كتاب الأيمان والنذور 6

الدرس في كتاب الأيمان والنذور 6، ألقاها

تقسيم النذر وأنواعه وأحكامه العامة

ينقسم النذر إلى عدة أنواع لكل منها حكم خاص، مثل النذر المطلق ونذر اللجاج والغضب. يلزمه كفارة يمين في بعض الحالات ويخير بين الفعل أو الكفارة في حالات أخرى.

الفروق الجوهرية بين النذر واليمين

النذر يتطلب أن يكون الشيء المَنذور مأذونًا به شرعًا، بينما اليمين يمكن أن ينعقد حتى في المعصية. الراجح أن النذر في الأمور المباحة ينعقد ويجب الوفاء به.

حكم نذر المعصية وآثاره

نذر المعصية لا يجوز الوفاء به ويجب تركه. لا يلزمه كفارة لأن النذر لم ينعقد أصلا، ويعتبر نذرًا باطلًا.

حكم النذر لصاحب القبر ومعالجة ماله

النذر لصاحب القبر سواء كان لله أو شركيًا محرم ولا يجوز الوفاء به. يجب التوبة منه إذا كان شركًا أكبر، ومال النذر يؤخذ ويصرف في مصالح المسلمين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، المسألة الرابعة من باب النذر: أنواع النذر وأحكامه، أي أن الفقهاء رحمهم الله تعالى ذكروا أنواعًا للنذر وذكروا أحكامًا لكل نوع من أنواع النذر. وبمعرفة هذه الأنواع يعرف حكم كل واحد من أنواع النذر. فالنذر ليس هو شيء واحد من حيث الوفاء، من حيث وجوب الوفاء من عدمه، ومن حيث كذلك وجوب الكفارة عند عدم الوفاء من عدمه، بل هو أنواع، ولكل نوع حكم يخصه كما سيأتي بيانه بإذن الله عز وجل. ينقسم النذر بحسب الأحكام المترتبة عليه ولزوم الوفاء به من عدمه إلى خمسة أنواع: النذر المطلق، نحو قوله: عليَّ نذر، ولم يسمِ شيئًا، فيلزمه كفارة يمين، سواء كان مطلقًا أو مقيدًا، لحديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين». وهذا الحديث بهذه الزيادة رواه الإمام الترمذي رحمه الله تعالى وغيره، وأصل الحديث في صحيح مسلم من غير زيادة «إذا لم يسم». إذا لم يسم، أي في صحيح مسلم لفظ الحديث: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كفارة النذر كفارة يمين». وأما الزيادة المذكورة فإنها زيادة ضعيفة، والراجح هو الحكم، وإن كانت الزيادة ضعيفة لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «كفارة النذر كفارة يمين». فيستفاد من هذا أنه إذا نذر الإنسان على شيء، سواء كان هذا النذر مطلقًا كما تقدم معنا أن يقول ابتداء: نذر علي، وما شابه ذلك دون أن يكون هناك شرط، هذا يسمى نذرًا مطلقًا. والنذر المقيد كما تقدم معنا أيضًا أن يقول: لله علي نذر إن شفى مريضي، أو لله علي نذر لئن رد الله غائبي أو غائبتي أو ضائعتي، هذا نذر يسمى نذرًا مقيدًا أو نذرًا معلقًا بشرط. فها هنا ينتقل إلى الكفارة، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: «كفارة النذر كفارة يمين». وكفارة اليمين كما تقدم معنا: ثلاثة أمور على سبيل التخيير، وأمر على سبيل الترتيب. على سبيل التخيير: إما أن يعتق رقبة، أو يطعم عشرة مساكين، أو يكسوهم، كما قال الله عز وجل: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾. كفارته هي كفارة اليمين، وتقدم معنا الكلام على كفارة اليمين. هذا النذر يسمى النذر المطلق، كما تقدم، كما أشير فيما تقدم. النذر المطلق صاحبه لا يسمي شيئًا، يقول: لله علي نذر، سواء كان ابتداء من غير تعليق أو أن يقول ماذا: لله علي نذر لئن رد الله غائبي، لله علي نذر لئن شفى الله مريضي، ولا يسمي شيئًا، ما يقول: لله علي مثلًا صوم، صدقة، صلاة، لكن يقول: لله علي نذر، هكذا يسمى نذرًا مطلقًا. الثاني من أنواع النذر: نذر اللجاج والغضب، واللجاج