شرح عقيدة السلف للصابوني 26

الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 26، ألقاها

مذهب أهل السنة في إثبات صفة النزول

أهل السنة والجماعة يثبتون صفة النزول لله تعالى دون تشبيه أو تكييف، ويؤمنون بالخبر كما جاء دون تعديل أو تحريف. يُشدد على أهمية التوقف عند ما لم يبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

موقف أهل السنة من إثبات صفات الله

يثبت أهل السنة لله تعالى صفاته دون تمثيل أو تشبيه، وينزهونه عن النقائص. يرفضون التفويض في معاني الصفات ويعتبرونه مذموما، كما يرفضون مذهب المشبهة والمعطلة.

تفويض الكيفية والإيمان بالصفات

أهل السنة يقولون بتفويض الكيفية في صفات الله تعالى مع الإيمان بها كما جاءت في النصوص. يُحذر من إنكار صفات الله أو تأويلها على نحو يخالف ظاهر النصوص.

اتفاق السلف في الفتاوى واعتمادهم على المصادر الأساسية

السلف كانوا يعتمدون في فتاويهم على كتاب الله وسنة رسوله، مما أدى إلى اتفاقهم في الفتاوى. هذا يدل على وحدة المصدر واعتمادهم على المراجع الإسلامية الأساسية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال شيخ الإسلام -ابن تيمية-، هنا أبو عثمان الصابوني، قال شيخ الإسلام: فلما صح خبر النزول عن الرسول صلى الله عليه وسلم أقر به أهل السنة وقبلوا الخبر وأثبتوا النزول على ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يعتقدوا تشبيها له بنزول خلقه، ولم يبحثوا عن كيفيته، إذ لا سبيل إليها، وعلموا وتحققوا واعتقدوا أن صفات الله سبحانه لا تشبه صفات الخلق، كما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق، تعالى الله عما يقول المشبهة والمعطلة علوا كبيرا، ولعنهم لعنا كثيرا. فكما ترون، بعد أن ساق الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله تعالى الأحاديث الكثيرة المتكاثرة الدالة على ثبوت صفة النزول لله رب العالمين جل وعلا إلى السماء الدنيا، ذكر خلاصة مذهب أهل السنة والجماعة في هذه الصفة وفي غيرها. قال: فلما صح خبر النزول عن الرسول صلى الله عليه وسلم أقر به أهل السنة؛ لأن مذهب أهل السنة والجماعة إثبات ما أثبته ربنا تبارك وتعالى لنفسه من الأسماء والصفات، وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فما دام أن الخبر قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالواجب في ذلك الإيمان والقبول، لذا قال: أقر به أهل السنة وقبلوا الخبر وأثبتوا النزول على ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، إقرار إيمان إثبات لما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه. وهذا الإثبات مبني على عدم التمثيل، لذا قال: ولم يعتقدوا تشبيها له بنزول خلقه؛ ليس كمثله شيء جل وعلا في ذاته، وليس كمثله شيء في صفاته جل وعلا. قال: ولم يبحثوا عن كيفيته، إذ لا سبيل إليها؛ يعني ما بحثوا أهل السنة والجماعة، ما قالوا: كيف استوى؟ كيف نزل؟ كيف عينهم؟ كيف سمعه؟ كيف بصره؟ لا، هذا أغلق الباب أمامه، ما تكلموا فيه، ما خاضوا فيه؛ لأنه أولا من علم الغيب الذي لم يطلعنا عليه ربنا تبارك وتعالى، ثانيا أنه ما علمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم المأمور بالتبليغ والبيان. ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾، ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، فما بيّنه رسول الله صلى الله عليه وسلم سكت عنه صحابتهم رضي الله عنهم وأرضاهم، وهم أئمة الهدى ومصابيح الدجى، ما تكلموا في هذا الباب، وسكت عنه ووقفوا حيث وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتابعوهم بإحسان كذلك. وكذلك الأئمة رضي الله عنهم وأرضاهم في كل زمان ومكان يقفون حيث وقف رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وحيث وقف أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم. وهذا هو دين الله جل وعلا؛ إذ ما لم يكن دينا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكن دينا بعد زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدا. ولو ذكر إنسان وقال: هذا من الدين البحث عن كيفية الصفات، هذا من الدين أولا لا يكون، يكون افتتح باب ضلالة ثانيا، يكون متهما برسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه ما بلغ البلاغ المبين، ثالثا أن هذا الشخص يكون كذلك من دعاة الضلالة، من دعاة الضلالة النابذين للسنن وراء ظهورهم. قال رحمه الله تعالى: ولم يبحثوا عن كيفيته إذ لا سبيل إليها؛ لأنها من علم الغيب، وعلموا وتحققوا واعتقدوا أن صفات الله سبحانه لا تشبه صفات الخلق، انطلاقا من قول الله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، من قوله جل وعلا: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، من قوله جل وعلا: ﴿لَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، من قوله جل وعلا: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾، إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على أن الله جل وعلا ليس كمثله شيء. قال: كما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق، تعالى الله عما يقول المشبهة والمعطلة؛ المشبهة كما مر معنا هم الذين يقولون: بأن لله جل وعلا صفات كصفاتنا، هؤلاء مشبهة، وهؤلاء مكذبون نافون رادون لقول الله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. وفي مقابلهم المعطلة، والمعطلة هم الذين ينفون عن الله جل وعلا الصفات، يقولوا: لا نثبت لله جل وعلا شيئا من الصفات، هؤلاء معطلة، وهؤلاء كذلك رادون للأخبار التي أخبر بها ربنا تبارك وتعالى عن نفسه، وأخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه جل وعلا من إثبات الصفات لله جل وعلا. فالكل راد ومكذب لأخبار الله جل وعلا ولأخبار رسوله صلى الله عليه وسلم، والحق وسط بين هؤلاء وهؤلاء، وهو الذي عليه أهل الحق أهل السنة والجماعة؛ إذ أنهم أثبتوا لله جل وعلا ما أثبته لنفسه، لكن إثباتا من غير تمثيل، ونزه الله جل وعلا عن النقائص والعيوب، ولكن تنزيها من غير تعطيل. هذه قاعدة أهل السنة والجماعة في هذا الباب؛ يثبتون لله جل وعلا ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، إثباتا من غير تمثيل، وتنزيها من غير تعطيل. قال رحمه الله تعالى: تعالى الله عما يقول المشبهة والمعطلة علوا كبيرا، ولعنهم لعنا كثيرا؛ وهذا من لعن أهل البدع على وجه العموم وعلى وجه التعميم. قال رحمه الله تعالى: وقرأت لأبي عبد الله ابن أبي حفص البخاري، وكان شيخ بخارى في عصره بلا مدافعة، وأبو حفص كان من كبار أصحاب محمد بن الحسن الشيباني. قال أبو عبد الله: سمعت عبد الله ابن عثمان -وهو عبدان- قال: سمعت محمد بن الحسن الشيباني يقول: قال حماد بن أبي حنيفة: قلنا لهؤلاء المبتدعة: أرأيتم قول الله عز وجل: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، وقوله عز وجل: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾، فهل يجيء ربنا كما قال؟ وهل يجيء الملك صفا صفا كما قال صفا صفا؟ قالوا: أما الملائكة فيجيؤون صفا صفا، وأما ربنا تعالى فإننا لا ندري ما عنى بذلك، ولا ندري كيفية جيئته؛ لا ندري ما عنى بذلك. هذا تفويض في المعنى، وهذا مذموم، وهذا المذهب يسميه العلماء مذهب المفوضة. يقول عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وهو من أشر مذاهب أهل الأهواء، ما معنى التفويض؟ يأتي إنسان يقال له: الله جل وعلا يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، هذا المعنى واضح، يقول: لا أدري ما معنى استوى، الله أعلم بمعنى استوى. يقال له: الله جل وعلا يقول: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾، إلى غير ذلك من أدلة الصفات، يقول لهم: ما معنى هذا؟ هل تثبت هذه المعاني؟ يقول: لا أدري ولا أعلم، الله أعلم بمراده. هذا القول هو من قول المفوضة، والعلماء رحمهم الله تعالى يقولون: أن التفويض من حيثه ينقسم إلى قسمين. التفويض في معاني الصفات، وهذا مذموم، وهو الذي عليه المفوضة الذين وصفهم شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بأن قولهم من شر أقوال أهل البدع. والقسم الثاني: تفويض لكيفية الصفة، وهذا هو الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة؛ أهل السنة والجماعة لا يخوضون في باب صفات الرب جل وعلا عن كيفية الصفات، بل يقولون: الله أعلم كيف استوى؟ كيف ينزل؟ كيف يسمع؟ كيف يبصر؟ إلى غير ذلك، الله أعلم في باب الكيفية عن الصفات. السؤال عن الكيفية، الله أعلم، مفوض يفوضون الكيفية، كما قال مالك رحمه الله تعالى حينما سئل عن الاستواء، قال: «الاستواء معلوم، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب». الإيمان به، إيش واجب؟ يجب علينا أن نؤمن بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونثبت الصفة مع عقل معناها الظاهر، أما معناها الباطن الذي هو بمعنى الكيفية فالله أعلم. فالله أعلم، شاهدون من هذا أن التكييف، أن تفويض التكييف مطلوب شرعا، وهو الذي عليه أئمة السلف رضي الله عنهم ورحمهم الله. أما التفويض في معنى الصفة، فهذا من مذهب المفوضة، كما سمعتم. قال: قالوا: أما الملائكة فيجيؤون صفا صفا، وأما ربنا تعالى فإنا لا ندري ما عنى بذلك، ولا ندري كيفية جيئته. فقلنا لهم: إنا لم نكلفكم أن تعلموا كيف جيئتهم، لا، ما قلنا لكم: كيف جاء؟ ما قلنا لكم: كيف جاء؟ ولكننا نكلفكم أن تؤمنوا بمجيئه؛ أي تثبتوا المجيئ وتؤمنوا بالمجيئ أنه صفة لله تبارك وتعالى تليق بالله تعالى كما أخبر بذلك تعالى. قال: ولكننا نكلفكم أن تؤمنوا بمجيئه. أرأيتم الآن خاض معهم في باب آخر من باب المناظرة، قال: أرأيتم من أنكر أن الملك لا يجيء صفا صفا، ما هو عندكم؟ يعني أن يسألهم، يقول: لو أن رجلا قال: بأن الملك -أي الملائكة- لا يأتون صفا صفا، ما تقولون فيه؟ قالوا: كافر مكذب؛ لماذا؟ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، وهذا يقول: ما جاءت الملائكة، هذا إيش؟ كافر ومكذب. قال: قلنا: فكذلك من أنكر أن الله سبحانه لا يجيء -كأن في العبارة شيء- يعني لو قيل: فكذلك من أنكر أن الله سبحانه يجيء، أنكر أنه يجيء، فهو كافر مكذب، أشع عندكم؟ في النسخة الأخرى يا جماعة ألا موجودة نسخة غير نسخة الذي عندي؟ طيب، فالمهم المعنى. فكذلك من أنكر أن الله سبحانه يجيء، قال: بأن الله لا يجيء، من قال: بأن الله لا يجيء، فهذا كافر مكذب؛ لماذا؟ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، وهذا يقول: إن الله لا يجيء، فهذا إيش؟ مكذب كافر؛ لأنه مكذب للقرآن، راد لخبر الله جل وعلا، راد لخبر الله جل وعلا. قال الإمام الصابوني رحمه الله تعالى: قال أبو عبد الله ابن أبي حفص البخاري أيضا في كتابه، وذكر إبراهيم ابن الأشعث، قال: سمعت الفضيل ابن عياض -وهو كما هو معلوم من أئمة السنة رحمه الله تعالى- يقول: إذا قال لك الجهمي: أنا لا أؤمن برب يزول عن مكانه، فقل: أنت أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء. وهذه من أحسن الأجوبة؛ إذا جاء إنسان يعترض على خبر الله جل وعلا أو على خبر رسوله صلى الله عليه وسلم، تقول له: نبينا صلى الله عليه وسلم يقول: «ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا»، يأتي هذا يقول: أنا لا أؤمن برب يزول عن مكانه، أو ما شابه ذلك من العبارات التي فيها معنى الاعتراض والرد لخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقل له: أنت أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾، فعال لما يريد. قال: فقل: أنت أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء. وهذا الأثر صححه جماعة من أهل العلم، وكذلك جاء بإسناد صحيح عن إسحاق بن راهويه رحمه الله تعالى. وهذا اللفظ وهذا المعنى تماما سواء بسواء هو كذلك ثابت عنه، ويدلنا على أن السلف رضي الله عنهم وأرضاهم يستقون أجوبة من مصدر واحد، من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فتجد بينها الموافقة وإن لم يعلم المتأخر فيها قول المتقدم؛ لأن مصدرهم واحد. والله تعالى أعلى وأعلماء، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على