شرح قرة عيون الموحدين 64

الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 64، ألقاها

مقدمة في الاستسقاء بالأنواء وعلاقته بالتوحيد

يناقش مفهوم الاستسقاء بالأنواء ومدى توافقها مع التوحيد، حيث يعتبر اعتقاد تأثير النجوم في نزول المطر كفرًا وشركًا بالله. يُوضح أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الاستسقاء بالنجوم واعتبره من أمور الجاهلية.

شرح أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم حول أمور الجاهلية والاستسقاء بالنجوم

يشرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول أربع أمور من الجاهلية، ويبين معانيها وتحريمها وخطورتها، كما يشرح معنى قول النبي في الحديث الذي رواه زيد بن خالد الجهني حول الإيمان بالله و الكفر بالكوكب.

تفسير آية الإقسام بموقع النجوم وربطها بالاستسقاء

يشرح تفسير آية الإقسام بموقع النجوم وسبب نزولها، حيث يذكر أن بعض الناس كانوا يربطون بين نوء النجوم والأحداث، فنزلت الآية تكذيبًا لهم. يُشير إلى أن معنى الآية تم شرحه سابقًا.

  • 21 جمادى الآخرة 1434هـ - 01/05/2013مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن ابن محمد بن عبد الوهاب عليهم رحمة الله تعالى جميعًا، في كتابه «قرة عيون الموحدين حاشية كتاب التوحيد»: قال قوله: باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء، قوله -رحمه الله تعالى-: قوله، أي قول الإمام محمد بن عبد الوهاب -عليه رحمة الله تعالى- في كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد: باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء، أي من الوعيد. وقول الشيخ -رحمه الله تعالى-: باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء، أي مدخل في بيان وعيد من استسقى بالأنواء. والشيخ -رحمه الله تعالى- ذكر هذا الباب في كتاب التوحيد؛ لأن المستسقية بالأنواء؛ أي أنها هي التي تأتي بالمطر بذاتها، أن هذا شرك أكبر مناف لأصل التوحيد، مناف لأصل التوحيد. ومنه يعلم مناسبة ذكر الشيخ -رحمه الله تعالى- لهذا الباب ها هنا، وهو أن من اعتقد أن في الأنواء وفي منازل النجوم: أن بمنازل أو في منازل النجوم أو من منازل النجوم أو النجوم يكون المطر؛ أن هذا كفر بالله جل وعلا، وشرك بالله جل وعلا، مناف لأصل التوحيد، مناف لأصل التوحيد. وقوله -رحمه الله تعالى-: باب ما جاء في الاستسقاء، والمراد بالاستسقاء: ليس المراد طلب السقية كما يفهم من دخول الألف أو من دخول السين والتاء على الفعل، ولكن المراد به نسبة السقية إلى الأنواء، نسبة السقية إلى الأنواء. وعلاقة هذا الباب بالباب الذي قبله، بل والأبواب قبله ظاهرة؛ إذ أن علاقته بالباب الأول أنه يشترك مع الباب الأول أن الكل يعتقدون في النجوم والكواكب تأثيرًا على الحوادث الأرضية، ولكن -ولكن- ها هنا التأثير أخص؛ إذ أنه خاص بنزول المطر؛ إذ أنه خاص بنزول المطر، فهو داخل في معنى التنجيم الذي مر معنى في الباب الأول أو الباب السابق. قوله -رحمه الله تعالى-: باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء، قال الشارح: أي من الوعيد، والمراد: نسبة السقيا ومجيء المطار إلى الأنواء، ومجيء المطر إلى الأنواء؛ أي نسبة السقيا، ونسبة مجيء المطر إلى الأنواء؛ أي أنها هي المؤثرة، وهي الفاعلة لحصول الأمطار، وهي الموجدة للأمطار. قال: جمع نوء، جمع نوء، وهي منازل، وهي منازل القمر؛ بمعنى أن النوء منزل القمر، كما سيأتي موضحًا في كلام أبي سعادات. قال: قال أبو السعادات -أي ابن الأثير- والكلام في كتابه «غريب الحديث»، قال: أي في منازل القمر، قال: وهي ثمان، وهي ثمان وعشرون منزلة؛ أي أن منازل القمر ثمانية وعشرون منزلة، ينزل القمر كل ليلة منزلة منها، كما قال تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ يسقط في المغرب كل ثلاثة، كل ثلاث عشرة ليلة، كل ثلاث عشرة ليلة منزلة له مع طلوع الفجر، وتطلع أخرى مقابلتها ذلك الوقت من المشرق؛ أي يكون سقوط منزل، وظهور منزل آخر من جهة المشرق: سقوط منزل من جهة المغرب، وظهور منزل آخر من جهة المشرق. قال: وكانت العرب تزعم أن مع سقوط المنزلة وطلوع رقيبها -أي من الجهة الأخرى- يكون مطر، وينسبونه إلى النجم الساقط؛ أي أنه هو المؤثر في إيجاد ونزول ذلك المطر. قال: ويقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، وإنما سمي نوءًا؛ لأنه إذا سقط منها الساقط، ناء الطالع بالمشرق؛ أي نهض وطلع، فسمي نوءًا لهذا المعنى؛ أي أن في جهة المغرب يسقط القمر من منزل إلى أخرى، من منزلة إلى أخرى، وفي المقابل من جهة المشرق يحصل ظهور، أو يحصل طلوع لنجم أو لمنزل آخر من منازل القمر. قال قوله: وقول الله، قوله: وقول الله تعالى -أي معطوف على باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء-، وقول الله: فهو معطوف على المضاف إليه. قال: وقول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾، روى الإمام أحمد، والترمذي، وحسنه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وضياء في «المختارة» عن علي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: وتجعلون رزقكم، يقول: شكركم، أنكم تكذبون، تقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، بنجم كذا وكذا. والحديث -كما ذكر- أنه حسن بشواهده، والحديث دال على ما تقدم ذكره: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون؛ أي كما ذكر في الحديث يقول: شكركم؛ أي أن الله جل وعلا لما أن أنعم عليكم بإنزال المطر، وكان من الواجب عليكم أن تشكروا الله جل وعلا على نعمه التي أنعم بها عليكم، ولكن لم يحصل هذا، بل حصل ضدها، ضد ذلك الأمر، وهو أنه نسب الشكر إلى غير الله جل وعلا، وأضيفت النعمة، وأضيفت النعمة إلى غير الله جل وعلا، بل وأضيف النزول لذلك المطر إلى غير الله جل وعلا؛ لذا قال الله جل وعلا: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾؛ أي تكذبون بما أنعم الله جل وعلا به عليكم؛ إذ تنسبونه إلى غير الله جل وعلا. قال: رواية ذلك عن علي، وابن عباس، وقتادة، والضحاك، وعطاء الخراساني، وغيرهم؛ أي رووا هذا المعنى، وهو قول جمهور المفسرين، وبه يظهر وجه استدلال المصنف -رحمه الله تعالى- بالآية؛ أي في هذا الباب. قال: وقال ابن القيم: أي تجعلون حظكم من هذا الرزق الذي به حياتكم التكذيب به؛ يعني القرآن، تكذبون بكتاب الله جل وعلا. قال الحسن: تجعلون حظكم ونصيبكم من القرآن أنكم تكذبون. قال: وخسر عبد لا يكون حظه من القرآن إلا التكذيب؛ فيكون هذا تفسير آخر لمعنى الآية، المعنى الأول -كما تقدم ذكره- أنه تجعلون رزقكم، يقول: شكركم، أنكم تكذبون؛ أي تقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا. قال -رحمه الله تعالى-: قوله: عن أبي مالك الأشعري، الله -عليه السلام- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: أربع في أمة من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة. وقال: النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة، وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب، رواه مسلم. قال: أبو مالك اسمه الحارث بن الحارث الشامي، صحابي، تفرد عنه بالرواية أبو سلام، وفي صحابة أبي مالك الأشعري اثنان آخران، اثنان غير هذا. قوله: أربع في أمة من أمر الجاهلية لا يتركونهن؛ أي ستفعلها هذه الأمة، إما مع العلم بتحريمها، أو مع الجهل بذلك؛ أي إما أن يعملها من يعملها، وهو يعلم أنه لا يجوز له أن يعملها، وإما أن يعملها من يعملها، وهو لا يدري أنه لا يحل له أن يعملها. قال -رحمه الله تعالى-: يدل على أنه يجب على كل مسلم أن يجتنبها؛ أن يجتنب هذه الأمور؛ لماذا؟ لأنها من أمور الجاهلية؛ لأنها من أمور الجاهلية، وقد أمر المسلمون بأن يجتنبوها. قال: والمراد بالجاهلية هنا: ما قبل المبعث؛ أي قبل مبعثه -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-. قال: وفعلها آثم، يجب أن ينهى عنها، ومتى وجد الشرك وجدت هذه الأمور المنكرة، وغيرها من المنكرات؛ لأن فتنة الشرك، وبلية الشرك: أعظم البلايا، وهي مستصحبة لكل منكر، وهي مستصحبة لكل منكر؛ لأن الشيطان إذا بلغ بأصحابه إلى مرحلة الشرك بالله جل وعلا، هان عليهم بقية المعاصي، وبقية المنكرات. قال -رحمه الله تعالى-: قوله: الفخر بالأحساب؛ أي التعاظم على الناس بالآباء، ومآثرهم، وذلك جهل عظيم؛ أي أن يفتخر الإنسان بآبائه، وأنهم -وأنهم- كانوا -وكانوا- على سبيل المباهاة، وعلى سبيل الفخر، والتعظيم للآباء. قال: لماذا نهي عن ذلك؟ قال: لأن هذا جهل عظيم؛ لماذا هو جهل عظيم؟ قال: إذ لا كرم إلا بالتقوى؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾؛ إذن الإنسان يفرح بفضل الله جل وعلا، وبرحمته، بما آتاه الله جل وعلا من التقى، ومن الإيمان، ومن العمل الصالح، أما الآباء؛ فإنهم إن كانوا على الوصف غير المرضي، كانوا بعيدين من الله جل وعلا؛ فإنهم لا يزيدونهم بافتخاره بهم إلا بعدًا من الله جل وعلا، وإن كانوا صالحين؛ فإنه لا ينفعهم صلاحهم؛ لأن كل نفس بما كسبت رهينة، كل نفس بما كسبت رهينة. قال الله جل وعلا: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾؛ فلا أنساب تنقطع الأنساب؛ فلا أنساب بينهم يومئذ؛ إذن العمل الصالح هو الذي ينفع، وهو الذي يوصل صاحبه -بإذن الله رب العالمين جل وعلا- إلى مرضات الله، وإلى فضل الله، وإلى إكرام الله جل وعلا؛ فعلم أن من انتسب، وافتخر بالآباء: أن هذا؛ كما أنه ضعف في الدين، كذلك ضعف في العقل، كذلك ضعف في العقل. قال -رحمه الله تعالى-: وله -أي البخاري- عن أبي هريرة مرفوعًا: «إن الله قد أذهب عنكم عُبَية الجاهلية، وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي، أو