بمعنى النذر الذي سببه اللجاج، وسببه الغضب، فهو من باب إضافة الشيء إلى سببه. لأن المعنى: النذر الذي سببه اللجاج أو النذر الذي سببه الغضب. ومعنى اللجاج: الخصومة والتجادل والمماراة، وقد يكون مع ذلك شيء من الغضب، وقد يكون من غير غضب، لكن في معنى ماذا: المماراة والمحاككة بين اثنين فأكثر. قال: وهو تعليق نذره بشرط، يقصد به المانع من فعل شيء أو الحمل عليه أو التصديق أو التكذيب. إذن حقيقة نذر اللجاج أو الغضب كما قال علماء رحمهم الله تعالى: هو نذر هو تعليق نذره بشرط، يقصد به أحد أربعة أمور: أحد أربعة أمور، إما الحث على الفعل أو منع الفعل أو التصديق أو التكذيب. قالوا: كقوله: إن كلمتك أو إن لم أخبر بك أو إن لم يكن هذا الخبر صحيحًا أو إن كان كذبًا، فعلي الحج أو العتق. يعني صورته: صورة أوضح من هذا يقال: بشرط أن يصد به المانع. كأن يقول: يمنع نفسه أن يقول: لله علي نذر أني لن أدخل بيتك، أو يقول: إن دخلت بيتك فعلي نذر كذا وكذا، أن أفعل كذا وكذا. فهذا نذر على ماذا؟ نذر أن لا يفعل، أن يمتنع من فعل شيء، أو نذر على فعل شيء، كأن يقول: لئن لم أذهب إلى بيت فلان فعلي نذر كذا وكذا. فهذا فيه حث على ماذا؟ على الفعل، وأنه إن امتنع من الفعل عليه نذر كذا وكذا بفعل شيء أو بتركه أو بتصديق أو بتكذيب. بتصديق كان يقول كلامًا فيحصل مماراة، يقول: يا أخي تأكد من خبرك، فيقول: إن لم يكن خبري صدقًا، ينذر كذا وكذا. هذا أيضًا فيه معنى فيه معنى الحث على تصديق ماذا؟ خبره. والعكس كان يأتي خبر فيكذبه فتحصل مماراة، فيقول: والله أو يقول: لله علي نذر كذا وكذا إن كان هذا الخبر صدق. وهذا فيه معنى معنى التكذيب لذلك الخبر. وهذا يجري بألسنة الناس بكثرة، هذا يجري بألسنة أو في ألسنة الناس بكثرة هكذا. فالحاصل أن هذا النوع من النذر يسميه الفقهاء رحمهم الله تعالى نذر اللجاج والغضب، أي سببه جدال، خصومة، محاككة بين اثنين فصاعدًا، وقد يكون فيه كذلك معنى من معاني الغضب. قالوا: فهذا النذر خارج مخرج اليمين، أي خرج مخرج اليمين. لماذا؟ لأنه للحث على فعل شيء أو المنع منه. لأن معنى اليمين كما تقدم: معنى فيه معنى الحث على فعل شيء أو على تركه، والحث على تصديق خبر أو على تكذيبه. فكذلك نذر اللجاج، إلا أن نذر اللجاج يقول ماذا؟ لله علي نذر، أو يقول: نذر علي، واضح. جماعة لم يقول: والله في اليمين، يقول ماذا؟ والله. في النذر يقول ماذا؟ لله علي نذر، أو نذر علي لله، أو يطلقها فيقول: علي نذر. وسواء سمى المنذور أو لم يسم المنذور عليه، يعني سواء قال: لله علي نذر أن أصوم ثلاثة أيام، أو قال: لله علي نذر، ولم يسم شيئًا، ولم يسم شيئًا. هذا أيضًا ناذر. فالحاصل أن نذر اللجاج والغضب واليمين بابهما واحد، ومعناهما واحد. لذا قال علماء رحمهم الله تعالى: أن هذا النوع من النذر ينحى فيه منحى اليمين. وما هو منحى اليمين؟ كما مر معنا: منحى اليمين كما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا حلف أحدكم على شيء فرأى غيره خيرًا منه فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه». واضح. جماعة. عملًا. لذا قال: قالوا: فهذا يخير فيه بين فعل ما نذره أو كفارة يمين، بين فعل ما نذره أو كفارة يمين، لقوله صلى الله عليه وسلم: «كفارة النذر كفارة يمين». واضح. هذا. جماعة. عملًا. فهو مخير في هذا النوع من النذر، هو مخير بين الفعل وتركه. وها هنا يتوجه سؤال أو قل مسألة ذكرها الفقهاء رحمهم الله تعالى ونذكرها استطرادًا، نذكرها استطرادًا ها هنا، وهي: ما هو الفرق بين النذر والحلف؟ قد يقول: قال الآن رأينا أن كثيرًا من الأحكام يشترك فيها النذر مع الحلف مع الأيمان، فما الفرق بينهما؟ ولماذا خصت هذه الصورة وهذا النوع من النذر بأنه ينحى فيه منحى اليمين؟ هل لأن هذا أو هذا؟ فيه إشارة إلى أن هناك فرقًا إلى أن هناك فرقًا بين اليمين وبين النذر أم لا؟ الجواب: ذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى فروقًا بين النذر والأيمان، بين باب النذر والأيمان فروقًا كثيرة. منها: من هذه الفروق الذي ذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى: أن النذر لا ينعقد إلا إذا كان في شيء مأذون به شرعًا. أما إذا كان في شيء غير مأذون فيه شرعًا فإنه لا ينعقد هذا النذر، ولا تترتب عليه أحكامه، فلا يجب عليه، ولا يجوز له الوفاء، ولا تجب عليه الكفارة. يعني مثال ذلك ما مر معنا: أن إنسان نذر أن يعصي الله جل وعلا، أو نذر نذرًا شركيًا للولي علي كذا وكذا. هذا النذر لا ينعقد، وليس بصحيح، ولا تترتب عليه كفارة إذا لم يفعله. ولا يجب عليه أن يفعله، ولا تترتب عليه كفارة. بخلاف اليمين، اليمين إذا حلف مثلًا فقال: والله لأشربن الخمر مثلًا، أو لأفعلن معصية كذا وكذا مثلًا. في اليمين يقال له: لا يجوز لك الوفاء بذلك المقسم عليه، ويجب عليك كفارة يمين. يجب عليك كفارة يمين، أي تجب عليك كفارة لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه». فلا يجوز الوفاء باليمين، بل يجب الحنث فيها وتجب الكفارة. وتجب كذلك كما سمعتم الكفارة. هذا أمر. أمر ثاني: أن النذر إذا نذر الإنسان بشيء وكان هذا الشيء مستحبًا أو مباحًا، مستحبًا أو مباحًا، فإنه يجب عليه الوفاء، يجب عليه الوفاء. فإن لم يف به كان آثمًا، إن لم يف به كان آثمًا، لأنه يكون واجبًا عليه لا بأصل الشارع، ولكن بالنذر. وإن يعني بخلاف اليمين، بخلاف اليمين. اليمين إذا حلف إنسان على فعل مباح أو على تركه أو على فعل مستحب، فهو مخير بين الفعل وتركه. إن رأى أن في تركه خيرًا له. يعني مثال ذلك: أقسم إنسان يمينًا بالله جل وعلا مثلًا لا يصومن يومًا، وليفطرن يومًا، هذا مستحب أم لا؟ الصيام يوم الإفطار يوم مستحب بأصل الشارع، ويكون باليمين يكون ألزم نفسه وحث نفسه على ذلك. لكن رأى مثلًا أنه بصيامه ذلك ضيع على نفسه بعض الأمور التي لا بد له منها مثلًا من القيام بأمر النفقة على أبنائه مثلًا، كان سببًا ذلك في انقطاعه أو في ضعفه عن تحصيل العلم الواجب النافع وما شابه ذلك. فمثل هذا يقال له ماذا؟ يقال له: ائت الذي هو خير، وكفر عن يمينك. واضح. جماعة. هل يكون آثمًا؟ الجواب: لا يكون آثمًا. واضح. يا أخوة. أم لا؟ لا يكون آثمًا، بل يكفر عن يمينه، ولا يكون آثمًا. بخلاف الناذر، فإنه إن حنث النذر إذا لم يف به كان ماذا؟ كان آثمًا. فهذه بعض الفروق التي ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى إلى جانب فروق أخرى إلى جانب فروق أخرى ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى بين النذر وبين الأيمان. النوع الثالث من النذر: النذر المباح، وهو أن ينذر فعل الشيء المباح، نحو أن ينذر لبس ثوب أو ركوب دابة ونحو ذلك. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه لا شيء عليه فيه، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم، فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يستظل ولا يتكلم وأن يصوم. فقال: «مروه فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه». طيب هذا النوع من النذر، وهو النذر في الأمر المباح، هل ينعقد أم لا؟ أن ينذر أن يلبس ثوبًا أو أن يركب دابة أو ما شابه ذلك، هل ينعقد أم لا؟ هذا خلاف بين علماء. والراجح من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى: أنه ينعقد، لأنه داخل في معنى المأذون فيه شرعًا. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه». فينظر إلى هذا الشيء المنذور لماذا نذره؟ فإن كان لأجل الحث أو المنع كما هو في معنى الأيمان، ترتب عليه أحكامه، لكن من حيث الوفاء وعدمه. الظاهر والله أعلى وأعلم: أنه ينعقد، لأنه ليس بمعصية، لأنه ليس بمعصية. قد يقول قائل: وليس بطاعة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه». فلو قيل بأنه تعبد بهذا الفعل، يقال: هذا لا يجوز التعبد لله جل وعلا بمثل هذه الأفعال، لأنها ليست من العبادات. وإذا قيل بأنها هل تصعد إلى أو ترتقي إلى المعصية؟ الجواب: لا ترتقي إلى المعصية. لذا إذا اعتقد فيها هذا المعنى، وهذا الذي الظاهر ألمحه أو ألمح به شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. لأن في حديث أبي إسرائيل المذكور: في الرجل الذي نذر أن يقوم في الشمس ولا يستظل ولا يتكلم وأن يصوم إلى غير ذلك. ذكر الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أن ترك الكلام مطلقًا يدخل فيه ترك الكلام المستحب، بل والواجب، ومن الواجب: قراءة القرآن في الصلاة، تكبيرات الصلاة إلى غير ذلك، وهذه واجبة. فإذا كان نذره يتناول هذا، فيقوم من نذر الشطط والمعصية. هيا. جماعة. من نذر المعصية. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه». وأيضًا النذر بأن يبقى تحت الشمس فيه كذلك إضرار. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا ضرر ولا ضرار». وكذلك أن يصوم فلا يفطر، تعرفه قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال في الصوم، وقال في حديث عبد الله بن عمر بن العاص حينما كان يقول له: أطيق أكثر من هذا، أطيق أكثر من هذا. قاله: تصوم يومًا وتفطر يومًا. فقال: أطيق أكثر من هذا. قال: «لا أفضل من هذا، لا أفضل من هذا». فمن رأى أنه بذلك يفعل فعلًا أفضل مما حث عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فهو بهذا المعنى ماذا؟ يكون افتتح على نفسه بابًا من أبواب البدع، من أبواب البدع. فلعل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى لفت أو التفت إلى هذا المعنى، فقال: بما تقدم. لكن على الأغلب المذكورة: لو أن إنسان نذر أن يلبس ثوبًا، لله علي أن ألبس هذا الثوب، لله علي يعني يقول: لله علي نذر، لا أركبن هذه الدابة، أو ما شابه ذلك. فيقال له: أوفي بنذرك. وما دام أنه في أمر ماذا؟ مباح. جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن امرأة قالت: يا رسول الله إني نذرت إن ردك الله سالمًا لأضربن الدفة على رأسك. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «أوفي بنذرك». وهذا إيش؟ هذا من المباح أو غير مباح؟ هذا من المباح. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أوفي بنذرك». إذن يقال: إذا كان النذر أخرجه الإنسان على سبيل الحث على فعل شيء أو تركه، يقال له: أن هذا النوع من النذر ينحى فيه منحى اليمين. فهذا يخير فيه بين فعل ما نذره أو كفارة يمين، لقوله صلى الله عليه وسلم: «كفارة النذر كفارة يمين». واضح. هذا. جماعة. عملًا. فهو مخير في هذا النوع من النذر، هو مخير بين الفعل وتركه. لم يكن على سبيل التعبد بفعل ذلك الفعل أو بتركه، يقال له: أوفي بنذرك، كما جاء في