الدرس في كتاب المعاملات 6، ألقاها
نهى الشارع عن بعض البيوع يوم الجمعة بعد الأذان الثاني لما في ذلك من تضييع لما هو أهم وإضرار بالآخرين. هذا النهي خاص بمن تلزمه صلاة الجمعة.
البيع والشراء بعد الأذان الثاني يوم الجمعة حرام وفاسد لمن تلزمه الجمعة، مع جواز بعض الحالات الضرورية. أما من لا تلزمه الجمعة فالبيع والشراء جائز له.
يحرم البيع في أوقات معينة إذا عاد النهي إلى ذات الشيء، كما يحرم بيع الأشياء لمن يستخدمها في المحرمات. هذا يشمل بيع العصير لمن يتخذه خمرًا أو بيع السلاح في الفتنة.
الله يحذر من التعاون على الإثم والعدوان كما في قوله تعالى ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. ينبغي التسبيح والاستغفار.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، مضى معنا في الدروس الماضية الكلام على شروط البيوع، وأنها سبعة، وكان آخر ما أخذناه أن يكون الثمن معلومًا بتحديد سعر السلعة المبيعة ومعرفة قيمتها. وها هنا فائدة يذكرها العلماء رحمهم الله تعالى، وهي أنهم يفرقون بين القيمة والثمن. فالثمن هو ما وقع به العقد، سواء كان بنفس القيمة أو أكثر منها أو أقل منها. فما تم عليه العقد يسمى ثمنًا. وأما القيمة فهي قيمة السلعة فيما تعارف عليه أهل السوق. يعني مثال ذلك: هذا الكتاب يباع في السوق بألف ريال، جاء إنسان يشتري من إنسان كتابًا، تبايعا على هذا الكتاب، فباع له الكتاب بألف وخمسين ريالًا، هذا يسمى ماذا؟ ثمن، ثمنه ألف وخمسين ريالًا، قيمته ألف ريال. أو مثلا باع هذا الكتاب بتسعمائة وخمسين ريالًا، يسمى هذا ماذا؟ ثمن، وقيمته ألف ريال. وإذا باعه بألف ريال، فيكون هنا القيمة والثمن متفقين. إذن، أن يكون الثمن معلومًا، أي عند البيع، ثمن السلعة يكون معلومًا عند البيع، فيتفقان على السلعة وعلى ثمنها، ويتم البيع على ذلك. المسألة السادسة: البيوع المنهي عنها. نهى الشارع الحكيم عن بعض البيوع إذا ترتبت عليها تضييع لما هو أهم، كأن تشغل عن أداء عبادة واجبة، أو يترتب عليها إضرار بالآخرين. ومنه نعلم أن الله جل وعلا ما ينهى عن شيء إلا لضرره، إما لضرره بذاته، أو لما يترتب عليه من الأضرار. بمعنى: إما أن يكون في ذاته ضرر، فينهى عنه الشارع لضرره بعينه، وإما أن ينهى عنه الشارع لما تترتب عليه من الأضرار. ومنها هذا الأمر، فالشرع نهى عن أشياء لما ترتبت عليها من الأضرار، كما أنه نهى عن أشياء لذاتها لأنها في ذاتها ضرر، مثل الشرك بالله جل وعلا، هو أعظم الضرر، فنهى الله جل وعلا عنه لأنه رأس فساد العالم وفساد الدين وفساد كل فساد، فهو رأسه. فلأجل ذلك نهى عنه الشارع. والشرع كذلك، كما سمعتم، أنه قد ينهى عن الشيء وإن كان في أصله لا ضرر فيه، لكن ينهى عنه لما يترتب عليه من الأضرار. من هذه الأشياء ما سيأتي ذكرها. قالوا: من هذه البيوع المنهي عنها: البيع والشراء بعد الأذان الثاني يوم الجمعة. قالوا: لا يصح البيع والشراء ممن تلزمه صلاة الجمعة بعد الأذان الثاني، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ فقد نهى الله تعالى عن البيع في هذا الوقت، والنهي يقتضي التحريم وعدم صحة البيع. طيب، هذه أولى هذه الصور التي نهى عنها شارع، لا لأنها في ذاتها فيها ضرر، لكن لما يترتب عليها من الأضرار. فيترتب على البيع والشراء في ذلك الوقت من المفاسد والأضرار: إنشغال الناس عن العبادة. إن لو نتصور الآن نحن في يوم جمعة، وكان الأمر مباحًا، أي البيع والشراء، وتعلمون أن للبيع والشراء له نهمة، الرجل يقول: بقي هذا، بقي هذا، بقي هذا، ما يكتهي، فما يدري بنفسه إلا وقد ذهب الوقت وقد خرجت الصلاة. فلأجل هذا كان من تشريع الله جل وعلا، من تشريع أحكم الحاكمين، أنه جعل وقتًا هو فيصل بين البيع الحلال والبيع الحرام، لأجل أن يتهيأ المصلون للصلاة. فإذن، البيع في أصله جائز وحلال، لكن في هذا الوقت منهي عنه وحرام، بل وفاسد. إذن، البيع والشراء في يوم الجمعة بعد الأذان المعتبَر، الأذان للجمعة، محرم. هذا أولًا. ثانيًا: أن البيع والشراء فاسد. ومعنى أن البيع والشراء فاسد: معنى أنه لا يترتب عليه أحكام البيع والشراء. ومعنى هذا: أنه لا يجوز للبائع أن يتملك الثمن، المال، ولا يجوز للمشتري أن ينتفع بالمبيع ويتملكه أيضًا. لماذا؟ لأن البيع ليس بصحيح. إلا أن العلماء رحمهم الله تعالى استثنوا بعض الصور من ذلك. قالوا: كأن يحتاج إنسان إلى ماء للتطهر ليوم الجمعة، وما وجد الماء إلا بشراء، أي وجد ماء يباع، فقالوا: إذا كان الماء يباع ممن يجوز له البيع، كمسافر أو امرأة أو صغير أو ما شابه ذلك، جاز له الشراء. لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وأن نهي عن البيع على عمومه إلا ما كان في ما لا تقوم الجمعة إلا به، ومنه الطهارة. أو مثلا رجل ليس عنده ثوب ليصلي به الجمعة، ما عنده مثلا عنده ثوب متنجس أو ثوب قد تمزق أو ما شابه ذلك، فاحتاج إلى شراء ثوب لأجل أن يحضر للجمعة، قالوا: هذا كذلك يجوز له في مثل هذه الصور. لماذا؟ لأنه محتاج إليه، والحاجة في مثل هذه الصور تنزل منزلة الضرورة، والحاجة تنزل منزلة الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها. إذن، كما ذكر: لا يصح البيع ولا الشراء ممن تلزمه صلاة الجمعة بعد الأذان الثاني. وقوله: ممن تلزمه صلاة الجمعة، معناه: أن من لا تلزمه صلاة الجمعة، كالمرأة مثلا، إذا كانت تبيع وتشتري، فإن ذلك جائز؛ لأنها لا يجب عليها الجمعة. أو مثلا مسافر أو صغير أو ما شابه ذلك، إذا باع واشترى، فإنه لا يكون آثمًا ولا يكون بيعه فاسدًا. لماذا؟ لأنه ليس من أهل الوجوب، أي لا تجب عليهم صلاة الجمعة. لأن الله جل وعلا نهى، ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ فالأمر ها هنا لمن؟ لمن هم من أهل الوجوب. فدل هذا على أن من لم يكن من أهل الوجوب فلا بأس إن باع وإن اشترى، أي لا يكون آثمًا ولا يكون بيعه فاسدًا. قالوا: فقد نهى الله سبحانه وتعالى عن البيع في هذا الوقت، والنهي يقتضي التحريم. وهذه قاعدة أصولية: أن الأصل في النهي أنه يقتضي التحريم. ثم قاعدة أخرى: والأصل في النهي أنه يقتضي الفساد إذا عاد إلى ذات الشيء أو إلى شرطه أو إلى وصفه الملازم. والأمر ها هنا كذلك، بمعنى أن النهي عاد إلى ذات الشيء، فالنهي عاد إلى ذات البيع. فالله جل وعلا قال: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ فالنهي عائد على ذات البيع، فدل هذا على أن البيع محرم وأنه فاسد. الثاني: بيع الأشياء لمن يستعين بها على معصية الله أو يستخدمها في المحرمات، فلا يصح بيع العصير من يتخذه خمرًا، ولا الأواني لمن يشرب بها الخمر، ولا بيع السلاح في وقت الفتنة بين المسلمين. قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. كذلك كما ذكر: فلا يصح بيع العصير من يتخذه خمرًا. الأصل في بيع العصير أنه جائز، أو بيع مثل أعناب أو الشعير أو البر أو ما شابه ذلك، الأصل فيها أنها مباحة. لكن إذا جاء إنسان قد علم أنه إذا أخذ هذا الشعير أو هذا العنب يشتريه لأجل أن يجعله خمرًا، يصنعه خمرًا، فهذا لا يجوز له. لا يجوز أن يباع له ذلك الشيء، مع أنه في أصله مباح، لكن لذلك الشخص بعينه لا يجوز أن يباع له ذلك الشيء. لماذا؟ لأنه يستخدمه في محرم، والله جل وعلا يقول: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. وكذلك كما ذكرها هنا: إنسان صاحب محل مثلا يبيع كأسات، الأصل فيها الحل، لكن يعلم أن هذا الرجل عنده مثلا فندق أو ما شابه، يستخدم هذه الكأسات في كؤوس الخمر، كذلك لا يجوز أن يباع له. لماذا؟ لأنه كذلك يستخدمها في محرم. والشيء بالشيء يذكر: كذلك إنسان مثلا عنده محل يبيعه مسجلات، الأصل في المسجلات أنها مباحة، لكن إن جاء إنسان وهو كما يقال يترقص، يأتي إلى المحل وهو يترقص، يعلم أنه يريد المسجل لأجل أن يستخدمها في الأغاني، كذلك مثل هذا لا يباع له. وكذلك الشيء بالشيء يذكر: الجوالات ذات التصاوير التي تصور وفيها ما فيها، كذلك إن جاء إنسان إلى المحل صاحب جوالات، الأصل أننا نقول: إذا استخدمت في المباح فهي مباحة، لكن إن جاء إنسان حاله يظهر عليه أنه سيستخدمها في المحرم، أول ما يأتي يأخذ لنفسه صورة أو يأخذ لصاحب المحل صورة أو يصور صاحبه أو ما شابه ذلك، ويفتح أغانيه، كذلك مثل هذا لا يجوز أن يباع له. لماذا؟ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. إذن، عندنا قاعدة عامة ربانية جعلها لنا ربنا جل وعلا، وهي: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ الأصل في البيع أنه حلال، لكن إن كان ذلك الحلال سيستخدم في محرم، وتيقن البائع أن المشتري سيستخدمه في محرم أو غلب على ظنه أنه سيستخدمه في محرم، فهذا لا يجوز. لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. نكتفي بهذا القدر إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.