الدرس في الجواب الكافي 82، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يشرح المقطع كيف تسبب الذنوب فساد البيئة من ماء وهواء وزرع وثمار مستدلاً بالآية الكريمة وأقوال السلف، ويبين أن الفساد يشمل النقص والشر والآلام التي ينزلها الله بسبب المعاصي، كما أن خطايا بني آدم أثرت في الحجر الأسود ولعنت الدواب عصاة البشر، وكل ذلك عقوبة عاجلة وتنبيه للعباد ليذكروا ويرجعوا.
يبيّن المقطع أن المراد بالبحر في الآية يشمل كل ماء عذب أو مالح من أنهار وبحار وقرى مستدلاً بأقوال السلف وابن القيم، ويوضح أن الفساد الناتج عن الذنوب يقتضي عقوبات لكن الله يعفو عن كثير ويؤخر العقوبة الكبرى رحمةً بعباده فيعاقبهم بعقوبات خفيفة تنبيهًا وتأديبًا.
يؤكد المقطع على خطورة الذنوب والمعاصي وآثارها السلبية على الأفراد والمجتمعات، ويحث العبد على المبادرة بالتوبة إلى الله، ويختم بدعاء بالحفظ والرحمة للمسلمين وصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله عليه وسلم مبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فقد وقفنا في الدرس الماضي، بل أنهينا الفصل الذي عقده الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في ذكره لعقوبات أهل الذنوب والمعاصي التي رآها النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين رأى تلك الرؤية؛ جاءه آتيان فانطلق معهما، فرأى عقوبات أهل الذنوب والمعاصي: رأى عقوبة الذي يكذب الكذبة تبلغ الآفاق، ورأى عقوبة آكل الربا، وهكذا عقوبة الزناة والزواني، وهكذا عقوبة الذي يخالف شرع رب العالمين جل وعلا، ليبين رحمه الله تعالى أي من قيم الآثار السيئة للذنوب والمعاصي على أهلها. ثم ذكر بعد هذا رحمه الله تعالى فصلاً آخر في آثار الذنوب والمعاصي على أهلها وعلى أصحابها، وأن الذنوب والمعاصي ليس لها الآثار السيئة فقط على أهلها فحسب، أو على غيرهم من البشر، بل آثار الذنوب والمعاصي تتعدى حتى إلى النخيل والأشجار والماء والهواء. فالذنوب والمعاصي كما أن لها الآثار السيئة على أصحابها وعلى الناس، كذلك لها آثار سيئة على الزروع والثمار والبحار والأنهار والهواء والدواب. فلذلك رحمه الله تعالى عقد فصلاً ليبين أثر هذه الذنوب والمعاصي على الزروع والبحار والأنهار وغير ذلك. قال رحمه الله تعالى: "الذنوب تحدث الفساد في الأرض". قالوا: من آثار الذنوب والمعاصي أنها تحدث في الأرض أنواعاً من الفساد في المياه والهواء والزرع والثمار والمساكن. قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41]. قال مجاهد: إذا سعى الظالم بالظلم والفساد في الأرض، حبس الله بذلك القطر، فيهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد. قال: ثم قرأ: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. وقال عكرمة: "ظهر الفساد في البر والبحر"، أما إني لا أقول لكم: بحركم هذا، ولكن كل قرية على ماء. وقال قتادة: أما البر فأهل العمود، وأما البحر فأهل القرى والريف. قلت: أي الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، وقد سمى الله تعالى الماء العذب بحراً، فقال: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [فاطر: 12]، وليس في العالم بحر حلو واقف، وإنما هي الأنهار الجارية، والبحر المالح هو الساكن، فسمى القرى التي على المياه الجارية باسم تلك المياه. وقال ابن زيد: "ظهر الفساد في البر والبحر"، قال: الذنوب. قال ابن القيم: أردت أن الذنب سبب الفساد الذي ظهر، وإن أراد أن الفساد الذي ظهر هو الذنوب نفسها، فيكون اللام في قوله: ﴿لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ لام العاقبة والتعليل. وعلى الأول فالمراد بالفساد: النقص والشر والآلام التي يحدثها الله