الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 35، ألقاها
يؤمن أهل السنة والجماعة بوجود ميزان حقيقي يوم القيامة لوزن أعمال العباد، وقد دلت على ذلك النصوص من القرآن والسنة النبوية. هناك خلاف حول تفاصيل ما يوزن في هذا الميزان.
تُوزن الأعمال يوم القيامة، إما أن تثقل بالحسنات أو بالسيئات. هناك أدلة تشير إلى أن الميزان واحد ولكن الأعمال هي التي تتعدد وتتنوع، مع وجود خلاف حول كون الميزان واحدًا أو موازين.
أهل السنة والجماعة متفقون على إثبات الميزان يوم القيامة، لكنهم يختلفون في تفاصيله مثل عدد الموازين وما يُوزن. الميزان يكون بعد الحساب وتُوزن فيه الأعمال، ثم تتطاير الصحف إلى أصحابها.
يتضمن المقطع الدعاء للنبي بالصلاة والسلام والبركة، ويمتد هذا الدعاء ليشمل آله وصحبه، ختامًا للدرس.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، ومن جملة ما يؤمن به أهل السنة والجماعة مما ذكره الإمام أبو عثمان الصابوني -رحمه الله تعالى- الإيمان بالميزان. لذا قال: «من الصراط والميزان ونشر الصحف التي فيها مثاقيل الذر من الخير والشر وغيرها». فمما يؤمن به أهل السنة والجماعة من أمور الغيب ما يحصل يوم القيامة من أمر الميزان. والميزان في اللغة -كما يقول علماء اللغة- هو ما يوزن به، الآلة التي يوزن بها. وفي الشارع هو ميزان حقيقي ينصبه الله جل وعلا لوزن أعمال العباد. والميزان -كما سمعتم- حقيقي، هذا الذي عليه أهل السنة والجماعة من أن الميزان يوم القيامة ميزان حقيقي بلسان وكفتين. وهذا محل إجماع، محل إجماع من السلف. إن اللسان له، من أن الميزان له لسان وكفتين. ما معنى اللسان؟ اللسان هي القطعة التي تكون بين الكفتين، يسمى ماذا؟ اللسان. يوزن به بين الكفة والكفة، ويدل على أن الميزان له كفتان أدلة كثيرة. أصرح ذلك ما جاء في مسند أحمد بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ذكر رجلاً ممن يؤتى به يوم القيامة، فينصب أمامه الميزان، فتنشر أمامه صحف أعماله، وهي سجلات، وهي سجلات كثيرة. فلما ينظر إليها ذلك العبد، يقول له ربنا تبارك وتعالى: «عبد هل لك من حسنة؟» فيقول: لا يا رب، بعد أن يرى ما يرى من سجلات الذنوب. فيقول له ربنا تبارك وتعالى: «لا، لا ظلم اليوم، إن لك حسنة عندنا». فتخرج له بطاقة فيها: «لا إله إلا الله». فيقول: ما هذه البطاقة أمام هذه السجلات؟ فتوضع السجلات في كفة، الشاهد في كفة من كفتي الميزان، وتوضع البطاقة التي فيها «لا إله إلا الله» في الكفة الأخرى، فتطيش تلك السجلات، ولا يبقى مع اسم الله شيء. الشاهد: توضع سجلات الذنوب في كفة، والكفة الأخرى فيها سجلات أو بطائق الحسنات. وهذا يدلنا على أن الميزان حقيقي، وأن له كفتين. وقد أخبر ربنا تبارك وتعالى في آيات كثيرة من كتابه عن الميزان. قال الله جل وعلا: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. وقال الله جل وعلا: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾. وقال الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على إثبات الميزان يوم القيامة. وأهل السنة والجماعة -كما سمعتم- يثبتون لله الميزان يوم القيامة، وأنه ميزان حقيقي، كما دلت على ذلك النصوص من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ثم بعد إجماعهم هذا واتفاقهم، اختلفوا في بعض المسائل الاجتهادية. منها: هل يوزن يوم القيامة العمل أو العامل أو الصحائف؟ أي صحف الأعمال. منهم من ذكر الأول، ومنهم من ذكر الثاني، ومنهم من ذكر الثالث. ومن أهل العلم من جمع بين هذه الأقوال، فقال: العبرة في ذلك كله بالأعمال، فهي التي تثقل أو لا، إما أن تثقلها بالحسنات وإما أن تثقلها بالسيئات. قالوا: فيرجع الأمر إلى ماذا؟ إلى العمل. ويدل على هذا أدلة كثيرة، منها قول الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. تأمل إلى قوله: «من يعمل مثقال»، يدل على ماذا؟ على أن الوزن للعمل. فما جاء من أدلة ذكر فيها وزن العامل، كما جاء في مسند أحمد وغيره من حديث ابن مسعود، وجاء من حديث علي، وجاء من حديث غيرهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في ساقي عبد الله بن مسعود: «إنهما أثقل في الميزان من جبل أحد». يحمل على هذا الثقل بسبب العمل الصالح الذي عنده عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه وأرضاه-. والعكس بالعكس، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يؤتى يوم القيامة بالرجل البدين السمين، يوم القيامة لا يوزن عند الله جناح بعوضة». لماذا؟ لأنه خاوٍ، فارغ من الأعمال الصالحة. فلا شيء يؤتى به، فلا يوزن شيئًا. لماذا؟ لأنه خاوٍ، فارغ من الأعمال الصالحة. وكذلك من المسائل التي ذكرها العلماء -رحمهم الله تعالى- في هذا الباب: هل يوم القيامة الميزان واحد أم هي موازين؟ سبب هذا الخلاف بسبب ما ظهر من النصوص. أي أن بعض العلماء -رحمهم الله تعالى- نظر إلى النصوص إلى ظاهرها، فرأى أن الله جل وعلا يخبر بأن الموازين بذكره موازين. فأما من ثقلت موازينه، قالوا: هذا يدل على أنها موازين، وليس بميزان واحد. ومن أهل العلم من قال: بأنه ميزان واحد، كما جاءت الأدلة في ذلك. أدلة تدل على أنه ينصب الميزان، كما جاءت في السنة ما يدل على هذا. قال: «فينصب الميزان». وجاء في حديث أنس، حينما سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يشفع له، فقال: «أين أجدك يا رسول الله؟» قال: «تجدني عند الميزان». فاستدل هؤلاء بأن الميزان واحد. وما ذكر في آيات وأحاديث من ذكر الموازين، فهو باعتبار الأعمال، أي موازين الأعمال. فقوله جل وعلا: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ أي موازين أعماله، لا أن الميزان يتغير أو أنها موازين كثيرة. لأن بعضهم توسع في هذا الأمر جدًا، فقال: للأعمال موازين. منهم من قال: للأشخاص موازين، يعني ميزان الصلاة، ميزان الصيام، ميزان الزكاة، وهكذا. ومنهم من جعل الموازين باعتبار ماذا؟ باعتبار الأشخاص والأفراد. والأقرب في النصوص -والله أعلم- ما ذكر من أنه ميزان واحد، وأن ذكر الجامع في الموازين هو باعتبار تعدد الأعمال وتنوعها، باعتبار وزن الأعمال. لأن الميزان يتعدد -والله أعلى وأعلم-. هذه المسألة من المسائل الاجتهادية. ننتبه: هذه المسألة من المسائل الاجتهادية، يعني قد يسمع إنسان ما يقرر وهو الحق من أن أهل السنة والجماعة متفقون في مسائل الاعتقاد، لا خلاف بينهم في ذلك. هذا القول الحق لا ريب فيه. ولا اختلاف بين أهل السنة والجماعة من أن أهل السنة والجماعة في مسائل العقيدة متفقون، مجمعون على ما دل عليه كتاب الله جل وعلا، وعلى ما دل عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فيأتي إشكال، فيقول: كيف الآن إذا نظرنا إلى مسائل الميزان؟ هل مسائل العقيدة أم لا؟ الجواب: نعم. حصل فيها شيء من خلاف أم لا؟ الجواب: نعم. فكيف يجمع بين هذا وبين القول السابق من أن مسائل العقيدة بين أهل السنة والجماعة متفق عليها؟ الجواب: أن مسائل العقيدة التي دلت عليها النصوص من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لا خلاف بين السلف في ذلك، مجمعون عليها. وأما بعض المسائل الفرعية، فهي من المسائل الاجتهادية، لا من المسائل الأصول. هي من المسائل الاجتهادية التي يسع فيها الخلاف. فمن قال بقول، وقال الآخر بقول آخر، وليس عند أحد ما يجزم به. فيقال: الأمر في ذلك واسع، الأمر في ذلك واسع. لماذا؟ لأنهم متفقون على أصل. كل أهل السنة والجماعة متفقون على إثبات الميزان لله رب العالمين، إثبات الميزان يوم القيامة، هذا إجماع. لكن الخلاف في ماذا؟ هل هو ميزان واحد أم عدة موازين؟ هل يوزن العمل أو العامل أو الصحف؟ هذه مسائل اجتهادية فرعية، ليست من مسائل الأصول. مسائل الأصول أهل السنة والجماعة مجمعون عليها، الاختلاف بينهم في ذلك. فننتبه إلى هذا الفرق، ننتبه إلى هذا الفرق. وأيضًا: من الصراط والميزان ونشر الصحف التي فيها مثقال الذر من الخير والشر. وكما ذكر العلماء -رحمهم الله تعالى- أن الميزان يكون بعد الحساب. وهذا الذي ذكره وأشار إليه الإمام أبو عثمان الصابوني -رحمه الله تعالى- بعد أن قال -رحمه الله تعالى-: «والإجابة عن المسائل إلى سائر الزلازل والبلابل الموعودة في ذلك اليوم العظيم والمقام الهائل». قال: «من الصراط والميزان» وما شابه ذلك. فالميزان يكون بعد الحساب؛ لأنه بعد أن يقر الإنسان بما له، وما عليه، حينها توضع ماذا؟ أعماله في كفتي الميزان. كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- الماضي، بعد أن قرر الرجل بما له من سيئات، من سجلات فيها سيئات، ثم قرره بما له، أو ذكر له ما عنده من حسنة. بعد ذلك ماذا حصل؟ نُصِب الميزان، فوضعت السيئات في كفة، والحسنات في ماذا؟ في كفة. فدل ذلك على أن الميزان يكون بعد الحساب، على أن الميزان يكون بعد الحساب. وبعد الميزان تتطاير الصحف عن الأيمان والشمائل. تتطاير الصحف بعد وضعها، أو تتطاير الصحف بعد الميزان إلى الأيمان وإلى الشمائل. كما قال ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾. الله جل وعلا في كتابه الكريم أيضًا في ذكر هذه الأمور، قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ وَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾. وقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ الآيات. فيكون تطاير الصحف ونشر الصحف يوم القيامة بعد أن توزن الأعمال في الميزان، بعد أن توزن الأعمال في الميزان. الميزان، وحينها ينقلب الإنسان إما مسرورًا مستبشرًا، وإما حسرانًا خسرانًا، والعياذ بالله. نسأل الله بمنه وكرمه أن يمن علينا برحمته، وما اغفر لنا وفضله، إنه قريب مجيب. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.