما سيأتي ذكر في هذا الفصل، رحمة الله تعالى، الاغترار بالدنيا ليحذر من الاغترار بالدنيا، فكثير من الناس اغتروا بهذه الدنيا والعياذ بالله، واستعجلوا العاجل على الآجل، ورضوا بالفاني على الباقي، وآثروا الفاني على الباقي. وكما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: قد آثروا الدنيا ولذة عيشها على الجنات والرضوان، فباعوا الآخرة بالدنيا، وكان عليهم أن يبيعوا الدنيا بالآخرة، لكن عكسوا، باعوا الآخرة بالدنيا، اشتروا الدنيا بالآخرة، وآثروا الدنيا على الآخرة، آثروا الزائل على الباقي، وآثروا الفاني على الباقي، لاغترارهم بهذه الدنيا وزخارفها. رضوا بها، رضوا بالمذلة والهوان بسبب اغترارهم بهذه الدنيا، صاروا يوالون لأجلها ويعادون لأجلها، صداقتهم لأجلها، محبتهم لأجل الدنيا، عداوتهم لأجل الدنيا، اجتماعاتهم لأجل الدنيا، يجتمعون عليها ويفترقون عليها، ويتحابون فيها كل ذلك لأجل الدنيا. يغترون بهذه الدنيا اقترارا عظيما، بل بعضهم لعنه الله العافية، دخل عليه إبليس وجاءه الشيطان وقال له: هذا شيء منقود وذلك شيء موعود، الدنيا منقودة خدها نقدا، الآخرة شيء موعود فلا تضيع المنقود بالموعود، ذرة منقودة ولا درة موعودة. ولك شخص هذه ذرة نقد ولا تريد درة موعودة، ما هو الآن بعد هؤلاء اقترروا بالدنيا، هذا الأول منقود، بعدين خير. وعندنا مثل لعلكم تعلمونه، يقولون: جرادة في يدي خير من عشر فارات، يقولون: جرادة في يدي خير من عشر فارات هذه في يدي الآن، عادل عشر فارات هذه. وهكذا درة منقودة خير من درة موعودة، ونظروا كيف لبس عليه إبليس، يقولون: الدنيا نقد والآخرة نسيئة، والنقد أحسن من نسيئة، خلاص هذا شيء سيعطيك إياه الآن، وذاك مؤجل، فجعلهم يغترون بهذه الدنيا، فلذلك كدحوا لأجلها واغتروا بها، نعوذ بالله من ذلك.