في الأرض بمعاصي العباد، فكلما أحدثوا ذنباً أحدث الله لهم عقوبة، كما قال بعض السلف: "كلما أحدثتم ذنباً أحدث الله لكم من سلطانه عقوبة". والظاهر والله أعلم أن الفساد المراد به الذنوب وموجباتها، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾، فهذا حالنا، وإنما أداقنا الشيء اليسير من أعمالنا، ولو أداقنا كل أعمالنا لما ترك على ظهرها من دابة. فبين رحمه الله تعالى في هذا الفصل آثار الذنوب والمعاصي، وأنها سبب للفساد في الأرض، فالذنوب والمعاصي تحدث أنواعاً من الفساد في المياه، وفي الزروع، وفي الهواء، وفي الثمار، وفي المساكن. وأشار رحمه الله تعالى إلى الآية الدالة على هذا: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. فتفسد الزروع، اليوم تسمعون بدوباس النخيل، دوباس النخيل مرض يصيب النخل، ومن خرج إلى بعض الأماكن في الوادي يرى ذلك ظاهراً: النخيل مريض، أصابه المرض. مرض النخيل، ما سبب مرض النخيل؟ من أين جاء المرض؟ من الذنوب والمعاصي التي يحدثها العباد، تضرر حتى النخيل، وأثر على الثمار، آلاف الأشجار مصابة بهذا المرض، مرض دوباس النخيل. إذن الزروع تمرض بسبب الذنوب والمعاصي التي يحدثها العباد، الهواء ملوث، والبيئة ملوثة، والبحار ملوثة، والمياه ملوثة، كل هذا من العقوبات من الله سبحانه وتعالى، كل ذلك بأمر الله جل وعلا، ومن العقوبات العاجلة لكي يعتبر الناس؛ لأنهم إذا رأوا أن ذنوبهم ومعاصيهم آثارها ظاهرة، آثارها ظاهرة في أنفسهم، وفي إبلهم، وفي زروعهم، وفي مياههم التي يشربونها، وفي بحرهم وجوهم، وفي برهم، في مدنهم وقراهم، رجعوا لله سبحانه وتعالى، ﴿لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى بالعباد، كما أنها نقمة، وكما أنه عقاب، إلا أن فعل الله جل وعلا ليس فيه شر. ولذلك كان من دعائه عليه الصلاة والسلام، كما في حديث علي بن أبي طالب في صحيح مسلم رحمه الله: كان عليه الصلاة والسلام يقول: «والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، والشر ليس إليك». ليس في فعل الله شر، وإن كان هو بالنسبة للعباد شراً لأنه لا يلائمهم، العقوبات والنقمات لا تلائمهم، يرونها شراً، لكن تأملت هذا بالنسبة لفعل الله جل وعلا رأيته خيراً، لأن أفعال الله كلها خير. هذا الفساد الذي يحدث في ملكوت الله سبحانه وتعالى، وهذه العقوبات التي يظهر أثرها حتى على الماء والهواء والزروع والدواب، ليعتبر الناس ويرجعوا إلى الله سبحانه وتعالى، سبحانه وتعالى، لأن هذا الذي يرونه عبرة لهم وتذكرة، فيتذكر ويعتبر فيرجعون، فيرجعون إلى الله سبحانه وتعالى. فآثار الذنوب والمعاصي آثار عظيمة على أهلها وعلى غيرهم. الحجر الأسود، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، أخرج من الجنة وهو من حجر الجنة، أخرج إلى الأرض أشد بياضاً من اللبن، أشد بياضاً من اللبن. الحجر الأسود الذي هو في البيت الحرام الآن صار أسود، أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن السواد الذي أصابه بعد أن كان أبيض أشد بياضاً من اللبن: «سودته خطايا بني آدم». وهو حجر، حجر من أحجار الجنة، كان على هذا الصفاء وعلى هذا البياض، صار على هذا السواد، سودته خطايا بني آدم. خطايا بني آدم أثرت حتى على الأحجار، وغيرت بياضها، وأثرت على الزروع وعلى الدواب. ولذلك جاء في الأثر عن أبي هريرة أنه قال: «إن الدواب في أوكارها، الدواب في أوكارها، الحشرات، الطيور التي في أوكارها، تلعن عصاة بني آدم، تلعن عصاة بني آدم». لماذا تلعن عصاة بني آدم؟ تلعن عصاة بني آدم لأن هذه الدواب تضررت، تضررت من ذنوبهم ومعاصيهم، منع القطر من السماء لسبب ذنوب بني آدم، فحبس القطر، فهذه الدواب تضررت، وهكذا قلت البركات وغير ذلك. وكل ذلك من آثار الذنوب والمعاصي. ولذلك، ونذكر رحمه الله تعالى تفسير السلف، ذكر عن عكرمة وقتادة وابن زيد ما يتعلق بتفسير هذه الآية، وأن المراد بالبحر في هذه الآية: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾، ليس المراد به هذا البحر، ليس المراد به هذا البحر فقط الذي فيه الأسماك والذي فيه ما فيه، وإنما المراد بالبحر في الآية: كل ماء، وكل قرية عندها ماء وعندها نهر، فأيضاً داخل في هذه الآية. فليس المراد به البحر المالح هذا فقط، لا. ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ يعني في البر وفي البحر هذا، وفي الأنهار. قد يقول: الأنهار لا تدخل، لا داخل الأنهار، وإن كانت ليست مالحة، لأن الماء العذب يسمى بحراً. نعم، كما ذكر رحمه الله تعالى، أي ابن القيم رحمه الله تعالى، في قوله جل وعلا: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾، فسماه بحراً وإن كان عذباً، سماه بحراً وإن كانت الأنهار عذبة ليست مالحة، فدخلت في عموم هذه الآية: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾، يعني أنه عم البر، وعم البحر، وعم الوادي، وعم القرى، وعم المدن، فانتشر انتشاراً عظيماً. فلذلك عاقبهم الله سبحانه وتعالى بهذه العقوبات، أمهلهم سبحانه وتعالى، الذي يمهل ولا يهمل، وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة، إن أخذه أليم شديد. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته»، وتلا هذه الآية عليه الصلاة والسلام. وشاف ابن القيم رحمه الله تعالى إلى ما قاله السلف رحمهم الله، وأن الذنوب والمعاصي إذا أحدثت في أرض الله جل وعلا كانت سبباً في إحداث عقوبات، فالذنب يحدث فتقابله عقوبة تحدث، فكلما أذنبوا، وكلما أحدثوا ذنوباً ومعاصي، أحدث الله سبحانه وتعالى لهم هذه العقوبات، وهو جل وعلا العدل في أحكامه، لا يظلم العباد شيئاً، فما يصيب العباد فبسبب ذنوبهم ومعاصيهم. وهذه العقوبات إنما هي شيء يسير، لا توازي، لا توازي الذنوب، العقوبات لا توازي الذنوب التي يحدثها العباد في أرض الله، لا، الذنوب التي يحدثها العباد في أرض الله عقوباتها أعظم، يستحقون عقوبات عظيمة، لكن ربنا جل وعلا الغفور الرحيم، وإنما يعاقبهم بعقوبات يسيرة، وإلا لو عاقبهم العقوبات التي تستحقها تلك الذنوب والمعاصي لما بقي على هذه الأرض أحد، ولما بقي، لما بقي على ظهر هذه الأرض أحد. وإنما الله جل وعلا يعاقب العباد بهذه العقوبات الخفيفة، وكما قال جل وعلا: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ﴾ [النحل: 61]، ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. والمعنى: أن الله جل وعلا لا يؤاخذ الناس بظلمهم، يعني بما يوافق ما فعلوا من ظلم واعتداء وذنوب ومعاصي، لو عاملهم بهذا الميزان لما بقي على هذه المعمورة من دابة. وهكذا قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَآيَاتُهُ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ * إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ * أَوْ يُوبِقَهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 32-34]، ويعفو عن كثير، ويعفو عن كثير. فالله جل وعلا يعفو عن كثير من العقوبات، كثير من العقوبات يفعلها العباد، والله جل وعلا يعفو عنهم، وذلك لأنه الرحيم اللطيف سبحانه وتعالى. فلذلك على العبد أن يعلم خطر الذنوب والمعاصي، وآثار الذنوب والمعاصي على البلاد والعباد، ويكفيه، ويكفيه من هذه الذنوب والمعاصي، وعليه أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى. نسأل الله جل وعلا أن يحفظنا وإياكم وجميع المسلمين من الفساد وأهله، وأن يحفظنا ويرحمنا برحمته. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.