كتاب التفسير من صحيح البخاري 263

كتاب التفسير من صحيح البخاري 263

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 263، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

إسناد حديث «قم فأنذر» وخلاف أول سورة نزلت

يستعرض المقطع سلسلة رواة حديث «قم فأنذر» مع توثيق أحوالهم، ثم ينقل خلاف الصحابة والتابعين في أول سورة نزلت حيث يرى جابر بن عبد الله أنها سورة المدثر بينما يُروى عن آخرين أنها سورة العلق. ويؤكد جابر التزامه برواية النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن.

الفرق بين أول ما نزل وأول ما أُرسل به ووصف الوحي

يشرح المقطع الفرق بين أول آيات نزلت في غار حراء وهي سورة العلق وأول سورة أُرسل بها للإنذار وهي سورة المدثر، مبيناً فهم جابر لبدء البعثة ورواية عائشة لقصة الغار. كما يصف خوف النبي ﷺ عند رؤية جبريل عليه السلام في صورته العظيمة ذات الستمائة جناح.

ترجيح سورة العلق للنبوة والمدثر للرسالة وعلاج الرعدة

يبيّن المقطع خلاف الصحابة في أول سورة نزلت ويرجّح أنها سورة ﴿اقْرَأْ﴾ للنبوة وسورة ﴿الْمُدَّثِّرُ﴾ للرسالة، ثم يشرح سبب رعدة النبي صلى الله عليه وسلم عند الوحي وطلبه التغطية والماء البارد. ويستدل بذلك على مشروعية تبريد الحمى والحرارة الجسدية بالماء البارد كما في السنة النبوية.

