شرح قرة عيون الموحدين 48

الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 48، ألقاها

مقدمة في شرح باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان

يشرح الشيخ العلامة عبد الرحمن ابن حسن معنى باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان، موضحًا أن الأمة الإسلامية لن تجتمع كلها على ضلالة. يبين أن هناك طائفة من الأمة ستظل على الحق دائمًا.

تعريف الأمة الإسلامية وأنواعها

المقطع يشرح معنى "الأمة" في الإسلام، ويقسمها إلى قسمين: أمة استجابة وأمة دعوة. يُوضح الفرق بينهما وأهمية الاستجابة لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم.

انتشار عبادة الأوثان في الأمة الإسلامية

يشرح أن الأمة الإسلامية قد تقع في الشرك بالله، واستدل بآيات قرآنية على أن الوثن يطلق على كل ما يعبد من دون الله. يُبين أن الشرك وقع في الأمة وسيظل مستمرًا.

توسيع في تعريف الوثن وأمثلة عليه

كل ما عبد من دون الله فهو وثن، سواء كان نبيًا أو صالحًا أو ملكًا أو غير ذلك. يشمل مختلف المعبودات من دون الله، موضحًا عمق المشكلة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن ابن حسن ابن محمد بن عبد الوهاب -عليهم رحمة الله جميعًا- في كتابه «قرة عيون الموحدين»، حاشية كتاب التوحيد، في صدد حاشيته على قول الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- في كتابه «التوحيد»: «ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان». قد أخذنا شيئًا فيما مضى بسبب الانقطاع في الأيام التي مضت، لا بأس بأن نرجع إلى الباب من باب المذاكرة. قوله -رحمه الله تعالى-: «باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان». تقدم معنا مرارًا أن معنى الباب أنه يطلق على المدخل، وهو على قسمين: معنوي وحسي. المدخل الحسي معلوم، المدخل الذي يدخل منه الناس إلى بيوتهم ويخرجون، وإلى مساجدهم ويخرجون، وإلى أسواقهم ويخرجون، وهكذا. والمدخل المعنوي هو ما يذكره العلماء -رحمهم الله تعالى- فيه كتب العلم، في كتب العلم. والباب يتضمن عدة مسائل يذكرها المصنف من جنس واحد تحت ذلك الباب. فقوله -رحمه الله تعالى-: «باب»، أي مدخل. «باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان»، أي مدخل فيما جاء، أي في الذي جاء من الأدلة من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الدالة على أن بعض هذه الأمة، أي أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وقوله: «بعض»، دليل على أن الأمة كلها معصومة، أي لا يكون الزلل لكل الأمة، ولكن يكون لبعضها دون بعض، وذلك لخبر الصادق -صلوات الله وسلامه عليه- في قوله: «أنه لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». فإذا لا بد من طائفة قائمة بالحق، وبه قام الحق، أو وبها قام الحق، وإن خالفها من خالفها، وإن خذلها من خذلها. وهذه الأمة هي الأمة، أو هذه الطائفة هي الطائفة الباقية على ما كان عليه نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وصحابته الكرام وأتباعهم بإحسان. فإذا ما يحصل من متابعة بعض الأمة لبعض الأمة للأمم السابقة في عبادة الأوثان، هذا يكون -كما سمعتم- لبعض الأمة لا لكلها؛ لأن الحق قائم بإذن الله جل وعلا، ومستمر بإذن الله جل وعلا، وله من يقوم به بإذن الله جل وعلا. نعم، قد يقوى أحيانًا ويضعف أحيانًا، ويظهر أحيانًا ويخفى أحيانًا، ويكون في بعض الأقطار قويا وفي بعضها ضعيفًا، وهكذا سنة الله جل وعلا. فالحق باق بحمد الله جل وعلا، والباطل كذلك باق وموجود، سنة الله جل وعلا في صراع بين الحق والباطل؛ ليتمحص الحق من الباطل، وليظهر أهل الحق بحق وأهل الباطل، ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾. فالله جل وعلا جعل سبلًا لأهل الهداية، وجعل سبلًا كذلك لأهل الغواية، يعلمها من يعلمها، ويجهلها من يجهلها. قوله -رحمه الله تعالى-: «هذه الأمة». قوله «هذه» إشارة، والإشارة إلى شيء إما أن يكون محسوسًا وإما أن يكون غير محسوس، بل يكون معنويًا أو يكون في الضمير. ومعنى هذا أن بعض هذه الأمة، أي أمة محمد؛ لأن قوله «هذه» إشارة إلى الأمة. وقوله «الأمة»، الألف واللام في «الأمة» للعهد، أي أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الأمة التي بعث فيها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. والأمة -أمة محمد صلى الله عليه وسلم- كما ذكر العلماء -رحمهم الله تعالى- على قسمين: أمة استجابة، وأمة دعوة. فأما أمة الاستجابة فهم الذين استجابوا للرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم واتبعوه، استجابوا له وأقروا به واتبعوه صلى الله عليه وسلم، واتبعوا ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم. وهذه الأمة هي الأمة المحمودة، أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الذي وصفها الله جل وعلا بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. فهذه أمة الاستجابة. وغالب وأكثر الأحاديث التي يقول فيها نبينا صلى الله عليه وسلم: «أمتي»، وما شابه ذلك، فإن المراد بها هذه الأمة، أي أمة الاستجابة. وأما القسم الثاني والنوع الثاني من الأمة، فهو أمة الدعوة. وأمة