أداء الحقوق  20

أداء الحقوق 20

الدرس في أداء الحقوق 20، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في حقوق المسلمين

يتناول هذا الفصل أهمية حقوق المسلمين وكف الأذى عنهم، مشيراً إلى أن هذا الحق يشمل عدم إيذاء المسلم بأي شكل. ويستشهد بحديث النبي عليه الصلاة والسلام في تحريم ترويع المسلم أو أخذ متاعه على سبيل المزاح.

تحريم إيذاء المسلمين وتأكيده

يؤكد هذا الفصل على تحريم أذية المسلمين بأي شكل من الأشكال، سواء كانت الأذية جسدية أو نفسية، ويشدد على وجوب إزالة الأذى عن المسلمين وليس إيذاءهم.

أهمية إزالة الأذى عن الطريق

يبرز هذا الفصل أهمية إزالة الأذى عن الطريق كونه من شعب الإيمان وأفضل الأعمال، ويحذر من إيذاء الناس في طرقهم، ويشير إلى أن من يفعل ذلك يحرم من الأجر.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

يتضمن هذا الفصل الدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويظهر تواضع المتحدث واعترافه بقدرة الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فمواصل إخواني في الله عما يتعلق بالحق الثاني من حقوق المسلمين بعضهم لبعض، وهما يسمى بكف الأذى. وذكرنا ما يتعلق بدلالة الشرع لهذا الحق، وأنه من الأصول الإسلامية، ومن الحقوق الإسلامية التي أمر الشرع بأدائها في تعاملنا مع بعضنا البعض. ومما يلحق إخواني في الله كذلك بأمر كف الأذى أن نعلم سعة هذا الباب، وليس بالضرورة كما يظن كثير من الناس أن الأذى الذي ينبغي أن ينكف ما فيه ضرب أو ما فيه إخراج دم وإسالة الدم ونحو ذلك، لا يا عبد الله، هذا من الأذى، لكن ينبغي أن نعلم أن الشرع أقفل هذا الباب حتى في أي أذى، ولو كان أدنى أذى. وإن كان في فعل من أفعالك أو في تصرف من تصرفاتك يؤدي بالنهاية إلى إيذاء مسلم، ولو أدنى أذية، ولو كان حتى أذية في نفسه، أذية في قلبه، أذية في فكره، جعلته يتأذى من هذا الفعل، مثل كان يجعله يفكر ليلة نهار مما كان من تصرفاتك، أو جعلت قلبه يخفق، وإن لم تلمسه بلمسة، وإن كان لك بعد عن لمسه ومماشاته، لكن هذا التصرف أثر على قلبه، أثر على نفسه، فإن هذا من الأذى الذي ينبغي أن يزال، والذي ينبغي أن تكف عنه. قال عليه الصلاة والسلام: «لا يروع مسلم مسلما، لا يروع مسلم مسلما»، الترويع والتخويف لا يجوز أنك تخوف أحدا من المسلمين. وهذا الحديث في السنن له قصة، أن جماعة من الصحابة كانوا في سفر، فلما كانوا في وقت راحتهم ذهب أحدهم إلى حبل، فكأنه أخاف أخاه رماه به، أو كان على غفلة في نوم، فأراه هذا الحبل، فظنه أفعى، فخاف، فتضاحك الناس، فلما بلغ ذلك نبينا عليه الصلاة والسلام، قال: «لا يروع مسلم مسلما»، لا يجوز، مع أن هؤلاء ما أرادوا الأذية، وإنما أرادوا المزاح، وأرادوا الضحك، لكن ليس هذا مجاله. ومثل ذلك أيضا ما جاء عند أبي داود، قال: من حديثه السائب عن معاذ، عن أبيه، قال: «كنا في سفر، فقال عليه الصلاة والسلام: لا يأخذن أحدكم عصا أخيه لاعبا جادا، لا يأخذن أحدكم عصا أخيه لاعبا جادا، فمن أخذ عصا أخيه فليردها