الدرس في كتاب الأيمان والنذور 2، ألقاها
كفارة اليمين شرعت كرحمة من الله، وتجب عند الحنث في اليمين، وتكون على سبيل التخيير أو الترتيب بين أنواع الكفارات.
اختلف العلماء في إخراج كفارة اليمين بين وجوب التمليك أو الإطعام، والراجح أن كلا الأمرين جائز.
كفارة اليمين ثلاثة أنواع، فإن عجز عنها صام ثلاثة أيام، ولا يشترط التتابع في الصيام.
يجوز صيام أيام متتالية بنية التطوع دون نية مسبقة لكل يوم، ويمكن صيام أي يوم بنية التطوع.
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، فما زلنا في الكلام على مسائل الأيمان، وقد أخذنا منها في الدرس الماضي المسألة الأولى والثانية، ونقرأ اليوم بإذن الله عز وجل ما تيسر من المسألة الثالثة. المسألة الثالثة: كفارة اليمين وشروط وجوبها، أي ما هي كفارة اليمين الذي إذا حلف الإنسان وحنث في ذلك الحلف، تجب ما هو الواجب عليه من الكفارة؟ وما هي الشروط التي بها تجب تلك الكفارة؟ أولا، كفارة اليمين شرع الله عز وجل لعباده كفارة اليمين التي يكون بها تحلة اليمين والخروج منها، وذلك رحمة بهم. قال الله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، وقال صلى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأتها وليكفر عن يمينه». وهذه الكفارة تجب على الشخص إذا حنث في يمينه ولم يف بموجبها. هذا الأمر كما ذكر، أي مسألة كفارة اليمين، هذا من التخفيف ومن الرحمة من الله رب العالمين جل وعلا، إذ أن الإنسان قد يحلف على شيء أن يفعله ثم يتحرج في تركه أو في عدم الاستطاعة لفعل ذلك الشيء الذي أراد أو حلف على فعله. أو يحلف على شيء أن لا يفعله ثم يتحرج من عدم الاستطاعة على ترك ذلك الشيء الذي حلف أن لا يفعله. فكان من رحمة الله جل وعلا بعباده ومن تخفيف الله جل وعلا على عباده أن شرع لهم الكفارة، فشرع الله جل وعلا للإنسان أنه إذا حلف على شيء فرأى غيره خيرا منه أن يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه. وهذا من التخفيف، وهذا كذلك من رحمة الله جل وعلا بعباده. وهذه كفارة تجب على الشخص إذا حنث في يمينه، إذا حنث. ومعنى الحنث في اليمين كما تقدم: معنى أن يفعل خلاف ما حلف على فعله، أو أن يفعل ما حلف على تركه. فإذا كان كذلك فإنه تجب عليه الكفارة. وسأتي معنى بإذن الله جل وعلا أن الحنث أحيانا قد يكون واجبا، وأحيانا قد يكون مستحبا، وأحيانا قد يكون محرما، وأحيانا قد يكون مكروها، وأحيانا قد يكون مباحا، أي تترتب عليه الأحكام الخمسة التكليفية. وسأتي معنى بيان ذلك بإذن الله جل وعلا في أثناء الشروط. وكفارة اليمين فيها تخيير وترتيب، بمعنى أن الإنسان إذا حنث في يمينه فتترتب على ذلك كفارة. ما هي الكفارة؟ الكفارة كما سيأتي معنا في الآية الكريمة: منها ما يكون على سبيل التخيير، ومنها ما يكون على سبيل الترتيب. فخير من لزمته الكفارة بين إطعام عشرة مساكين لكل مسكين نصف صاع من الطعام. ونصف صاع من الطعام: هل هو على سبيل الوجوب أو أن الواجب الإطعام؟ هذه مسألة ذكر العلماء رحمهم الله تعالى فيها خلافا. وهذا الخلاف مبناه على مسألة أخرى، وهي: هل العبرة في الكفارة الإعطاء والتمليك أم أن العبرة بالكفارة الإطعام؟ فذهب جماعة من العلماء رحمهم الله تعالى إلى أن المقصد من الكفارة تمليك المسكين، وذهب آخرون إلى أن المعتبر هو إطعام المسكين بغض النظر عن التمليك من عدمه. وتفرع عن هذه المسألة المسألة التي ذكرت، وهي: هل الواجب في كفارة اليمين وفي غيرها من الكفارات ككفارة الظهار، ككفارة الإفطار في رمضان، ككفارة القاتل، ونحوها من الكفارات التي جاءت الأدلة الشرعية بذكرها؟ هل العبرة بالكفارة التي هي إطعام المسكين؟ هل العبرة في ذلك أن يتملك المسكين ذلك الطعام أم أن العبرة بأن يطعم المسكين ذلك الطعام؟ بناء على الخلاف السابق وقع هذا الخلاف، فمن رأى أن العبرة بالتمليك قال: بأن من جمع مثلا عشرة مساكين فأطعمهم طعاما من أوسط ما يطعم أهله وأشبعهم، قالوا: هذا لا ينفع في الكفارة. لماذا؟ قالوا: لأن العبرة بالكفارة هو أن يخرج المال أو الصدقة، أن يخرج الصدقة ويملكها لذلك المسكين. فإطعام المساكين على الصورة المذكورة قالوا: لا يكون تملكا لهم، وإنما هو إطعام لهم، والمقصد من الكفارة هو التمليك. وذهب آخرون، وهو الصحيح، إلى أن الأمر أوسع من ذلك. بمعنى أن الإنسان في كفارة الأيمان وفي غيرها من الكفارات له أن يملك المساكين طعاما، سواء كان نصف صاع من أرز أو غيره من أوسط ما يطعم أهله، ثم هم يأخذون ذلك ويطبخونه في بيوتهم. أو أنه يصنع طعاما من أوسط ما يطعم أهله ويجمع عليه عشرة مساكين فيطعمهم. قالوا: أي ذلك فعل فقد أجزأه ذلك. وهذا هو الصحيح. فالكفارة في الإطعام تكون بالإطعام، سواء بأن يملك المسكين طعاما بحيث أن ذلك المسكين يأخذ الطعام ويصنع به طعاما. مثل أن يعطيه نصف صاع من الأرز، وهو يقدر في أيامنا هذا بنحو كيلو ونصف تقريبا، يعطى لكل مسكين مثلا كيلو ونصف من الأرز، ويقال له: اصنع بذلك طعاما، وبذلك يحصل المقصود. ومن جمعهم جمع عشرة مساكين فأطعمهم من أوسط ما يطعم أهله، سواء كانت وجبة غذاء أو عشاء أو إفطار، أطعمهم وكان ذلك الطعام كافيا لهم، فإنه يكون بذلك عمل المقصود، وبراءة ذمته بذلك. لأن الأمر لا يقتصر على مجرد التمليك أو مجرد الإطعام، بمعنى أنه إذا حصل الإطعام أو حصل التمليك فالأمر في ذلك واسع. فيخير من لزمته الكفارة بين إطعام عشرة مساكين لكل مسكين نصف صاع من الطعام. والصاع قدره العلماء في هذه الأيام بنحو ثلاثة كيلوهات، أي ثلاثة كيلو جرام، فنصف الصاع يكون كيلو ونصف. أو كسوة عشرة مساكين لكل واحد ثوب يجزئه في الصلاة. كذلك أن يكسو عشرة مساكين لكل واحد ثوب يجزئه في الصلاة، سواء كان هؤلاء المساكين ذكورا أو إناثا، يعطيهم من اللباس ما يجزئهم في الصلاة. وهذا ضابط ذكره العلماء رحمهم الله تعالى، وهو لعله من حيث المعنى من أقرب الضوابط. أو عتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب. أو عتق رقبة، والرقبة هو عبد أو أمة، ويشترط في الرقبة أن تكون رقبة مسلمة، وأن تكون هذه الرقبة كذلك سالمة من العيوب التي تعيقه في العمل أو من العمل، بأن لا يكون أعمى، وأن لا يكون مقطوع اليدين أو مقطوع الرجلين، أو أن يكون مجنونا مطبقا. قالوا: لأن مثل هذا لا يحصل المقصود في إعتاقه، لأن المقصد من إعتاق الرقيق هو أن يتحرر، أن يصير حرا، وأن يصير مالكا لنفسه، نافعا لنفسه. ومن كان ذلك حاله، أي أعمى أو مقطوع اليدين أو مقطوع الرجلين أو كان مجنونا، فإنه لا يحصل به المقصود لأنه لا يزال يحتاج إلى غيره في القيام عليه، فيكون ذلك سببا لضياعه. إذن هذه الثلاث على سبيل التخيير، إما أن يطعم عشرة مساكين من أوسط ما يطعم أهله، وإما أن يكسو عشرة مساكين، وإما أن يعتق رقبة، أي شيء فعل من ذلك فقد أجزأه ذلك. فإن لم يستطع على شيء من ذلك، لم يستطع على شيء من ذلك، أي من أمور الثلاثة، فإنه ينتقل إلى غيرها من كفارات. ما هي؟ قالوا: فمن لم يجد شيئا من هذه الثلاثة المذكورة صام ثلاثة أيام، لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾. فربنا تبارك وتعالى قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾، فلا ينتقل إلى الصيام إلا عند عدم وجود ما تقدم من الكفارات من إطعام، من كسوة، من عتق رقبة. فإذا لم يجد الإنسان شيئا من ذلك انتقل إلى صيام ثلاثة أيام. وهل يشترط في الصيام الثلاثة الأيام أن تكون متتابعة أم لا يشترط ذلك؟ خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى. والصحيح أنه لا يشترط، لأن الآية جاءت مطلقة، فتبقى على إطلاقها، وليس ثم دليل يقيدها، فالأصل بقاء المطلق على إطلاقه حتى يأتي دليل يقيده، ولا دليل هنا يقيده. فإذا يصوم ثلاثة أيام ولو كانت متفرقة، ولو كانت متفرقة، مثلا عليه كفارة أيمان، لو أن يصوم يوما ويفطر يوما، يصوم يوما يفطر يوما حتى يكمل الثلاثة الأيام. وإن صامها جميعا اليوم بعد اليوم كذلك أجزأه ذلك، فأي شيء فعل أجزأه ذلك. إلهنا سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.