الدرس في كتاب المعاملات 26، ألقاها
الضمان هو التزام ما وجب على غيره من حق، وحكمه الجواز لما فيه من تكافل وتعاون بين المسلمين. وقد دلت عليه الأدلة الشرعية من القرآن والسنة والإجماع.
يتناول هذا الفصل شروط وأحكام الضمان، مثل عدم جواز اشتراط نسبة مئوية معينة مقابل الضمان، وجواز تعدد الضامنين. كما يشمل شروط صحة الضمان وأحكامه.
هذا الفصل يتناول تفاصيل أحكام الضمان، مثل ضرورة رضا الضامن وجواز التصرف لديه، وأن ذمة الضامن لا تبرأ إلا إذا برئت ذمة المضمون عنه من الدين. كما يشير إلى أن الضمان يصح بكل لفظ يؤدي معناه.
المقطع الأخير يتضمن الدعاء بحمد الله والاعتراف بوحدانيته وطلب المغفرة والتوبة إليه، مما يعبر عن الخضوع لله تعالى والاعتراف بفضله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادئ له. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، المسألة الرابعة من الباب الثامن من كتاب المعاملات من كتاب الفقه الميسر، في الضمان. والضمان هو التزام ما وجب على غيره، أي هو التزام ما وجب على الغير من حق، وهو جائز. أي حكمه أنه جائز. وكما تقدم أن هذا الباب، وكذلك يعني سواء كان الكفالة أو الضمان، كلها من أبواب الإحسان، لكن تكون تلك الكفالة أو ذلك الضمان لمن هو أهل ويستحق ذلك. وهو جائز لقوله تعالى، عن يوسف عليه السلام: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾، الشاهد منه: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾، أي ضامن. وقوله صلى الله عليه وسلم: «الزعيم غارم». وكما تقدم معنا أن هذا الحديث يصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، وهو حديث رواه أبو داود والترمذي وغيرهما، من حديث أبي أمامة رضي الله عنه، ومن حديث رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال: وقد أجمع العلماء على جوازه؛ لأن الحاجة تدعو إليه، وهو من باب قضاء الحاجات والتعاون المأمور به شرعًا، أي هو من باب تكافل المسلمين بعضهم لبعض، وتعاون المسلمين بعضهم مع بعض. أحكام الضمان وشروطه: قالوا: لا يجوز أخذ العوض عليه. بمعنى أن إنسانًا لو ضمن إنسانًا بأن يأتي بالحق، مثال ذلك: إنسان اشترى سيارة وبقي عليه مبلغ من المال، قيل له: أين المال المتبقي؟ يقول: ليس عندي. يقول: إذن إما أن تدفع الباقي، وإما أن ترجع السيارة، وإما أن تأتي بمن يضمن المال. فيقول: أنا سأتيكم برجل موثوق معروف عندكم يضمن. فيؤتى بالرجل، فالرجل يضمن هذا. لكن هل يجوز للضامن أن يقول لمن ضمن له: أنا لا أضمن لك حتى تعطيني مثلاً نسبة خمسة بالمئة، ثلاثة بالمئة، عشر بالمئة؟ الجواب: لا، هذا لا يجوز؛ لأنه من باب أكل مال المسلمين بغير حق. الثاني: قالوا: يجوز تعدد الضامنين، فيجوز أن يضمن الحق إثنان فأكثر، ويكون الحق عائدًا عليهم جميعًا إذا لم يؤت به في وقته المحدد. وما ثبت الضمان في واحد، كذلك يثبت في أكثر من باب أولى. الثالث: لا يشترط في صحته معرفة الضامن المضمون عنه. كذلك لا يشترط في صحة الضمان أن يعرف المضمون عنه الضامن. يعني عندنا ثلاثة: صاحب الحق، والمضمون، والمضمون له. فليس من شرط الضمان أن يعرف هذا المضمون عنه أن يعرف ماذا الضامن. لكن لا تخبره بأنني ضامن له، فله الضمان صحيح أم لا؟ الجواب: أنه ضمان صحيح؛ لأن الحق سيرجع على من؟ على الضامن. والضامن أو المضمون عنه لا يؤثر ذلك عليه في شيء. إلا أن بعض أهل العلم استثنى صورة من ذلك، وهي ما إذا كان المضمون عنه رجل ذا جاه ومكانة عالية، وإذا ضمن عنه إنسان يكون فيه نقص في قدره وفي مكانته، وربما يسبب له سمعة بين الناس أنه ما استطاع أن يشتري الشيء الفلاني إلا وفلان ضامن له. فمثل هذه الصورة التي قد يترتب عليها ضرر، فيقال فيها: لا ضرر ولا ضرار. الرابع: يصح ضمان المعلوم والمجهول إذا كان يؤول إلى العلم. يعني يصح ضمان المعلوم، وهو واضح. ويصح ضمان المجهول إذا كان يؤول إلى العلم. مثال ذلك: يقول له: سأشتري سيارتي بسيارتك، وعلي الفارق سأدفع الفارق. تقوم هذه وهذه الآن، أصلًا فيها شيء من الجهالة، لكن مآلها إلى العلم. فيقول: سنقوم سيارتي وسيارتك عند الخبرة، وما قالوا من ثمن فهو علي. فأتي الضامن فيقول: وأنا أضمنه. أنا أضمن لك أنه سيوفي لك المبلغ المتبقي. ها هنا مجهول، لكن مآل إلى معلوم. وكذلك يصح ضمان عهدة المبيع. يعني صورتها: يأتي رجل عند رجل، كما ذكرنا: سيارة يبيع سيارة بسيارة. فهذا أو أحد الرجلين لا يعرف الآخر، فيقول: أنا ما يدريني لعل السيارة تكون مسروقة، لعلها تكون ليست ملكًا له. فيأتي إنسان ضامن يقول: أنا أضمن لك أن سيارة عهدتها لزيد. فهو يضمن ماذا هاهنا العهدة. وهذا كذلك صحيح وجائز. الخامس: قالوا: يصح الضمان بكل لفظ يؤدي معناه، كأن يقول: أنا ضامن، أو ضمين، أو زعيم، أو نحو ذلك. أي كل لفظ يدل على هذا المعنى، فإنه يترتب عليه أحكام الضمان كما ذكر. السادس: قال: لا تبرأ ذمة الضامن إلا إذا برئت ذمة المضمون عنه من الدين بإبراء أو قضاء. كما تقدم: عندنا ثلاث أطراف: صاحب الحق، ومن أخذ منه الشيء الذي هو من المضمون عنه، والضامن. فالضامن لا يسقطون حتى يؤدي هذا الذي ضمن عنه يؤدي الحق. فمتى أدى الحق برئت ذمة الضامن. ما أدى الحق، ما زال ذمة الضامن مشغولة بماذا؟ بماذا مشغولة بأداء الحق الذي على ذلك المضمون عنه. السابع: يشترط لصحة الضمان رضا الضامن. فإن أكره على الضمان لم يصح؛ لأن العقود التي مبناها على الإكراه غير معتبرة؛ لأن العبرة في العقود أن تبنى على التراضي. فأما إذا كانت على الإضطرار أو على الإكراه، ولا سيما الإكراه المرجع، فإنه يكون غير معتبر. قالوا: ولا يشترط رضاء المضمون عنه، كما تقدم. ولا رضاء المضمون له كذلك، كما تقدم في الكفالة. قالوا: كما يشترط لصحته أن يكون الضامن جائز التصرف، بأن يكون بالغًا عاقلًا رشيدًا. ومعنى هذا: أنه إذا لم يكن جائز التصرف، كأن يكون صغيرًا طفلًا، فإن ضمانه لا ينفذ ولا يصح. وأن يكون عاقلًا، خرج المجنون. وأن يكون رشيدًا، فخرج السفيه. فضمان هؤلاء أي السفيه أو المجنون أو الطفل غير معتبر ولا صحيح ولا نافذ. فيعتبر فيه الضامن: يشترط في الضامن أن يكون عاقلًا، بالغًا، رشيدًا. هذه بعض الأحكام المتعلقة بالضمان. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.