إليه». وهذا قد يقع من بعض الناس، ممن بينهم صحبة وزمالة، أنه تمتد يده إلى أخذ متاع أخيه، وليس من باب السرقة، وإنما من باب الضحك، يجعل يفتش يمنة ويسرى، يا إخوان، حد رأى المفاتيح، يا إخوان، حد رأى الفلوس هنا، فهذا مثل ما نسميه مقلب، مقلب يكون بين الصحبة وبين الإخوة، من باب التواد، كما في ظنهم أن ذاك يأخذ شيئا من أخيه مالا أو متاعا، ثم يرده، لكن هذا المزاح بهذه الصورة نهى عنه الشرع العلا. قال أبو عبيد رحمه الله تعالى: إن في ذلك أذية، ولهذا سمه نبينا «لا يأخذ أحدكم متاع أخيه لاعبا جادا»، معنى لاعبا أي أنه ما أراد السرقة، فهي لعب، ولكنه جاد في إدخال الأذية، لأن الذي يأخذ متاع أخيه، ما الذي يريد؟ يريد كما يقال يربشه، يريد ماذا؟ أنه يصفطه، يجعله يبحث، هذه أذية، أنت تريد هذا، لكن هذا نوع أذى، فنهى نبينا عليه الصلاة والسلام عن هذا الصنيع، وإن كان من باب الضحك والدعابة. وثبت في الصحيحين، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إذا كنتم ثلاثة، فلا يتناجى رجلان دون الثالث»، قال: «أجل ذلك يحزنه»، أي أن ذلك يؤدي إلى حزنه، تخيل ثلاثة، ثلاثة من في مجمع واحد، فأحد الثلاثة تذكر أنه عنده موضوع، فأخذ بأحد بالثاني، قال: يا أخي على انفراد، لو سمحت، عندي موضوع خاص بك، فبقي الثالث وحده، هذا الثالث ماذا سيكون في حاله؟ لا، ربما قد تأتيه قد تأتيه شيء من المظنة، لماذا هؤلاء اثنان تناجوا من دوني؟ ماذا عسى أن يدار بينهم من حديث؟ ما الذي ظهر مني؟ هل هناك شيء حولي؟ يكون في نفسه شيء. فانظر يا عبد الله إلى مراعاة الشرع، إلى أين ذهب؟ ذهب إلى كل ما يقول، ما يقول، إلى أذية المسلم في بدنه، وفي جسده، وفي فكره، وحتى في نفسه، وفي قلبه، فإن هذا ممنوع، فبين هنا نعلم يا إخواني في الله عظم هذا الحق، فلا تظن يا عبد الله، عندما تسمع الآثار والأدلة الدالة على وجوب كف الأذى، أن أكثر الأدلة إنما تنصب على ما فيه أذية في جسده، من لطم، من ضرب، لا، حتى ولو كان إحساس، ولو كان إحساس تعلم أن هذا الفعل أو أن هذا، ولو حتى لقبا. مثل بعض الناس يعاف أن فلان يكره لقبا، يكره تلكم التسمية، أو أن يعيره بأمر، وهذا التعيير، وهذا اللقب يؤثر على نفسه، فما يجوز، هذه أذية، هذا لا يجوز، «أجل ذلك يحزنه»، فكل ما يأتي بالحزن، ويأتي بالأذى في نفسه، فإن هذا ممنوع شرعا. وهكذا في قول نبينا عليه الصلاة والسلام: «لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح»، حتى السلاح تشير إشارة، هذا منعا، لماذا؟ قال العلماء: لأن في ذلك فيه تخويف، وفيه ترويع، فكل ما كان فيه تخويف، أو فيه ترويع، أو فيه أذية، كل ما هو أذى، فهذا منهي عنه، سد الشرع جميع الأبواب المفضية إلى هذه الأذية. بل يا عبد الله، الأصل لو تمعنا في أدلة الشرع، فإن الشرع أراد من المسلم في باب الأذى أن يمتثل لمقام وحيد، وهو أنك يا عبد الله، عليك أن تربي نفسك على أنك تزيل الأذى عن المسلمين، هذا الأصل، ليس أنك توقع الأذى، هذا فرق، فرق بين إيقاع الأذى على المسلمين، وبين رفع الأذى