الدرس في كتاب المعاملات 38، ألقاها
الوديعة أمانة في يد المستودع، ويجب حفظها في حرز مثلها عرفًا. لا يجوز دفعها إلى غير من يحفظ ماله عادة إلا بضمانهم.
يجب رد الوديعة إلى صاحبها عند الطلب أو عند سفر المستودع أو مرضه. يتحمل المستودع مسؤولية إعلاف الدابة المودعة، ويقبل قوله بخصوص الوديعة مع يمينه إذا ادعى تلفها بدون تعد أو تفريط.
الودائع المصرفية تعتبر قرضًا إذا استخدم البنك المال ودفع فائدة، وهي محرمة. إذا أودع الشخص ماله بدون فائدة فلا شيء فيه، وأما الفوائد التي يأخذها رغمًا عنه فيجب إنفاقها في مصالح المسلمين.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، المسألة الثالثة في الأحكام المتعلقة بالوديعة. الوديعة أولًا: الوديعة أمانة في يد المستودع، فلا ضمان عليه إن لم يتعد أو يفرط؛ لأنها أمانة كسائر الأمانات، والأمين لا يضمن إن لم يتعد. لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضمان على مؤتمن». هذا الحكم الأول. وحديث «لا ضمان على مؤتمن» جاء من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وذكر له العلامة الألباني رحمه الله تعالى طرقًا عديدة، بمجموعها تشهد بأن المستودع -أي الذي توضع عنده الوديعة- هو أمين. فإن تلفت تلك الوديعة من غير تعد منه أو تفريط، فلا شيء عليه. فلا شيء عليه ولا ضمان عليه إذا قال: حرقت أو تلفت أو ما شابه ذلك؛ الأصل أنه أمين ولا ضمان عليه. والله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾؛ إذ أنه محسن في حفظه لتلك الوديعة. ولو أننا غرمنا كل مستودع إذا تلفت عنده الوديعة، لقطع هذا الباب وسد هذا الباب. لكن لحكمة الشريعة العظيمة جعلوا القول في هذا الباب، ونظائره من أبواب الأمانات، أن القول قول المستأمن -أي قول الأمين-. فإذا ادعى أنها تلفت، فلا يطالب بالبينة؛ لأنه أمين. وإذا كان أمينًا، فإنه مصدق. وبعض أهل العلم ذكر أن في الأشياء التي قد يكون فيها شيء من لوثة التفريط أو التعدي أو ما شابه ذلك، قالوا: في مثل هذه الحالة يطالب بيمين إلى جانب دعوته. يطالب بيمين معها، وإلا فإنه لا ضمان عليه أصلًا. الثاني: إذا تعدى على الوديعة أو فرط في حفظها، فإنه يضمنها إذا تلفت؛ لأنه متلف لمال غيره. هذا الحكم الثاني، وهو أن المستودع إذا تعدى على الوديعة أو فرط في حفظها، فإنه يضمنها إذا تلفت؛ لأنه في حقيقة الأمر هو متلف لمال غيره. فإذا تعدى على الوديعة -يعني مثال ذلك: أعطي مالًا للحفظ، أعطي مالًا للحفظ فاحتاج يومًا إلى مال، فقال: سأستخدم هذا المال بغير إذن صاحبه، فاستخدمه فتلف ذلك المال- فإنه حينها يكون متعديًا وعليه الضمان. يكون متعديًا وعليه الضمان. أو يكون مفرطًا بأن لا يضع ذلك الشيء المستودع في مكان مثله يحفظ به ذلك الشيء، فتلف ذلك الشيء، فإنه يضمن كذلك. لماذا؟ لأنه مفرط. فالحاصل من هذا أن الأمين ليس بضامن إلا أن يكون مفرطًا أو متعديًا. الثالث من الأحكام: يجب على المستودع حفظ الوديعة في حرز مثلها عرفًا. أي: إذا حافظ -مثلًا- دابة يحفظ بما تحفظ به الدواب عرفًا. إذا أعطي -مثلًا- وديعة ذهب أو نقد أو ما شابه ذلك، يحفظها كذلك بما يحفظ مثلها. إذا أعطي سيارة -مثلًا- وديعة يحفظها، يحفظها كذلك بما يحفظ مثلها عرفًا. وهكذا، فكل بحسبه وبحسب العرف؛ لأن الله عز وجل أمر بأداء الأمانات إلى أهلها، ولا يمكن ذلك إلا بحفظها. ولأن المقصود من الإيداع الحفظ، والوديع ملتزم بذلك. فإن لم يحفظها، لم يفعل ما التزمه، فيكون بذلك مفرطًا فيضمن. الرابع من الأحكام: لا يجوز للمستودع أن يدفع الوديعة إلى من يحفظها إلا لمن يحفظ ماله عادة، كزوجته وعبده وخازنه وخادمه. وإن تلفت عندهم من غير تعد ولا تفريط، فالضمان عليهم. ومعنى هذا أن الإنسان لو استودع ماله عند إنسان، فأخذ ذلك الإنسان ذلك المال