فاجر شقي، الناس بنو آدم، وآدم خلق من تراب، ليدعن رجال فخرهم بأقوام؛ إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن أهوان على الله من الجُعلان»؛ وهذا -كما ترون- فيه وعيد شديد، فيه وعيد شديد لمن افتخر بالآباء، وقد وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- أن من افتخر بالآباء: أن وصف هذا الوصف أنه من الكفر؛ أنه من الكفر، وأنه ليس من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، إلى غير ذلك من أمور التي تبين للمسلم خطر الافتخار بالآباء. قال -رحمه الله تعالى-: لكن فرق بين أن ينتسب الإنسان، يذكر نسبه على سبيل بيان نسب؛ كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «اعرفوا من أنسابكم ما تصل به أرحامكم»، ونحو ذلك؛ فهذا لا بأس، محمود، أما أن يكون على سبيل الفخر، والخيلاء، والتباهي، والتكبر، والتجبر؛ فلا، هذا هو المذموم. قال -رحمه الله تعالى-: قوله: والطعن في الأنساب؛ أي الوقوع فيها بالعيب، والنقص، ولما -وهذا- فرع عن الأول؛ هذا فرع عن الأول؛ إذ أن من ثمار الفخر بالأحساب في المقابل: الطعن في غيره ممن يرى أن نسبه أعلى منهم؛ فالفخر بالأحساب يسبب كبرًا، وعظمة، وخيلاء لصاحبه، مما يجر إلى الأمر الآخر: إلى أن يتنقص غيره. قال -رحمه الله تعالى-: ولما عير أبو ذر الغفاري رجلًا بأمه، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية» متفق عليه؛ فدل على أن الطعن في الأنساب من عمل أهل جاهلية، وأن المسلم قد يكون فيه شيء من هذه الخصال المسماة بجاهلية، ويهودية، ونصرانية، ولا يجب ذلك كفره، ولا فسقه -قاله شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-؛ وهذا تنبيه لطيف من شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- أن رب إنسان يصدر منه هذا الأمر، يصدر منه هذا الأمر، ولا يكون ذلك كفرًا بالله جل وعلا، بل ولا يكون كذلك فسقًا، لكن قد يكون ماذا؟ ولكنه يكون معصية، ونحو ذلك، ولا سيما إن قاله في حالة غضب، أو نحو ذلك؛ أي لم يكن على سبيل التأني، والتمهل، والاعتناء بالألفاظ، والاعتناء بالألفاظ الصادرة منه. قال -رحمه الله تعالى-: قوله: والاستسقاء بالنجوم: تقدم معناه. قال: فإذا قال قائلهم: مطرنا بنجم كذا، وبنوء كذا؛ فلا يخلو إما أن يعتقد أن له تأثيرًا في نزول المطر؛ فهذا شرك، وكفر؛ لنسبة المطر لغير من أنزله، وهو الله وحده. وأما مع إطلاق هذا: الله؛ فقد صرح ابن مفلح في «الفروع» بتحريمه، وكذلك صاحب «الإنصاف» -أي المرداوي-، ولم يذكر خلافًا؛ بمعنى أن القائل إذا قال: مطرنا بنوء كذا، وقصد بلفظه هذا أنه مطر بنوء كذا؛ أي أن ذلك النوء هو الموجد، والمؤثر في حصول المطر، ونزوله بذاته، هو الموجد لذلك المطر؛ هذا من قبيل الشرك الأكبر بالله جل وعلا: شرك أكبر؛ إذ أنه نسب إيجادًا، وخلقًا، بل ورزقًا، ونعمة إلى غير الله جل وعلا: نسبة إيجاد، نسبة إيجاد، وهذا شرك في الربوبية، شرك في ربوبية الله جل وعلا؛ إذ أنه نسب أن غير الله جل وعلا يوجد ما يوجده الله جل وعلا وحده، ويرزق، وينزل الأمطار، إلى غير ذلك مما يكون، مما يكون بنحو هذا المعنى؛ هذا المعنى الأول. قال: وقد يقول القائل: مطرنا بنوء كذا، ويريد بذلك أن الباء هاهنا للسببية: باء السببية؛ أي مطرنا بسبب نوء كذا، وهذا المعنى شرك أصغر؛ بهذا المعنى هو من قبيل الشرك الأصغر؛ لماذا؟ لأنه جعل ما ليس سببًا -لا شرعًا، ولا قدرًا- سببًا؛ جعل ما ليس سببًا سببًا، وهذا من قبيل الشرك الأصغر، من قبيل الشرك الأصغر. قال: وأما إذا قال: مطرنا بنوء كذا، وأراد بقوله: بنوء كذا؛ أي في نوء كذا؛ أي أراد بالباء هنا الظرفية؛ أراد بالباء هنا الظرفية للسببية؛ بمعنى مطرنا في منزل القمر الفلاني؛ فهذا من حيث المعنى جائز؛ فهذا من حيث المعنى جائز، بل ومن حيث اللغة كذلك جائز؛ لمن كان عارفًا، وعالمًا باللغة؛ لأن الباء قد تأتي بمعنى الظرفية، ومنه قول الله جل وعلا: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ﴾؛ أي وفي الليل، قول الله جل وعلا: ﴿وَبِاللَّيْلِ﴾؛ أي وفي الليل؛ فإن قصد القائل: مطرنا بنوء كذا؛ أي في نوء كذا؛ فالمعنى لا يكون شركًا بالله جل وعلا؛ لا من قبيل أكبر، ولا من قبيل أصغر، ومن حيث اللغة؛ من حيث اللغة أيضًا يجوز أن يؤتى بالباء، ويراد بها معنى الظرفية: معنى الظرفية؛ لكن كره بعض أهل العلم هذا اللفظ؛ لما قد يوقع من الالتباس، والاشتباه؛ كره بعض أهل العلم إطلاق هذا اللفظ، ولو كان على المعنى الثالث؛ لما قد يوقع من الالتباس، والاشتباه على من لم يكن عالما بألفاظ اللغة العربية. قال -رحمه الله تعالى-: قوله: النياحة؛ أي رفع الصوت بالندب على الميت، النياحة المراد بها: رفع الصوت بالندب على الميت؛ يعني أن يرفع الصوت مع ذكر بعض محاسن الميت على سبيل التسخط، أو على سبيل التباهي، أو ما شابه ذلك؛ هذه من النياحة. قال: وضرب الخدود كذلك من النياحة، وشق الثياب من النياحة؛ ضرب الخدود: أن يضرب على الخد، وشق الثياب: أن يشق الثوب من جهة الجيب، ونحو ذلك، وهي من الكبائر؛ لشدة الوعيد، والعقوبة؛ كما في هذا الحديث، في قوله: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها»، فيه تنبيه على أن التوبة تكفر الذنب؛ قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. قال -رحمه الله تعالى-: قوله: تقام يوم القيامة، وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب؛ قال: سربال: واحد السرابيل، وهي الثياب، والقمص، وهي الثياب، والقمص؛ قال: هذه سرابيل أهل النار؛ يعني يلطخون بالقطران؛ يلطخون بالقطران؛ حتى يكون اشتعال النار بأجسادهن أعظم، ورائحتهن أنتن. قال: وروي عن ابن عباس أن القطران هو النحاس المذاب، وبهذا المعنى جاء عند ابن جرير -رحمه الله تعالى- بإسناد صحيح عن ابن عباس. قال -رحمه الله تعالى-: قوله: عن زيد بن خالد الجهني -رضي الله عنه- قال: صلى لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل؛ فلما انصرف، فأقبل على الناس، فقال: «هل تدرون ماذا قال ربكم؟» قال: الله ورسوله أعلم؛ قال: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر؛ فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته؛ فذلك مؤمن بي، كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا؛ فذلك كافر بي، مؤمن بالكوكب». قال زيد بن خالد الجهني: صحابي مشهور، مات سنة ثمان وستين، وقيل غير ذلك، وله خمس وثمانون سنة. قوله: صلى لنا؛ أي بنا، صلى لنا؛ أي بنا. قال الحافظ: وفيه إطلاق ذلك مجازًا؛ إطلاق ذلك مجازًا؛ أي إطلاق لنا على بناء، ولكن قد يقول من يمنع المجاز في اللغة: أن هذا أسلوب عربي سائغ. قال قوله: بالحديبية بتخفيف الياء، وقد تثقل؛ أي بالحديبية، بالحديبية، والحديبية. قوله: على إثر؛ بكسر الهمزة، وسكون الثاء المثلثة؛ على المشهور، وهو ما يعقب الشيء. قوله: سماء؛ أي مطر. قوله: فلما انصرف من صلاة؛ أي إلى المأمومين. قوله: هل تدرون؛ لفظ استفهام، ومعنى التنبيه، وفيه: إلقاء العالم المسألة على أصحابه؛ ليختبرهم، وفي هذا الأسلوب معنى من معنى التنبيه، والتهيئة؛ فيه معنى من معنى التنبيه، والتهيئة لإلقاء العلم. قال قوله: قال الله ورسوله أعلم؛ فيه حسن الأدب للمسؤول إذا سئل عما لا يعلم؛ أن يكل العلم إلى عالمه، وذلك يجب، وقولهم: قال الله ورسوله أعلم؛ هذا في حياته -صلى الله عليه وسلم- إذا سأل سائل عن أمر من باب الأدب؛ أن يقول: الله ورسوله أعلم، أما بعد موت الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ فيقال: الله أعلم، في الأمور الدينية، والدنيوية؛ في الأمور الدينية، والدنيوية؛ على أن بعض أهل العلم قالوا: في الأمور الدنيا لا بأس أن يقول: الله ورسوله أعلم، أما في الأمور الدنيوية؛ فلا يقال إلا: الله أعلم. قال -رحمه الله تعالى-: قوله: أصبح من عبادي مؤمن به؛ قال: لأنه نسب الفعل إلى فاعله، الذي لا يقدر عليه غيره؛ أي نسب الفعل إلى فاعله حقيقة، وهو الله جل وعلا؛ فهو مؤمن بأن الله جل وعلا هو الخالق، الرازق، المدبر، الموجد، الذي بيده كل شيء. قوله: وكافر؛ أي إذا اعتقد أن للنوء تأثيرًا في إنزال المطر؛ فهذا كفر؛ لأنه شرك في الربوبية، والمشرك كافر؛ أي إن اعتقد فيه أنه المؤثر في وجود المطر لذاته؛ لذاته. قال: وأما إذا اعتقد فيه أنه سبب، أنه سبب؛ وهذا قد يكون الأظهر في هذا الحديث؛ قد يكون الأظهر في هذا الحديث أن المعنى: معنى السببية؛ أي مطرنا بسبب نوء كذا؛ بسبب نوء كذا؛ فيكون إطلاق الكفر هاهنا من باب إطلاق الكفر الأصغر؛ من باب إطلاق الكفر الأصغر؛ لكن قد يحمل الحديث على كلا المعنيين؛ فيقال: إن اعتقد في الكوكب أنه هو المؤثر بذاته في إيجاد المطر، وإنزال المطر؛ فهذا من قبيل الشرك الأكبر، والكفر الأكبر؛ فيكون الكفر هاهنا على بابه؛ أي الكفر الأكبر، وإن اعتقد بأن الكوكب سبب لإنزال المطر، وإنما المنزل له حقيقة هو الله جل وعلا؛ فهذا يكون من قبيل الشرك الأصغر، والكفر الأصغر؛ ويكون قوله -صلى الله عليه وسلم-: «كافر»؛ أي كفرًا أصغر؛ على المعنى الثاني. قال -رحمه الله تعالى-: قوله: فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته؛ فالفضل والرحمة: صفتان لله تعالى؛ فالله جل وعلا هو ذو الفضل العظيم -جل جلاله-، وهو الذي يرحم من شاء برحمته التي وسعت كل شيء؛ فهما من صفات الله جل وعلا الفعلية؛ من صفات الله جل وعلا الفعلية المتعدية؛ فهي صفات فعلية، وهي صفات كذلك متعدية؛ أي لخلقه. قال قوله: ولهما من حديث ابن عباس معناه؛ وفيه قال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ إلى قوله: ﴿تُكَذِّبُونَ﴾؛ تقدم معناه قريبًا. والله تعالى أعلى وأعلم، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على