من المسلمين. والأدلة دلت على عظم هذا المقام، أنك تجند نفسك يا عبد الله على أنك ترفع أي أذى، ترفع الأذى من طريق الناس، من درب الناس. قال عليه الصلاة والسلام: «الإيمان بضع وسبعون شعبة»، كما في البخاري، وفي رواية لمسلم: «الإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إيماطة الأذى عن الطريق»، إيماطة الأذى عن الطريق تعتبر من شعب الإيمان. لما كان هذا الفعل منك عبارة عن رفع أذى، فإن الله جل وعلا أعظم لك المثوبة. ثبت في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «عرضت علي أعمال أمتي، فرأيت من أحسنها الأذى يماط عن الطريق»، من أحسن الأعمال أنك يا عبد الله تساهم في رفع الأذى عن طريق الناس. كذلك ما جاء في صحيح مسلم، حيث يروي أبو برزة الأسلمي رضي الله تعالى عنه، قال: قلت: يا رسول الله، دلني على عمل أنتفع به، قال عليه الصلاة والسلام: «اعزل الأذى عن طريق الناس». إن رأيت عملا، إن أردت عملا يا عبد الله تنتفع به في دينك ودنياك وأخرى، فكن على هذا الرسول، أنك تعزل الأذى عن طريق الناس. ولكن يا إخوان، لو رأينا طبقنا هذه الأحاديث وهذه الآثار والفضائل على مجتمعاتنا، وخاصة في هذه الأزمان، رأينا الفرق الواسع والبون الشاسع، فرق بين ما أمر به الشرع، وبين ما تمثل به الناس، تجد مع أيام الشغب الذي مرت، ولا ندري متى ستنكف هذه الأعمال، ما نرى من أذية الناس. أنت يا عبد الله، لك رأي، لك تبدي بفكرة في رأسك، هذا لك أن تتمادى على طريق الناس، على طرقات الناس، على شوارع الناس، على درب الناس، تلقي بالنيران، تلقي بالأوصاف، تلقي بالحجارة، هذه أذية لا ترضي الله ولا رسوله، بل أعدها العلماء من كبائر الذنوب، كما ذكر ذلك الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في رسالة عدد فيها الكبائر، ذكر أن من كبائر الذنوب الأذى يلقى في طريق الناس. وحق لها أن تكون كبيرة، لأن أدل دليل على ذلك، بل أعظم من ذلك، ما جاء عند أبي داود، من حديث سهل بن معاذ، عن أبيه، قال: «كنا في غزوة مع نبينا عليه الصلاة والسلام، فضيق الناس المنازل، وقطعوا الطريق»، قال: «فبعث نبينا عليه الصلاة والسلام مناديا ينادي: إن من عزل طريق الناس أو قطع طريقهم فلا جهاد له»، من ضيق طريق الناس أو قطع طريقا فلا جهاد له. كانوا في جهاد، ومع ذلك يحرمون أجر الجهاد إن فعلوا هذا الفعل، فما ظنك يا عبد الله بما يقع في شوارع الناس، وفي تظاهرات الناس، عندما يقطعون طريقا عمدا، عمدا بالحجارة ونحو ذلك، ماذا يقال؟ لا عبادة لهم، لا طاعة لهم، لا دين لهم، إذا كان هؤلاء لا جهاد لهم، فغيرهم من باب أولى وأولى. فإن يا إخواني في الله أن نعلم عظم هذا الحق، فإن المسلم ليس أنت وظيفتك أنك توقع الأذى في الناس، وإنما يا عبد الله العكس بالعكس، وإنما عليك أن تربي نفسك أن ترفع الأذى عن الناس، ترفع الأذى عن المسلمين، عن طريقهم، عن أبدانهم، عن مشاعرهم، عن إحساسهم، كل ما كان فيه أذية، حاول أنك ترفعه، وأنك تدفعه. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.