وقال -مثلًا- لخازنه: احفظه مع مالنا، احفظه مع مالنا، فأخذه الخازن فوضعه في ماله. أو الخازن فوضعه في ماله. أو قال لمرأته: احفظيه عندك، والمرأة عادة تحفظ مال ذلك الرجل. فإن حصلت في يد المرأة أو في يد الخادم أو في يد الخازن أو ما شابه ذلك ممن جرت عادة ذلك الأمين أنه يحفظ أمواله عندهم من أهله ومن أهل بيته، فلا ضمان عليه. ولا يكون بذلك متعديًا ولا مفرطًا. الحكم الخامس: لا يجوز أن يودعها عند غيره من غير عذر. أي: لا يجوز للمستودع أن يودع الوديعة الذي أودعها عنده صاحبها، لا يجوز له أن يودعها عند غيره بغير عذر. يعني: مثال ذلك: جاء زيد فوضع وديعة عند عمر، لا يجوز لعمر أن يأخذ هذه الوديعة ويضعها وديعة عند خالد -مثلًا-؛ لأن هذا نوع تعد ونوع تفريط في حفظها. فلا يجوز ذلك؛ إذ أنه أمين. ومعنى أنه أمين: إما أن يقدر على حفظها فيحفظها، وإما أن لا يقدر على حفظها فيردها إلى صاحبها. أما إذا أعطاها إلى طرف ثالث، فإنه يكون بذلك أولًا متعديًا معتد فيأثم على ذلك، ويكون كذلك ضامنًا إن تلفت تلك الوديعة. وأما لعذر -يعني قال: لا يجوز أن يودعها عند غيره من غير عذر- وأما لعذر كسفر أو حضور موت، فجائز. يعني: حضره الموت -أي حضر ذلك المستودع الموت- أو كان يريد سفرًا فيخشى على ذلك المال، فماذا يصنع؟ قالوا: في هذه الحالة يجوز له أن يودعها إما عند الحاكم، وإما أن يودعها عند أمين إذا لم يكن صاحبها موجودًا، وإلا الأصل أن يردها إلى صاحبها. قالوا: عليه. فإن أودعها عند الغير بعذر فتلفت، لم يضمن؛ لأنه لم يفرط ولم يتعد. وإن كان بغير عذر ضمن لتعديه وتفريطه. السادس من الأحكام -أي من أحكام الوديعة-: إذا خاف المستودع على الوديعة أو أراد السفر، فإنه يجب عليه ردها إلى صاحبها أو وكيله. ردها إلى صاحبها أو وكيله. فإن لم يجدهما، فإنه يحملها معه في السفر إذا كان ذلك أحفظ. إذا كان ذلك أحفظ لها، وإلا دفعها إلى الحاكم. فإن لم يتمكن أو دفعها عند من يثق به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة إلى المدينة أودع الودائع لأم أيمن رضي الله عنها، وأمر عليًا أن يردها إلى أهلها. والحديث كما ذكر في الحاشية رواه البيهقي وحسنه العلامة الألباني رحمه الله. ومنه يستفاد هذا الحكم: أنه إذا أراد سفرًا أو حصل له شيء طارئ، فهو بين أمور: بين أن يردها إلى صاحبها إن كان موجودًا. فإن لم يكن موجودًا واستطاع أن يحفظها بنفسه ولو كان مسافرًا فعل. فإن خشي عليها وضعها عند حاكم. فإن لم يكن وضعها عند أمين. يضعها عند أمين، ولا يكون بذلك متعديًا ولا مفرطًا. وكذلك إذا مرض المستودع مرضا مخوفا وعنده ودائع، فإنه يجب عليه ردها إلى أصحابها. فإن لم يتمكن أو دفعها عند الحاكم أو عند من يثق به؛ لأن هذا من الحفظ لها. إما أن يردها، فإن لم يستطع أن يكون صاحبها مسافرًا غائبًا، فيدفعها إلى الحاكم إن كان ثم حاكم. فإن لم يكن دفعها إلى أمين. ويشهد على ذلك. السابع من الأحكام: إذا كانت الوديعة دابة، لزم المستودع إعلافها وتغذيتها. فإن أهملها وتلفت ضمنها. ويأخذ بهذا الإهمال لحرمتها، ولأن كل كبد رطب فيها أجر. ويكون بحسبه -أي يحسب أجرة ذلك الإعلاف وذلك السقي- أي: مثلًا قاله: احفظ لهذه الدابة، وهي تحتاج إلى علف وإلى ما يعلفها، وله أجرة إعلافها. له أجرة إعلاف ترك الدابة. الثامن من الأحكام: المستودع أمين، يقبل قوله إذا ادعى أنه رد الوديعة إلى صاحبها أو من يقوم مقامه. ويقبل قوله مع يمينه إذا ادعى أنها تلفت من غير تعد ولا تفريط. وعلى المستودع أن لا يؤخر رد الوديعة عند طلب صاحبها لها. فإن أخرها من غير عذر فتلفت، فإنه يضمن. طيب، في هذا الحكم عدة مسائل، منها: أولًا: أن المستودع أمين، ومعنى المستودع أمين: أي أن قوله يكون مقبولًا، فلا يحتاج إلى بينة. فإذا ادعى أنه رد الوديعة إلى صاحبها، ولم يكن له بينة على ذلك، فإن قوله يكون معتبرًا مع يمينه. لماذا؟ لأنه محسن ولأنه أمين. والأمر الثاني: إن ادعى كذلك بأن تلك الوديعة تلفت من غير تعد منه أو تفريط، كذلك قوله يكون معتبرًا معتمدًا أيضًا مع يمين. يكون مقبولًا؛ لأنه أمين. والله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾. والأمر الثالث أو المسألة الثالثة: أن المستودع إذا طلب صاحب الوديعة الوديعة، على المستودع أن يدفع له وديعته، فلا يؤخرها. فإن أخرها ضمنًا. إن أخرها ضمنًا. ومعنى ضمنًا: يكون ضامنًا، ولو يقول: أنا ما تعديت، أنا ما فرطت. لماذا؟ لأن صاحبها لما ادعاها أو طلبها، انقضت بذلك الطلب وقت الوديعة، وانتزع عنه اسم الأمانة. فعليه أن يؤدي الأمانة؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾. فإذا طلب أهلها حقهم وأمانتهم، فالأمين يدفع. فإن تأخر فتلفت تلك الأمانة عنده، ولو لم يكن بتعد أو تفريط، فإنه يضمن. قالوا: من الصور التاسع من الصور المعاصرة للوديعة. طيب، قبل هذا ينبه العلماء رحمهم الله تعالى هنا على مسألة، وهي أن إنسان لو وضع عند إنسان مالًا -وضع عنده مثلًا مئة ألف- قال له: هذه وديعة ضعها عنده، فأخذ ذلك الأمين تلك المئة ألف واستخدمها، ثم رد مثلها -رد مثلها مئة ألف- من غير أن يستأذن من صاحب الوديعة. ثم تلفت تلك المئة ألف من غير تعد أو تفريط بزعمه. يقول العلماء رحمهم الله تعالى: أنه يضمن. لماذا يضمن؟ قالوا: لأنه تعدى. تعدى بماذا؟ بأخذ ذلك المال واستخدامه من غير إذن أو بغير إذن صاحبه. فهو يكون متعديًا بهذه الحال، فيدخل في ضمن المتعدي. فهو أمين، ولكنه تعدى. فهو ضامن. وإن حصل للمال جائحة أو ما شابه ذلك من غير عمله؛ لأنه تعدى. التاسع من الأحكام من الصور المعاصرة للوديعة: الودائع المصرفية، وهي ما يقوم به الأفراد من إيداع مبالغ نقدية في البنوك إلى أجل محدد أو مطلقًا. ويقوم البنك بالتصرف في هذه المبالغ، ويدفع صاحبها فائدة مالية ثابتة. وهذه تصير في معنى القرض من حيث تملك البنك لعينها وتعلقها بذمته، وتعهده برد مثلها عند المطالبة. وهي بهذه الصورة من الربا المحرم. لماذا؟ لأن حقيقتها أنها قرض جر نفعًا، وكل قرض جر نفعًا فهو ربا. فهذا من هذا الباب. قالوا: فليحذر المسلمون من الوقوع فيه. أما الودائع التي لا يتقاضى صاحبها عليها فائدة -كالذي يعرف اليوم بالحساب الجاري- فلا شيء فيه؛ لأنه لم يأخذ زيادة على أصل ماله. أما إذا ألزم الشخص بقبض الزيادة، وكان مضطرًا إلى الإيداع في هذه البنوك بحيث يلحقه ضرر محقق بترك ذلك، فإنه يقبض هذه الزيادة وينفقها في مصالح المسلمين العامة. وهذه كذلك الفقرة فيها أحكام ثلاثة: الحكم الأول: أن الإنسان إذا احتاج إلى إيداع ماله في البنك -ما هناك مكان يحفظ ماله- وكان عنده مال يخشى عليه من السرقة أو من الانتهاب أو من التلف أو ما شابه ذلك من الأمور التي يخشى الإنسان بها على ماله، فوضع ماله في البنك وديعة، فاستخدمها البنك، وبعد أن استخدمها البنك أعطوه فوائد، فلا يجوز له أن يأخذ هذه الفوائد؛ لأنها ربوية. فإن أرغموه على أخذها أو خاف إن لم يأخذها أن يحصل له شيء من الضرر، له أن يأخذها، بل ولو لم يخشى ذلك له أن يأخذها، ولكن لا يأكلها ولا يشربها ولا ينتفع بها انتفاعًا خاصًا، بل يجعلها في مصالح المسلمين العامة -كبناء الطرقات أو السدود أو مجاري المياه أو ما شابه ذلك مما تصرف في المصالح العامة للمسلمين- مع أنه ينوي بها الإتلاف للنفقة والصدقة. ينوي بهذا الأمر تكون نيته بذلك نية التخلص منها، لا بنية الصدقة؛ لأنها مال ليس بطيب. الحالة الثالثة: أن يدع ماله في مصرف ما أو ما شابه ذلك وديعة، ويعطوه ذلك المال متى شاء من غير فوائد، فهذا جائز. ولا سيما مع الحاجة. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.