الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 3، ألقاها
يبدأ الكتاب بالحمد لله رب العالمين ويوضح معنى الحمد والفرق بينه وبين المدح، ثم يشرح معنى "رب العالمين" والعاقبة للمتقين ومعنى الصلاة على النبي وآله.
يشرح فضل النبي محمد وآله، ويتناول مسألة زيارة قبره، ويطرح إشكالا حول شد الرحال لزيارة القبر النبوي، ويبين حكم شد الرحال لزيارة القبور.
يُنَزِهُ الإمامُ الصابوني عن المعتقد الفاسد الذي يحدث عند الأضرحة والقباب، ويُثبت أنه من أتباع السلف الصالح، ويُعبر عن التوبة والاستغفار.
الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام العلامة أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني -رحمه الله-: "الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصلى الله على محمد وآله أجمعين. أما بعد". افتتح الإمام الصابوني -رحمه الله- كتابه وعقيدته بالحمد لله رب العالمين تبارك وتعالى. وهذه طريقة يسير عليها أهل العلم -رحمهم الله تعالى- في كتبهم، يفتتحون كتب العلم إما بالبسملة، وإما بالحمد لله، وإما بالبسملة والحمد لله. فالإمام الصابوني -رحمه الله تعالى- ممن افتتح كتابه هذا بالحمد لله رب العالمين. ومعنى الحمد هو ذكر محاسن المحمود مع المحبة والتعظيم والإجلال. فليس بحامد من أثنى على المحمود من غير محبة ولا تعظيم، وإنما يكون مادحًا. وهذه هي الفروق بين الحمد والمدح؛ أن الحمد يكون ثناء مع محبة وإجلال، بخلاف المدح فإنه لا يلزم منه ذلك. وقوله -رحمه الله تعالى-: "الحمد لله"، الألف واللام هنا للاستغراق، ومعنى الاستغراق أنها تستغرق جميع المحامد. فالله -تبارك وتعالى- يستحق كل المحامد، لذا قال: "لله"، واللام في قوله "لله" هي لام الاستحقاق. فالله -تبارك وتعالى- هو المستحق وحده لا شريك له للحمد المطلق الذي ليس فوقه حمد. وربنا -تبارك وتعالى- يُحمد لكماله وجلاله، ويُحمد لإنعامه وإحسانه. فأسباب الحمد لله -تبارك وتعالى- سببان: السبب الأول الكمال والجلال الذي يستحقه ربنا -تبارك وتعالى-، والسبب الثاني الإنعام والإحسان الذي يُنعم به ربنا -تبارك وتعالى-. فهو يُحمد لأجل جلاله وكماله، ولأجل إحسانه وإنعامه. قال: "الحمد لله رب العالمين"، وهو رب العالمين -تبارك وتعالى- الذي ربى جميع المخلوقات بإحاطته وكلاءته، وبإمدادهم ما يحتاجون إليه من المدد في أمر معاشهم وأرزاقهم، وغير ذلك مما يكون فيه وبه التربية. والعالمين هم كل من سوى الله -تبارك وتعالى-. قال: "والعاقبة للمتقين"، أي أن العاقبة الحميدة التي تكون ثمارها وفوائدها نافعة للعبد في دنياه وآخرته إنما هي للمتقين. وأهل التقوى هم الذين حققوا ما أراد الله -تبارك وتعالى- منهم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فكانوا على وقاية من عذاب الله -جل وعلا- وسخط الله -جل وعلا- بامتثال أوامر الله -تبارك وتعالى- واجتناب نواهيه. وصلى الله على محمد وآله أجمعين. ومعنى "وصلى الله" الصلاة على القول الصحيح من أقوال أهل العلم بمعنى الحنو والعطف، أي: اللهم احنوا وعطفوا على محمد وآله أجمعين. هذا هو الذي اختاره العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- كما في كتابه "بدائع الفوائد". هناك أقوال أخرى ذكرت في المسألة، وهذا أحسنها. وقوله "على محمد" هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، النبي الأمي، خير رسول أرسل إلى أهل الأرض، وهو سيد الأولين والآخرين، صلى الله عليه وسلم، صاحب المقام المحمود والشفاعة العظمى، وصاحب المناقب، وهو كما قال من قال من أهل العلم: إنه أعظم خلق الله -تبارك وتعالى-، أعظم مخلوق خلقه الله -تبارك وتعالى-. ثبت عن سلمان الفارسي -رضي الله عنه وأرضاه- أنه ذكر معنى هذا الكلام؛ أنه لا أحد أفضل ولا خير من محمد -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-. فقيل له: ولا جبرائيل ولا ميكائيل؟ قال: ما جبرائيل وميكائيل إلا خلق مسخر من خلق الله -تبارك وتعالى-. ما أحد أفضل ولا خير من محمد -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-. فهو محمد رسول الله، رسول فلا يعصى، وهو محمد عبد الله، فهو عبد الله ورسول، عبد فلا يعبد، ورسول فلا يعصى، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. والآل والآله عند الإطلاق يدخل فيه كل من تبعه، ويدخل فيه دخولاً أولياً آل بيته. وعند الإطلاق يدخل فيه كل من اتبعه -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- من آل بيته، ومن أصحابه، وأتباعهم، وأتباع أتباعهم، ومن تبعهم بإحسان. كلهم يشمله هذا المعنى؛ لأن آل الرجل أتباعه. وآله أجمعين، قوله "أجمعين" توكيد لما تقدم من الصلاة على هؤلاء. قوله -رحمه الله تعالى-: "أما بعد"، هذه جملة يؤتى بها للفصل بين موضوعين، والتقدير: مهما يكن من شيء، بعد. لذا يأتي بعدها فاء الرابطة التي هي في موقع وموطن جواب الشرط. قال: "أما بعد، فإني لما وردت آمل طبرستان"، وبلاد جيلان. و"جيلان" بكسر الجيم وسكون الياء، وهي بلاد معروفة وراء طبرستان، وهي كما قال بعضهم: عبارة عن قرى متفرقة وراء طبرستان. قال: "فإني لما وردت آمل طبرستان وبلاد جيلان متوجها إلى بيت الله الحرام"، أي كأنه للحج -رحمه الله تعالى- أو للعمرة، متوجها إلى بيت الله الحرام وزيارة قبر نبيه محمد -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-. سألني إخواني في الدين. قوله -رحمه الله تعالى-: "متوجها إلى بيت الله الحرام"، هذا الأمر فيه واضح أنه يشرع أن تشد الرحال إلى البيت الحرام. لكن الإشكال في قوله: "وزيارة قبر نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-". فقوله -رحمه الله تعالى-: "وزيارة قبر نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-" في هذا التعبير نوع إشكال ولبس؛ لأنه قد يظن ظنًا أنه أراد أنه سيشد الرحال لأجل زيارة القبر النبوي، لأجر الزيارة وشد الرحال لزيارة القبر النبوي لأجر الزيارة فحسب. وهذه من الزيارات المبتدعة؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى أن تشد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه وأرضاه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول، والمسجد الأقصى". وقوله "لا تشد" لا ها هنا نافية، وقد تكون ناهية. فإن كانت ناهية فالأمر فيها واضح، وإن كانت نافية فكذلك الأمر فيها واضح؛ فيكون خبرًا أريد به الإنشاء، وهو من حيث المعنى والتعبير أقوى في النهي عن شد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة. فالحاصل أنه يعلم من هذا الحديث النهي عن شد الرحال إلى أمكنة معينة، سواء كانت مساجد أو غيرها، إلا المساجد الثلاثة. والجواب عن كلام الإمام الصابوني -رحمه الله تعالى- المذكور بين أيدينا: أن الإمام الصابوني -رحمه الله تعالى- عبر بهذا التعبير، وكان هذا التعبير عند بعض المتقدمين شائعًا ذائعًا، ومعناه أنهم كانوا يعبرون بهذا التعبير عن زيارة المسجد النبوي. ولكنهم -كما قال من قال من أهل العلم- يقولون "قبر النبي" إجلالاً وإكرامًا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لا أنهم أصلاً ورأسًا يشدون الرحال لأجل القبر فحسب، ولكن يشدون الرحال لأجل زيارة المسجد النبوي. وإذا زاروا المسجد النبوي زاروا القبر الشريف زيارة شرعية. وبهذا المعنى وهذا الاعتبار المعنى صحيح. لكن كما سمعتم اللبس في التعبير. لكن كما سمعتم أن هذا يجاب ويخرج ويوجه كلام الصابوني -رحمه الله تعالى- بما تقدم؛ لأنه شيء قد شاع وذاع في زمنه وفي زمن بعض المتقدمين. لذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- كما في "مجموع الفتاوى": "وطائفة أخرى من العلماء يسمون هذا زيارة القبر، يسمون هذا -أي زيارة المسجد- زيارة القبر، ويقولون: تستحب زيارة قبره أو السفر لزيارة قبره. ومقصودهم بالزيارة هو مقصود الأولين، ما هو مقصود الأولين؟ زيارة المسجد، قال: وهو مقصود الأولين، وهو السفر إلى مسجده، وهو السفر إلى مسجده، وأن يفعل في مسجده ما يشرع من الصلاة والسلام عليه والدعاء له والثناء عليه. وهذا عندهم يسمى زيارة القبر أو زيارة لقبره، زيارة لقبره". فعلم من هذا الأمر أن هذا التعبير الذي عبر به الإمام الصابوني -رحمه الله تعالى- كان تعبيرًا شائعًا عند طائفة من العلماء، فعبر بما شاع عنده -رحمه الله تعالى-. وإلا فلا شك ولا ريب أن مثل الإمام الصابوني -رحمه الله تعالى- على إمامته ومعرفته بالحديث والآثار، واتباعه لنهج السلف الصالح، يبعد كل البعد أن يظن فيه أنه يشد الرحال لأجل زيارة القبر النبوي فحسب، كما يفعله بعض الجهال وبعض المبتدعة من المتصوفة وغيرهم، الذين يشدون الرحال إما لأجل التعبد عند القبر والتبرك به، وإما لأجل عبادة القبر، كما يحصل من بعض الجهال عند الأضرحة والقباب. فالحاصل أن الإمام الصابوني -رحمه الله تعالى- بعيد عن المعتقد الفاسد الباطل الذي لا يليق بمثله ونظرائه من أئمة الحديث والسنة وأتباع السلف -رضي الله عنهم وأرضاهم- وغفر الله لنا ولهم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.