الدعوة هم الذين دعاهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلى الإسلام، ولكنهم لم يستجيبوا له، لم يستجيبوا لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، مع أنه دعاهم إلى الله جل وعلا، وبعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فهؤلاء باعتبار دعوة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فهم من أمة محمد، ولكنهم من أمة الدعوة. وأمة الدعوة لا ينالهم شيء من الخيرية التي لأمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم التي استجابت له؛ وذلك لأنهم عصوا الرسول. قال الله جل وعلا: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. والإسلام هاهنا الخاص، الإسلام الخاص؛ لأن الإسلام كذلك على قسمين: إسلام عام وإسلام خاص. فأما الإسلام العام فهو الاستسلام لله جل وعلا بالطاعة والانقياد له بالقبول. والإسلام دين جميع الأنبياء من أولهم إلى آخرهم؛ لأن جميع الأنبياء يدعون إلى طاعة الله جل وعلا وحده لا شريك له. قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الدِينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾. فهي دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم. ويطلق الدين أو يطلق الإسلام، ويراد به الإسلام الخاص، وهو الإسلام الذي بعث الله جل وعلا به محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ولا يقبل الله جل وعلا دينًا سواه بعد بعثته، كما قال الله جل وعلا في كتابه الكريم في الآية السابقة: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. وقال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. وقال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم -كما في صحيح مسلم- حديث أبي هريرة وغيره: «لا يسمع بي يهودي ولا نصراني -أو قال: أبيض ولا أسود- فلم يؤمن بي إلا كان من أهل النار»، أو كما قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. إذن نعلم من هذا ونستفيد من هذا أن الأمة تطلق على قسمين وعلى نوعين: أمة استجابة وأمة دعوة. قوله -رحمه الله تعالى-: «أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان». وقوله -رحمه الله تعالى-: «يعبد الأوثان»، أي كما عبدت الأمم السابقة الأوثان. ومعنى هذا الباب أن من الأمة من يقع في أعظم ما نهى الله جل وعلا عنه، وما نهى عنه رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. بل أصل بعثة الرسل من أولهم إلى آخرهم هو إخلاص الدين لله وحده لا شريك له، والكفر بكل ما يعبد من دون الله جل وعلا. وهؤلاء -للأسف- وقعوا فيما وقعوا فيه من عبادة غير الله جل وعلا. والشيخ -رحمه الله تعالى- ذكر هذا الباب في كتاب التوحيد، والمناسبة من إيراد هذا الباب لكتاب التوحيد ظاهرة وواضحة؛ وهو أن من الناس من قد يقع في الشرك بالله جل وعلا الذي هو الناقض الأعظم للتوحيد، وهو يحسب أنه يحسن صنعًا. والشيخ -رحمه الله تعالى- بوب بهذا الباب؛ مع أنه ذكر في الأبواب السابقة أبوابًا مقاربة لهذا المعنى، ولكنه -رحمه الله تعالى- خص هذا الباب بذكر ما ذكره -رحمه الله تعالى- إشارة إلى الرد على من أنكر أن تعبد الأوثان؛ لأن من الناس من الجهال ممن قد التبس عليهم الحق بالباطل، وزين لهم الشيطان أعمالهم، فيقولون: بأن الشرك لا يكون في هذه الأمة، وأن عبادة الصالحين والغلو في تعظيمهم وعبادتهم من دون الله جل وعلا لا تصيرها أوثانًا؛ لأن العبادة لغير الله جل وعلا انتهت بانتهاء مشركي العرب الأول. وهذه شبه شيطانية ألقاها الشيطان على من ألقاها عليه من الجهال، فأوقعهم في الشرك وأرداهم فيه، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، وهم يحسبون أنهم معصومون ومحميون من الشرك بالله جل وعلا من الوقوع في الشرك بالله جل وعلا، وهم يشركون بالله جهارًا نهارًا سرًا وعلانية، ويحسبون أنهم يحسنون صنعًا. فأراد الشيخ -رحمه الله تعالى- بهذا الباب وبهذا التأليف أن يبين أن الشرك قد وقع في هذه الأمة وأنه سيقع ولا محالة، واستدل بجملة من الأدلة تؤيد وتقرر هذا المعنى من هذا الباب. في قوله في هذا الباب قال -رحمه الله تعالى-: «وقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾». قال: «الوثن يطلق على كل من قصد بنوع من أنواع العبادة من دون الله، من صنم أو قبر أو غيره». لقول الخليل -عليه السلام-: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾، مع قوله: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾. وفي هذا دلالة على أن لفظ «الوثن» أعم من لفظ «الصنم»، أن لفظ «الوثن» أعم من لفظ «الصنم». فالوثن يطلق على الصنم ويطلق على غيره. فكل ما عبد سوى الله جل وعلا ومن دون الله جل وعلا فإنه يكون وثنًا. يكون وثنًا؛ لذا قال الشيخ -رحمه الله-: «الوثن يطلق على كل من قصد بنوع من أنواع العبادة». فقوله «كل» يدل على ماذا؟ على العموم، وعلى أن كل من وما عبد من دون الله جل وعلا فإنه وثن، سواء كان نبيًا أو كان صالحًا أو كان ملكًا أو كان جنًا أو كان حجرًا أو شجرًا أو شمسًا أو قمرًا، فكل ما عبد من دون الله جل وعلا فإنه يكون وثنًا. نكتفي بهذا القدر. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على