أداء الحقوق  5

أداء الحقوق 5

الدرس في أداء الحقوق 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في حقوق النبي صلى الله عليه وسلم

يبدأ الحديث عن حقوق النبي صلى الله عليه وسلم، مؤكدًا على أهمية تبليغ سنته. يشدد على ضرورة استمرار التبليغ وضبطه بالإتقان والحفظ.

أهمية تبليغ السنة النبوية ونشرها

يؤكد النبي صلى الله عليه وسلم على أهمية تبليغ السنة النبوية لغيره، ويعتبره من أعظم الحقوق. يشجع على نشر السنن بين الناس لتحقيق الرخاء وعموم الهدى.

الدعوة إلى الله في مختلف جوانب الحياة

يشير إلى أن الدعوة إلى الله لا تقتصر على الأماكن العامة، بل تشمل مختلف جوانب الحياة والتفاعل مع الناس. كل فعل ينطوي على تعليم أو تبليغ لأحكام الشريعة يعد دعوة إلى الله.

  • 11 جمادى الآخرة 1434هـ - 21/04/2013مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا، أخواني في الله، في مثل هذا المقام، نتذاكر وإياكم ما يتعلق بأهم الحقوق التي ينبغي على الأمة أن تؤديها لنبيها، صلوات ربي وسلامه عليه. وقد مرت معنا حقوقًا كثيرة، من ذلك المحبة والإجلال والإعظام، وهكذا الطاعة والمتابعة لهديه وسنته. ومن ذلكم التأدب معه، صلوات ربي وسلامه عليه، وهكذا الذب والمنافحة والمدافعة عمن يتطاول على سنته وعلى هديه، صلى الله عليه وسلم. وأخيرًا، كان الكلام حول التحاكم إليها، أي السنة، فنتحاكم إليها في كل أمورنا، فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، فيكون التحاكم في كل شؤوننا وفي كل أنماط حياتنا. وهكذا، إخواني في الله، من الحقوق المتعلقة بنبينا، عليه الصلاة والسلام، وهو الحق السادس، ما يتعلق بتبليغ سنته، التبليغ لهذا الباب العظيم. فنبينا، صلوات ربي وسلامه عليه، أتى بهذه الشرعة العظيمة من رب العالمين، وما ترك سهلًا ولا جبلًا ولا واديًا إلا وعلم الناس وبلغ دين الله جل وعلا، حتى كان في آخر حياته يقول: «اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت، اللهم فاشهد». فقد بلغ الأمانة، صلواته ربي وسلامه عليه. ولا يظن الظان أن بتبليغ نبي لدعوته أن باب التبليغ يقفل أو يلغى، أو أن الواحد منه يكتفي بالذي حصله في صدره، لا، يا عبد الله، بل إن التبليغ ينبغي أن يستمر، التبليغ لدين الله يستمر، وخاصة فيما جاء عن نبينا، عليه الصلاة والسلام. فإن هذا من أعظم الحقوق على أمة النبي، عليه الصلاة والسلام، أنها تبلغ دين الرسول، عليه الصلاة والسلام. وكم هي الأحاديث والآثار المتعلقة بهذا الباب؟ يقول، صلوات ربي وسلامه عليه: «بلغوا عني ولو آية، بلغوا عني ولو آية». لا تظن، يا عبد الله، أن التبليغ لدين الله عز وجل أو التبليغ لسنة الرسول، عليه الصلاة والسلام، أنها تتطلب منك أنها تتحمل التكاليف العديدة أو المعلومات الوفيرة عن نبينا حتى تؤديها. لا، يا عبد الله، ليس الأمر بهذه المشقة، وإنما تبلغ ما يمكنك أن تبلغه، كل ما جاءك عن رسول الله، عليه الصلاة والسلام، من هديه، من سمته في معاملته، في عبادته، في تعبده لربه جل وعلا، فهذا الذي بلغك عن نبينا، عليه الصلاة والسلام. فإن من حق النبي عليك أن تبلغ هذا الدين وهذا الذي تعلمته منه إلى غيرك. «بلغوا عني ولو آية»، انظر ما مقدار الآية، فما ظنك، يا عبد الله، بما هو أعظم منها؟ وهكذا، لكن طبعًا هذا التبليغ، وإن لم يشرط هذا الكم من المعلومات، لكن هناك قيد آخر، وهو أن ينضبط هذا الأداء، أن يكون منضبطًا بالإتقان والحفظ، وأنك تعرف ما الذي تبلغه. قال، عليه الصلاة والسلام: «نظر الله امرأً سمع منا مقالة فوعاها فأداها كما سمعها، ورب مبلغ أوْعَى من سامع». فتأمل، عبد الله، إلى ما الذي نرجوه من هذا المقام، التبليغ للسنة. قال نبينا، صلى الله عليه وسلم: «نظر الله امرأً»، معنى «نظر الله»، قال علماء: هذه دعوة، دعاء من نبينا بالنظارة، أن الله ينظر وجهك، ينور وجهك. وهكذا يقال، علماء: أن لا زالت النظارة في وجوه أهل الحديث، النظارة لا زالت في وجوه أهل الحديث، لبركة هذا الدعاء. دعا نبينا لمن جند نفسه بأن يكون داعيًا للسنة، أن الله يجعل له النظارة في الدنيا، وكذلك له في الآخرة ويوم القيامة. «نظر الله امرأً سمع منا مقالة»، يكفيك، يا عبد الله، أن تؤدي عن نبيك ولو مقالة. وكم هي الواحد منا قد حاز في صدره؟ لا أقول على مقالة ولا مقالات، بل عشرات والمئات والآلاف. أقل واحد من المسلمين يملك الذخيرة الكافية التي به يستقيم أمره ويستقيم دينه، فهذا الذي يبلغ لغيره. فنبينا حث على تبليغ دينه وتبليغ السنة. قال: «نظر الله امرأً سمع منا مقالة فوعاها»، هذا الشرط وهذا القيد ينبغي، يا عبد الله، أنك تكون متثبت مما سمعته، فتؤديه كما سمعته. «فوعاها فأداها كما سمعها»، إذن هذا الذي يطالب بمن يريد أن يبلغ دين الله جل وعلا أن يستحضر مسألة الضبط، يضبط هذا الذي سمعه من نبينا، ويضبطه أثناء ماذا؟ أثناء التلقي وأثناء الأداء. فإن هذا من أهم القيود في هذا، وإلا فباب الدعوة والتبليغ لسنة النبي، عليه الصلاة والسلام، هذا من أعظم الحقوق. ولهذا كان نبينا، عليه الصلاة والسلام، يؤكد على هذا الحق، يؤكد على هذا الحق، كان يأمر الناس ويعلم الناس ويأمرهم كذلك بتبليغ هذا الدين لغيره. في حجة الوداع، عندما قام، عليه الصلاة والسلام، أمام الآلاف من أصحابه في يوم النحر، خطب فيهم خطبة، أي يوم هذا؟ أي شهر هذا؟ أي مكان هذا؟ ثم قال: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا»، ثم قال: «فليبلغ الشاهد منكم الغائب». إذن هذا الذي سمعتموه والذي فهمتموه من نبينا، إذن عليكم أن تؤدوه، هكذا أمر وأرشد نبينا أصحابه أنه لا يكتفوا، وهذا الذي ينبغي أن يسير عليه المسلم، أنه لا يكتفي بما جاءهم من العلم والهدي عن نبينا، أنه يحصر هذا في نفسه وفي محيط صدره، لا، وإنما يوسع من مداركه، فيجعل هذه المعلومات وهذه السنة التي جاءت عن نبينا أنه يسعى إلى تبليغها لغيره. كما قلنا في هذه الحجة العظيمة، قال نبينا: «وليبلغ الشاهد منكم الغائب»، الشاهد الذي حضر يبلغ من وراءه، من أهله، من ذويه، من أرحامه، من أقاربه، من جيرانه، وهكذا. ومثله ما جاء في الصحيحين عندما جاء وفد عبد القيس إلى نبينا، عليه الصلاة والسلام، وأخبروه أنهم قد جاءوا من تلكم المفاوز العظيمة، وأرادوا أن يعلمهم شيئًا من أمر الدين. فقام، صلوات ربي وسلامه عليه، وعلمهم أصول الدين، فعلمهم التوحيد وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وأركان الإسلام، ثم عرج على ذكر ما يتعلق بأهم المسائل الشرعية، من ذكر المشروبات، ونهاهم عن أربع، ثم بعدما انتهى نبيه من تبيين أحكام الدين، ما الذي قال؟ قال، عليه الصلاة والسلام: «احفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم، احفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم». فهذا يدل على حق عظيم من حقه، عليه الصلاة والسلام، على أمته، أن الواحد منه إذا تعلم شيء من دين الله يسارع إلى تبليغه، يبلغ غيره، يبلغ غيره. وطبعًا التبليغ، أخواني في الله، وقد تكرر هذا في مقامات سالفة، أن لا يظن عندما تسمع كلمة الدعوة وكلمة التبليغ، وأن الواحد يبلغ دين الله، لا تظن أن مجال الدعوة ومقام التبليغ ينحصر في هذا المكان، في المسجد أو خلف الميكروفون أو على الكرسي. هذا ليس هي الدعوة كلها، نعم، هذا شيء من الدعوة، وإنما الدعوة أوسع من ذلك، الدعوة أوسع من ذلك بشكل عظيم. الدعوة هناك الدعوة الاجتماعية، الدعوة الفردية، الدعوة الخاصة، الدعوة المتعدية، الدعوة بالمجهود الشخصي، الدعوة الفكرية، الدعوة بمعناها العام، بكل شيء. خروجك، يا عبد الله، رؤيتك، ذهابك من هنا إلى أهلك، إلى زوجك وعيالك وأبنائك، تبلغهم شيء من أحكام من شريعة، هذه دعوة. كونك تذهب إلى جيرانك إلى أحبابك، تعطيهم شيء مما علمت من علم الشرعي، هذه دعوة. كونك، يا عبد الله، ممن أعطاك الله مسؤولية، مدرس في صف، أو مدير على مدرسة، أو أنت مدير على عمل، أو أنت صاحب شركة، ثم قمت وعلمت هؤلاء شيء من دين الله، هذا دعوة لله عز وجل. بل كونك تدرس الدرس الخاصة أو العامة، كونك، يا عبد الله، في حلقات الأطفال، هذه دعوة. كل ذلك دعوة، كل ما كان فيه تبليغ، بغض النظر عن صوت التبليغ، هو شيء تبلغ دين الله، هو دعوة. وهكذا كان الصحابة، الصحابة رضي الله تعالى، كانوا دعاة. بماذا كانوا يدعون؟ هل في المساجد؟ ليس هذا كان دعوتهم، وليس كان هذا مجالهم. كان الواحد منهم يأتي المفاوز العظيمة إلى نبينا، عليه الصلاة والسلام، فيأخذ شيء من دين الله، ثم يذهب إلى قرية، داعيًا. بل هؤلاء الجن، ما الذي فعلوا؟ قال ربنا جل وعلا: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾. ولوّا دعاة، هل ذهبوا إلى مساجد أو أصبحوا خطباء جمع حتى يكونوا دعاة؟ لا، إنما تسللوا بين أقوامهم وبين عشيرتهم، وبلغوا الذي سمعوا من الهدي والقرآن الذي جاء عن نبينا، عليه الصلاة والسلام، فكانوا دعاة، كانوا منذرين. فإخواني في الله، فلنعلم عظم هذا الحق، وهي من الحقوق العظيمة التي ينبغي الأمة تؤديها لنبينا، عليه الصلاة والسلام، أن نبلغ دين الله وأن نبلغ السنة الذي جاء بها نبينا، عليه الصلاة والسلام، وكل على قدر طاقته. وكما سمعتم في الآثار المذكورة آنفًا، أن يكفيك، عبد الله، ولو ما قاله. والواحد منه، والحمد لله، ممن يحضر حلقات العلم والذكر، قد حاز على صدر مئات والآلاف من السنن، يبلغها لأقرب الناس إليه. وبهذا يعم الرخاء، وبهذا نؤدي حق من حقوق المصطفى، صلواته ربي وسلامه عليه. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.