كتاب الأيمان والنذور 5

الدرس في كتاب الأيمان والنذور 5، ألقاها

أقسام النذر وصحته

ينقسم النذر إلى صحيح وغير صحيح، ويعتمد ذلك على كونه طاعة وقربة يتقرب بها الناذر إلى الله تعالى. النذر الصحيح هو الذي ينعقد وتترتب عليه آثاره.

نذر الطاعة وآثاره

نذر الطاعة يزيد وجوب الطاعة على صاحبه، وإذا لم يف بالنذر يعتبر آثمًا ويجب عليه الكفارة. يناقش المقطع أحكام نذر الطاعة ووجوب الوفاء به.

أحكام النذر المختلفة

يناقش المقطع أقسام النذر من حيث نوع الطاعة المنذورة ومدى توافقها مع الشريعة، ويشرح أحكام النذر المعصية والنذر المطلق والنذر المقيد. كما يبين وجوب الوفاء بالنذر أو عدمه حسب الشروط والظروف.

حكم زكاة ونذر المجنون

ذهب الجمهور إلى وجوب زكاة المال على المجنون، كما يجب الوفاء بنذر المال إذا توفر الشرط بعد جنونه. بينما لا يجب الصيام عنه لأنه من الأحكام التكليفية التي تتطلب العقل.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، المسألة الثالثة من مسائل باب النذر. المسألة الثالثة أقسام النذر، أي أن العلماء رحمهم الله تعالى قسموا النذر إلى أقسام باعتبارات، كما سيأتي بيان ذلك بإذن الله جل وعلا. أولًا تقسيم النذر باعتبار صحة وعدمها، لذا عُبِّر عنه هنا بقولهم أولًا النذر الصحيح وغير الصحيح، بمعنى أن النذر ينقسم إلى نذر صحيح معتبر من حيث الانعقاد، ومن حيث ترتب الأحكام عليه من كفارة أو وفاء، ينقسم إلى قسمين: إلى صحيح وغير صحيح، أو جائز وممنوع، أو منعقد وغير منعقد. طيب إلى صحيح وغير صحيح، أي صحيح من حيث كونه صحيحًا معتبرًا شرعًا مستوفي الشروط، ومن حيث عدم كونه صحيحًا معتبرًا شرعًا، أو إلى جائز وممنوع، أي من حيث كذلك الجواز ومن حيث عدم الجواز، إلى جائز وممنوع، أو منعقد وغير منعقد، أي نذر ينعقد وتترتب عليه آثاره، ونذر لا ينعقد ولا تترتب عليه آثاره، فيكون النذر صحيحًا منعقدًا واجب الوفاء إذا كان طاعة وقربة يتقرب بها الناذر إلى الله تعالى. هذا يكون منعقدًا إذا كان طاعة وقربة، وهذا الأمر فيه واضح، بمعنى إذا نذر فعل طاعة، كأن يقول: "لله عليّ نذر أن أصوم ثلاثة أيام، أن أصلي كذا ركعة في أوقات مباحة أو مستحبة أو ما شابه ذلك"، فهذا نذر طاعة يتقرب بها الناذر إلى الله تعالى، هذا يكون صحيحًا. ويدخل فيه كذلك أي في النذر المنعقد إذا كان ذلك الفعل المنذور طاعة في أصل الشرع، أو كان مباحًا في أصل الشرع، طاعة في أصل الشرع مثل أن ينذر مثلًا أن يصوم لله جل وعلا، الصيام في أصل الشرع الصيام المطلق في الوقت المطلق الأصل أنه مستحب، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من صام يومًا في سبيل الله بعد الله وجهه عن النار سبعين خريفة»، فأصل الفعل مستحب طاعة، فلو أن العبد نذر أن يصوم يومًا لله رب العالمين جل وعلا أو يومين أو ثلاثة أيام أو أكثر من ذلك، فهذا نذر في طاعة، وسواء كانت هذه الطاعة طاعة في أصل الشرع، وكانت هذه الطاعة في أصل الشرع إما واجبة بأصل الشرع أو مستحبة. وإذا كانت واجبة شرعًا كصيام شهر رمضان مثلًا، لو أن إنسانًا قال: "لله علي نذر أن أصوم شهر رمضان"، فهذا نذر طاعة، وهذه الطاعة في أصل الشرع هي واجبة، ونذره يزيد الوجوب وجوبًا، فيكون الصوم في حق هذا الناذر واجبًا من جهتين: من جهة أصل الشرع، أي أن الشرع أمر بصيام شهر رمضان بالشروط المعروفة، ويكون واجبًا عليه بالنذر، فيكون وجوب الصوم عليه من جهتين، ويلزم على هذا أنه لو ترك مثلًا الصوم مع القدرة عليه يكون آثمًا أيضًا من جهتين: باعتبار أصل الشرع أنه ترك واجبًا في أصل الشرع، وترك واجبًا ألزم نفسه به أي من طريق النذر. وأيضًا تترتب عليه الكفارة، يجب عليه أن يكفر عن يمينه، فإذا كانت طاعة وقربة سواء كانت هذه الطاعة والقربة في أصل الشرع واجبة أو مستحبة، إذا كانت واجبة تكون واجبة من جهتين بأصل الشرع وبالنذر، وإذا كانت مستحبة كان يكون واجبة بالنذر. فمثل هذا يكون الصوم في حقه واجبًا، لكن هل هو واجب بأصل الشرع أم أنه واجب بالنذر؟ الجواب أنه واجب عليه بالنذر، إذا كان طاعة وقربة يدخل فيه ما كان في أصل الشرع طاعة سواء كانت هذه الطاعة واجبة أو مستحبة، ويدخل فيه كذلك ما كان في أصل الشرع مباحًا، لكن بالنذر الذي ألزم نفسه به وتعبد الله جل وعلا به يصير أو تصير عبادة. فإن لم يفي بها ترتبت عليه أحكام الكفارة، يعني مثال ذلك لو قال إنسان: "لله علي نذر أن أذهب إلى المسجد مشيًا على الأقدام"، وكان عنده ما يركبه، أصل المشي يعني السير إلى المسجد باعتبار الأصل سواء كان ماشيًا أو كان راكبًا، لكن لما نذر ذلك النذر الذي في أصله مباح تقرب لله جل وعلا صار طاعة يتقرب بها إلى الله جل وعلا. فالحاصل من هذا أن النذر الصحيح المنعقد الجائز يدخل فيه النذر الذي هو في أصل الشرع مباح، ويدخل فيه النذر المستحب الذي هو بأصل الشرع مستحب، ويدخل فيه ما كان بأصل الشرع واجبًا، فكل نذر أذن به الشرع وفعله العبد تقربًا لله جل وعلا فهو نذر صحيح منعقد تترتب عليه أحكامه وآثاره. وإذا كان معصية لله تعالى كالنذر للقبور والأولياء أو الأنبياء، أو نذر أن يقتل معصومًا، فهذا نذر معصية، ولا ينعقد، ويحرم الوفاء به، فالنذر المعصية كما ذكر إما أن يكون النذر أصلا لغير الله جل وعلا في طاعة، نذر في طاعة لكن لغير الله جل وعلا، كان يقول للولي الفلاني: "علي صوم ثلاثة أيام أو تصدق بكذا وكذا درهم"، الصيام وصدقه بغض النظر عن من قصد بها أصلها مباحة مستحبة، لكنه لما نذرها لغير الله جل وعلا كان هذا النذر نذر معصية. والقسم الثاني أن يقصد بذلك العمل التقرب إلى الله جل وعلا، ولكن هذا العمل ليس مأذونًا به شرعًا، كأن ينذر أن يقتل معصومًا، يقول: "لله علي نذر أن أقتل أخي المسلم فلان بن فلان" تقربًا لله جل وعلا، هذا نذر لله جل وعلا، لكن هل في عمل أذن به شرع؟ الجواب لا، بل حرمه الشرع، فهذا النذر لا ينعقد، ولا يجوز الوفاء به. ثم إن النذر باعتبار آخر من حيث الإطلاق والتقييد ينقسم إلى قسمين: إلى نذر مطلق وإلى نذر مقيد، النذر المطلق هو الذي يلتزمه الشخص ابتداء دون تعليقه على شرط، وقد يقع شكرًا لله على النعمة أو لغير سبب، كأن يؤتى شيئًا لا يتصوره ولا يتوقعه فلما يؤتى ذلك الخير فيقول: "لله علي نذر أن أفعل كذا وكذا"، مثل ما جاء في حديث كعب بن مالك في الصحيحين حينما نزلت عليه توبته عليه وعلى صاحبيه، قال: "الله علي أن أنخلص من جميع مالي"، فهذا نذر مطلق. ويجب عليه الوفاء به، طيب النذر المقيد وهو ما كان معلقًا على شرط وحصول شيء، كأن يقول: "إن شفى الله مريضي أو عاد غائبي فعلي كذا"، وهذا يلزم الوفاء به عند تحقق شرطه وحصول مطلوبه، ومعنى هذا أنه إذا لم يحصل مطلوبه أو شرطه فليس عليه شيء. مثل إنسان قال: "لئن شفى الله مريضي لأصوم ثلاثة أيام"، مات مريضه، فهل تجب عليه كفارة؟ الجواب لا، "لئن رد الله علي غائبي لأتصدقن بكذا وكذا من المال"، ما عاد غائبه، هل يجب عليه الصدق؟ الجواب لا، لأنه نذر معلق بشرط، طيب لكن تأتي عندنا هنا مسألة وهي لو أنه شفى مريضه أو عاد غائبه وهو مجنون، فهل يجب عليه الوفاء بالنذر أم لا؟ فالمجنون مثلًا تجب عليه الزكاة في مال أم لا؟ على الصحيح هو قول الجمهور أنه تجب عليه زكاة في ماله، لأن هذه من الأحكام الوضعية، فتجب عليه زكاة في ماله، كذلك هذا المجنون الذي جن وحصل الشرط بعد جنونه كذلك تجب عليه الوفاء بما نذره من ماله، لأنه ذكر سببًا لإخراج المال، وهذا الشرط أو هذا السبب علقه بشرط حصل الشرط وتوفر السبب. أما لو نذر أن يصوم، فهل يجب على وليه أن يصوم عنه؟ الجواب لا، لأن هذا بابه الأحكام التكليفية، لابد أن يكون مكلفًا عاقلًا بالغًا، أما الأول فبابه الأحكام الوضعية، لا ينظر فيها إلى المكلف. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على