الحديث: «أوفي بنذرك». في تلك المرأة التي نذرت أن تضرب الدفة أو بالدفة على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإن كان خرج ما خرج التعبد بفعل ما لم يأذن الشرع بفعله أو بترك ما لم يأذن الشرع بتركه، فمثل هذا يكون من نذر المعصية، وليس من النذر المباح، لأن الأعمال بالنيات، كما جاء النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنما الأعمال بالنيات». والله تعالى أعلى وأعلم. إذن يقال: إذا كان النذر على بابه، وهو في المباح، وبنية الفعل المباح، أنه جائز وينعقد. وأما إذا فعلهم تقربًا، تعبدًا لله جل وعلا بما لم يأذن به الله جل وعلا، فهذا يدخل في نذر المعصية. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها: «ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه». والله تعالى أعلى وأعلم. الأمر الرابع: نذر المعصية، وهو أن ينذر فعل معصية، كندر شرب الخمر، كندر شرب خمر، والنذر للقبور أو لأهل القبور من الأموات، وصوم أيام الحيض، وصوم أيام الحيض. يعني كما تقدم: هذا يسمى نذر المعصية. نذرت: لله علي نذر لأشربن الخمر، والعياذ بالله. هذا لا يجوز، أو لله علي نذر لا أوقد القبور الفلانية. وأشد من ذلك أن يقول: لله للسيد للولي الفلاني علي نذر، أو لرسول الله علي نذر أن أذبح له كذا وكذا، أو أن أتصدق له بكذا وكذا، أو أن أصوم له بكذا وكذا. هذا الشرك شرك أكبر، والعياذ بالله. أو صوم أيام الحيض، أما امرأة جاهلة تتعبد الله جل وعلا بما حرمه الله جل وعلا عليها، فتقول مثلًا: لله علي نذر لأصومن يوم حيضي. ما حكم هذا النذر؟ هذا نذر معصية، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يعني كما جاء في الحديث: أليس المرأة إذا حاضت لم تصلي ولم تصم؟ كما جاء في حديث أبي سعيد في الصحيحين، وجاء كذلك بمعنى من حديث عائشة كذلك في الصحيحين. يعني في حديث عائشة: كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة. قال: فهذا النذر لا ينعقد، ولا يجب الوفاء به أيضًا. نقول: التعبير الصواب أن يقال ماذا؟ ولا يجوز الوفاء به. واضح. يا أخوة. فيقال: فهذا النذر لا ينعقد، ولا يجوز الوفاء به. لا يقال: ولا يجب، بل لا يجوز، لحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نذر أن يعصي الله فلا يعصه». لأن معصية الله لا تباح في حال من الأحوال، ولا يلزمه به كفارة. لماذا؟ لأنه لأن النذر لم ينعقد. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». أي مردود. الأمر الخامس: نذر التبرر، التبرر أي الطاعة. قال: وهو نذر الطاعة، كنذر فعل الصلاة والصيام والحج، سواء كان مطلقًا أم معلقًا على حصول شيء. مطلقًا كان يقول: لله علي نذر أن أصوم كذا وكذا، وما شابه ذلك. أو مقيدًا يقول: إن رد الله علي غائبي لأصوم كذا وكذا. قالوا: فيجب الوفاء به إن كان مطلقًا، وعند حصول الشرط إن كان معلقًا، لحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه». قد يقول قائل: ما الفرق بين هذا النذر الذي هو نذر التبرر والطاعة والنذر والنذر المطلق؟ الجواب: أن النذر المطلق كما أشير فيما تقدم: أن صاحبه لا يسمي شيئًا. النذر المطلق صاحبه لا يسمي شيئًا، يقول: لله علي نذر، سواء كان ابتداء من غير تعليق أو أن يقول ماذا: لله علي نذر لئن رد الله غائبي، لله علي نذر لئن شفى الله مريضي، ولا يسمي ما هو ذلك النذر، ما يقول: لله علي مثلًا صوم، صدقة، صلاة، لكن يقول: لله علي نذر، هكذا يسمى نذرًا مطلقًا. وإذا قيده بعبادة، إذا قيده بعبادة، فهذا يسمى نذر التبرر. وإذا كان في أمر مباح، فهذا يسمى النذر المباح. وإذا كان في معصية، سمي نذر معصية. وإذا كان عند خصومة وغضب ومجادلة، فهذا يسمى نذر اللجاج. المسألة الخامسة: صور من النذر الذي لا يجوز الوفاء به، لا يجوز الوفاء به. إن النذر الذي لا يجوز الوفاء به هو نذر المعصية، وهو يتحقق في صور منها: أولًا: نذر شرب الخمر أو صوم أيام الحيض، لحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه». وهذا تقدم. الصورة الثانية: النذر الذي يقع للأموات، كأن يقول: يا سيدي فلان إن رد غائبي أو عوفي مريض أو قضيت حاجة، فلك من النقد أو الطعام أو الشمع أو الزيت كذا وكذا. فهذا باطل، وهو الشرك الأكبر، والعياذ بالله، لأنه نذر للمخلوق، وهو لا يجوز، لأن النذر عبادة، وهي لا تكون إلا لله. وهذا كذلك تقدم، لأن النذر المقصد به أو المقصد به التعبد والتقرب، فإذا كان لله جل وعلا كان عبادة، وإذا صرف لغير الله جل وعلا كان شركًا أكبر، والعياذ بالله. الصورة الثالثة: إذا نذر أن يسرج قبرًا أو شجرة، لم يجوز الوفاء به. يعني يقول: لله علي نذر. ما الفرق بين الصورة الثانية والثالثة؟ الصورة الثانية: أن يقول: للسيد علي نذر، للولي علي نذر. الصورة الثالثة: يقول: لله علي نذر، لكن في ماذا؟ في معصية، أن يسرج قبرًا أو شجرة. لم يجوز الوفاء به، ويصرف قيمة ذلك للمصالح، لأنه معصية، ولا نذر في معصية، للحديث المتقدم. معنى هذا: ويصرف قيمة ذلك للمصالح، أي إن وجد. يعني لو وجدنا في قبر أموالًا، ما هذه الأموال؟ قالوا: هذه نذور لصاحب هذا القبر، سواء كان من الصورة الثانية أو من الصورة الثالثة: نذر لله لصاحب هذا القبر لأجر أن يسرج، لأجر أن يوضع عليه الزيت أو إلى غير ذلك من الأشياء التي لا تجوز، أو أن يكون النذر نذرًا شركيًا، نذرًا شركيًا. وقد هذا المال، فماذا يصنع به؟ يؤخذ هذا المال، ويوضع في مصالح الناس العامة. لكن إذا جاءنا إنسان لم يف بالنذر بعد، فجاء يسأل: أنا نذرت، فقلت للولي الفلاني عليه كذا وكذا، أو قلت لله جل وعلا علي كذا وكذا لأفعلن شمعًا للولي الفلاني كذا وكذا. فما حكم نذري؟ نقوله: النذر الذي نذرته أولًا محرم، ثانيًا لا ينعقد، ثالثًا لا يجوز الوفاء به، رابعًا إن كان من نوع الثاني يجب عليك أن تتوب إلى الله جل وعلا، فإنه شرك أكبر، ويجب عليك أن تتوب من النذر، سواء كان نذر معصية أو كان نذر شرك، والعياذ بالله. فمن حيث الابتداء لا يجوز له الوفاء، لكن كما سمعتم: إن وجد أخذ وصرف في مصالح المسلمين. والدليل على صرفه في مصالح المسلمين: ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما فتح مكة قال: «لو لأن قومك حديثي لو لأن قومك حديث عهد بجاهلية». وفي رواية: «بكفر». وفي رواية: «بإسلام لا أنفقت كنز الكعبة في سبيل الله». أو كما قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. هذا بعد ماذا؟ بعد الوجود، أي وجد الكنز، سينفق في سبيل الله جل وعلا. أما قبل أن يفي بالنذر، قلنا: لا يجوز. يدل على هذا ما جاء في الحديث الصحيح: أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني نذرت أن أذبح إبلًا ببووانه. فقال: «هل فيها عيد من أعيادهم؟ هل فيها وثن؟» قال: لا. لا. فقال: «أوفي بنذرك». قال علماء رحمهم الله تعالى: فيه أنه إذا كان فيه شيء من هذين الأمرين لم يجد له الوفاء بنذره، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما أمره بالوفاء إلا بعد أن سأله عما سأله عنه. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على