تفسير «وربك فكبر» في سياق مرض النبي ﷺ

يوضح المقطع أن قوله تعالى «وربك فكبر» يعني تعظيم الله جل وعلا وتكبيره، وأن الأمر بالتكبير هنا يقصد به تعظيم الرب العظيم الذي خلق. ويختتم المتحدث بالاكتفاء بهذا الشرح المختصر للآية الكريمة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الإمام البخاري رحمه الله: «باب: قم فأنذر». قال: حدثني محمد بن بشار، ومحمد بن بشار الذي قال له بندار، وهو بصري ثقة من حفاظ الحديث، وعنده كثرة حديث، وبندار معنا شديد الحفظ، وعنده كما قلنا كثرة حديث، لهذا أخطأ في بعضها، وهذا لكثرة حديثه، وهذا الخطأ لا يضر لأنه خطأ نسبي. قال: وكان كما هو معروف أن كان أيضاً في البصرة محدث آخر من هو بمعنى ينافسه في كثرة الحديث، في كثرة المشيخة. تعرفون من أبو موسى العنزي، وكان أبو موسى العنزي من حفاظ الحديث كذلك، وهو محمد بن المثنى العنزي، معناه عنزي نسبة إلى عنزة. قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي وغيره. عبد الرحمن بن مهدي أبو سعيد بصري الإمام. قال: حدثنا حرب بن شداد، وهو بصري كذلك. قال: حدثنا، أو قال: عن يحيى بن أبي كثير، عن نبي سلمة، أي: ابن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «جاورت بحراء»، مثل حديث عثمان بن عمر عن علي بن المبارك، الحديث الذي تقدم. قال: «باب: وربك فكبر». قال: حدثنا إسحاق المنصور، وهو الكوسج. قال: حدثنا عبد الصمد، وهو ابن عبد الوارث. قال: حدثنا حرب. قال: حدثنا يحيى. قال: سألت أبا سلمة، أي القرآن أنزل أول؟ فقال: يا أيها المدثر. سأل يحيى بن أبي كثير أبا سلمة بن عبد الرحمن، فقال: أول ما نزل: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾. فقلت: أنبئت أنه ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. أي: أول ما نزل. قال: فقال ابن سلمة: سألت جابر بن عبد الله: أي القرآن أنزل أولاً؟ فقال: يا أيها المدثر. فقلت: أنبئت أنه ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. قال: لا أخبرك إلا بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «جاورت في حراء، فلما قضيت جواري هبطت، فاستبطنت الوادي، قال: فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني، قال: فنوديت، فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي، فإذا هو جالس، معنى الملك، وهو جبريل، قال: فإذا هو جالس على عرش بين السماء والأرض، فأتيت خديجة، فقلت: دثروني، وصبوا علي ماء مارد، وأنزل علي: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾». وهذا على ما فهمه جابر بن عبد الله رضي الله عنه، فهو لم يأتِ بالحادثة التي حصلت في الغار، وهي قبل هذا، ظاهر أنه لم يبلغه ما ذكرته عائشة عن النبي عليه الصلاة والسلام. فعائشة ذكرت قصة أتيان جبريل إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو في الغار، وقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. فهذا أول ما نزل، والمدثر هي أول ما أرسل به عليه الصلاة والسلام. فهذه الحادثة التي حصلت للنبي عليه الصلاة والسلام أخافته، لأنه أول مرة يرى مخلوقاً كهذا الخلق، رأى جبريل وهو جالس بين السماء والأرض على كرسي بين السماء والأرض، وعليه ستمائة جناح قد سد الأفق. معنا مثل هذا المنظر الذي يراه من البشر، معنا لا بد أن يحدث في قلبه الخوف، لأن هذا المنظر غير معتاد، أنه يرى جسماً كهذا الجسم، أو شخصاً كهذا الشخص، معنا قد سد الأفق، معنا المكان مليء، وأيضاً له ستمائة جناح، فهذا خلق عجيب. والله عز وجل قد ذكر أن الملائكة لها أجنحة مثنى وثلاث ورباع، لكن هذا كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم له ستمائة جناح، أي: جبريل، لعل الله عز وجل فضله بهذه الأجنحة لأجل أنه سفير بين الله وبين رسله، الواسطة بين الله وبين رسله، الذي دائماً يأتي الرسل بالوحي، فلعل الله عز وجل زوده لأجل ذلك، أو لحكمة من الله سبحانه وتعالى. وأما في هذا الحديث: أن الصحابة رضي الله عنهم يجتهدون، وقد يفوتهم الحديث، قد يفوتهم بعض الحديث، فهم يحكمون بما عندهم، يحكمون بما عندهم من العلم. فجابر حكم بما عنده من العلم على أن هذه الآية هي التي هي أول آية، أول سورة نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾. وفي حديث عائشة يدل على أن أول سورة نزلت هي ﴿اقْرَأْ﴾، وهذا هو الصحيح كما قلنا. ولهذا قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: أن النبي صلى الله عليه وسلم نبيء بـ ﴿اقْرَأْ﴾، وأرسل بـ ﴿الْمُدَّثِّرُ﴾. وأما في هذا الحديث: أن الإنسان قد يخاف شيئاً، خوف طبيعي، الخوف الطبيعي أنه لما رأى هذا الخلق خاف النبي عليه الصلاة والسلام، وأخذته رعدة، حتى لما جاء إلى خديجة رضي الله عنها قال: «دثروني»، أي: غطوني، «وصبوا علي ماء بارد»، أي: حتى يذهب ذلك الروع. وهذه الرعدة ليست بالمرض، أن إذا كانت الرعدة بالمرض ما تحتاج إلى ماء لأنها ستزيد، لكن هذه الرعدة من الخوف، فتحتاج إلى تنفيس، فالماء يدفئ مثل هذه الحرارات، لأن الجسم كأنه وجد حرارة شديدة حتى اهتز وأرعد، فيحتاج إلى ماء يسكنه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وصبوا علي ماء بارد»، فدل على أن الماء البارد يسكن الأشياء الحارة إذا حدثت في الجسم. لهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحمى: «أبردوها بالماء»، كما جاء في الصحيحين حديث أبي هريرة وأوس وغيرهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحمى من فيح جهنم، من جمرها، فأبردوها بالماء»، فأبردوها بالماء. فالماء يبرد الحار، فإذا كان الإنسان عنده حرارة في جسمه يتبرد بالماء. ولهذا تجد غالباً في أيام الحرارة يكون الماء البارد أفضل من الماء الحار، لأن الماء الحار يضر في وقت الحرارة، بخلاف أيضاً وقت البرودة. فإذا كان الجو بارداً يحتاج إلى ماء حار، لا يحتاج إلى ماء بارد لأنه سيحدث المرض في الجسم، لكن يحتاج حار. وإذا كان وقت حرارة يحتاج الجسم إلى ماء بارد. فلذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث: «وصبوا علي ماء بارد». وكما تقدم معنا أيضاً أن النبي عليه الصلاة والسلام لما أغمي عليه في مرض موته، أمرهم أن يصبوا عليه الماء البارد، فصبوا عليه خمسة قرب، فلما أراد أن يخرج سقط وأغمي عليه، فصبوا عليه الماء، ثم أراد أن يخرج فأغمي عليه. كان هذا في مرض موته عليه الصلاة والسلام. وقوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾، أي: كبر الله عز وجل، العظيم الذي هو أكبر من كل شيء، جل وعلا. ووجه الشاهد هو قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. كبره: عظم. فـ ﴿فَكَبِّرْ﴾ هنا المراد به تعظيم، تعظيم الله جل وعلا. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.