شرح مسائل الجاهلية  45

شرح مسائل الجاهلية 45

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 45، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية البرهان في إثبات الدعاوى

يشرح أهمية وزن الدعاوى بالبرهان والدليل، حيث أن العبرة ليست بالدعاوى بل بالحجة والبرهان. يستدل بالآية الكريمة ﴿هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ في إثبات الحق.

شروط إثبات الحق والنجاة

يؤكد على أهمية وجود دليل واضح وبرهان قاطع لإثبات الحق، ويشرح شروط قبول العمل الصالح وهي الإخلاص لله والاتباع لشريعة الرسول. كما يبين أن الدعاوى وحدها لا تكفي للنجاة.

خاتمة الدرس والدعاء

يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل ويجعل السامعين من المتبعين لأحسن القول، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يشدد على أهمية اتباع أحسن القول والعمل الصالح.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلِّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الرابعة والثلاثون، أن كل فرقة تدعي أنها الناجية، فأكذبهم الله بقوله: ﴿هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾، ثم بيَّن الصواب بقوله: ﴿بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن﴾. في هذه الفقرة، إخواني في الله، بيانٌ من المؤلف رحمه الله تعالى لمسألةٍ عظيمة، وهي مسألة الدعاوى، وكيف توزن الدعاوى التي يدعيها الناس في أزمانهم، وخاصة ما يتعلق بأديانهم. قال رحمه الله تعالى: أن كل فرقة تدعي أنها الناجية. وتأمل في قول المؤلف رحمه الله تعالى، وتعبيره بكلمة "كل"، أن كل فرقة، وكل من صيغ العموم، بل هي من أصرح وأوضح صيغ العموم، أي أنه ما من فرقة وهرت ونشأت في هذه المعمورة إلا وهي تدعي بأنها الناجية، سواء كانت يعتريها الجهل أو يعتريها الظلم. فكل فرقة تدعي لنفسها وتحتج بأنها على الجادة، بل ولو كان أهلها هم من أعلم الناس بأنهم على ضلالة، مثل فرعون، فرعون ومن ذا الذي يخفى عليه أمر فرعون الذي استكبر عن دين ربه جل وعلا، ويعلم في قرارة نفسه أنه من أبطل المبطلين، ومع ذلك يدعي أنه على الحق، ﴿وما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد﴾. فرعون يهدي إلى سبيل الرشاد، وهل هذا ممكن؟ وهل هذا يتوقع؟ لكنه دعوى يدعيها. فإذا كان فرعون، وهو فرعون الطاغوث الأكبر في هذه الدنيا، يدعي أنه يهدي الناس إلى سبيل الرشاد، فما ظنك بغيره؟ فتجد أن اليهود، وتجد أن النصارى، وتجد أن المجوس والبوذية، وغيرها من الفرق والنحل، وكما قال مؤلفنا رحمه الله تعالى: أن كل فرقة، كل فرقة، سواء كانت في ملة الكافرة أو ما كانت تتبع لهذه الملة المحمدية والملة الحنيفية، فكذلك تدعي وتزعم لنفسها بأنها على الحق. واليهود والنصارى لهم الحظ الأوفر من هذه الدعاوى، سواء أنهم من أهل النجاة في الدنيا أو أنهم من أهل النجاة في الآخرة، فهم يدعون بأنهم ممن قد سلمهم الله من الضلالة في الدنيا، وقالوا: ﴿كونوا هودا أو نصارى تهتدوا﴾، فظنوا وزعموا واعتقدوا أن من كان على اليهودية، ومن كان على النصرانية، فإن النجاة تكتب له في الدنيا بأن يكون من أهل الهداية. وقالوا: ﴿لن يدخل الجنة إلا من كان هوديا أو نصرانيا﴾، لن يدخل الجنة أحد من هؤلاء، فهم دعوا أن نجا لأنفسهم في الدنيا بالسلامة من الضلالة، ودعوا كذلك أن نجا لأنفسهم في الآخرة. فقال مؤلف رحمه الله تعالى: أن كل فرقة تدعي أنها الناجية، أي نجت في الدنيا والآخرة. قال: فأكذبهم الله بقوله: ﴿هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾، أكذب ربنا جل وعلا مدعي هؤلاء. وفي ذلك فائدة عظيمة، يا عبد الله، أن العبرة ليست بالدعاوى، العبرة ليست بالدعاوى، ليس كل من تشدق بفكيه وتشدق بكلمات تنطق به لسانه بأنه على الحق، أنك تفرح به أو أنك تتشبث به. وللأسف أن تجد أن بعض الناس لربما من يكون على طريق الهداية، ومن يلتمس طرق الهداية، إذ به يسأل هنا ويسأل هنا، مع هذه الفتن الحاصلة والفتن الموجودة، ومع وجود كثرة الرايات يمنة ويسرة، تجد أن بعض الناس يتخبط. لماذا يتخبط؟ يقول: الكل يدعي أنه على الحق. يقول: وماذا تعتقد؟ وماذا تظن يا عبد الله؟ هل تظن أنك ستأتي إلى أحد ويقول لك: أنا على ضلالة، إياك أن تتبعني. أو أحد يصرح بأنه دعاء على شفير جهنم، ولا تدخل في رايتي. من سيقول لك بهذا؟ لا شك ولا ريب أن كل راية تلوح لك في الأفق، كل من فيها ومن تحتها يدعوك إليها ويقول: أنا على الحق. سواء كان من أهل الضلال، معتزلي، أشعري، ما تريدي من الكرامية، من المكارمة، بل حتى الفرق الباطنية كالإسماعيلية والقديانية والبهائية، وقس من هذه الفرق الضالة، ما من أحد إلا هو يلوح برايته ويقول: أنا على الحق. فهذا الذي ينبغي أن يفهم أنك يا عبد الله، يا من تريد أن تلتمس طريق الهداية، لا أظن أنك ستجد أن الأبواب مفتوحة، وأن من كان على الضلالة سيعترف بضلالته، بل تجد الكل يدعي بأنه على الحق. إذن فليكن في بالك أن العبرة ليس بالدعاوى، العبرة كما قال ربنا جل وعلا حين أكذب هؤلاء بقوله جل وعلا: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾، المطالبة بالبرهان. وما هو البرهان؟ قال علماء: البرهان هو الدليل الدليل الذي يكون عنده اليقين، هذا هو البرهان، الدليل الذي يكون عنده اليقين، لابد الذي يرفع راية الحق ويدعي أنه على الحق لابد أن يأتي بأدلة. وقال علماء هنا: البرهان بمعنى العام، بمعنى الحجة، ﴿قل هاتوا برهانكم﴾ أي حجتكم. فما هي الحجة؟ لا وقت تكون الحجة واضحة، الحجة واضحة، وخاصة أنت الذي تدعو إليه، ما هو الذي تدعو إليه؟ تدعي الحق، بمعنى أنك أن ناجي في الدنيا، أن ناجي في الآخرة. معنى ذلك أن أحكاما كثيرة ستنطبق على هذه المسألة، أنك على الحق، يا عبد الله، بأن سيوالونك على هذا الحق، سيوالونك على هذا الطريق، الاتباع، الخضوع، الخنوع لهذا السبيل الذي أنت عليه، البراءة، المعاداة لمن عاداك. إذن هذه المسألة التي أنت تجدع إليها، مسألة أنك من الفرق الناجية، وأنك من الطائف المنصورة، وأنك على الحق المبين، لابد أن يكون لذلك دلائل، وليس أي دليل ينفع، بل قال علماء: لابد من برهان، والبرهان هو الدليل الذي عنده اليقين، لا يبقى فيه شك ولا ريب. لا أن تأتي فرق من الفرق فيما تأتي ببعض الأدلة تحسبه أدلة، وفيها الغموض، وفيها الخفاء، وفيها اللبس، وليس فيها تلك الحقيقة الظاهرة. ولهذا قطع ربنا جل وعلا هذه الدعاوى بأنه سبحانه وتعالى طالب من أمثال هؤلاء، من كان من اليهود أو النصارى، ومن كان على شاكلتهم ممن يدعي أنه على الحق، كائنا من كان، أن يأتي ببرهان، يأتي ببرهان، وهي الدليل الواضح الناصح الذي لا شك فيه ولا غموض، يثبت أنك على الحق. ويقول العلماء كذلك في هذه الآية: أدبٌ عظيم في خطاب ربنا جل وعلا لعباده، أن الله جل وعلا طالبهم: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾. وبه تعرف يا عبد الله، أنه يتعين عليك، يا عبد الله، في دخولك ومجادلتك مع أهل الباطل، أنك تعرف ما عندهم، أنك تعرف ما عندهم، حيث إذا أدلوا بشيء من الشبه، أنك تكون على دراية واطلاع بها، فترد عليها. ثم قال مؤلف رحمه الله تعالى: ثم بيَّن الصواب بقوله: ﴿بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن﴾، أردَّ ربنا جل وعلا على أهل الدعاوى، وأن ما يدعونه بقولهم بأنهم على الحق، وقالوا: ﴿لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى﴾، تلك أمانيهم، هذا أماني. ولو تُرِك الأمر للأماني، فحدِّث ولا حرج عن أماني الناس. انظر اليهود، من هم اليهود؟ القتلة الفجرة الذين قد تمردوا على كل شريعة جاءت إليهم، وتعدَّوا على كل نبي أرسل إليهم، ومع ذلك عندهم الأماني، ما أوصلهم إلى أعظم منازل الآخرة. حكموا على أنفسهم بأنهم من أهل الجنة، وأنهم من أهل الهداية، بل وليس هذا فحسب، بل منُّوا أنفسهم بأن جعلوا إلى أعلى مراتب الجنة، وأعلى مراتب القرب إلى الله، وقالوا: ﴿نحن أبناء الله وأحباؤه﴾، لا، هناك أحباب إلى الله إلا نحن، تخيِّل هذه الأماني. حتى قال من قال من سلفنا، كعكرمة وجماعة: أماني تمنَّوها على الله بغير حق، أماني تمنَّوها على الله بغير حق. فالأمر يا عبد الله ليس بالأماني، وإنما مُطالب بالدليل. ثم أخبر ربنا جل وعلا الدلائل الذي تدل على أن تحكم على فرقة وعلى جماعة بأن على الحق، وأن على الصراط المستقيم، هي قول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن﴾، من توفَّرت فيه هذه الشروط، فهذا الذي قد نجَى، نجَى في الدنيا من الغواية، من الانحراف، من الضلالة، ونجَى في الآخرة من عذاب الله، ومن سخطه. قال جل وعلا: ﴿بلى من أسلم وجهه﴾، أسلم بمعنى استسلم، بمعنى انقاد، بمعنى خضع، أسلم وجهه. وقال علماء: والوجه هنا بمعنى القصد والنية والإرادة، القصد والنية والإرادة، ﴿بلى من أسلم وجهه﴾ أي استسلم بنيته وقصده وإرادته إلى الله، أي لله سبحانه وتعالى. ويقول علماء هنا: فائدة، لماذا ربنا جل وعلا عبر عن النية والقصد والإرادة بلفظ الوجه؟ قال هنا: ﴿بلى من أسلم وجهه لله﴾، الوجه بمعنى القصد والإرادة والنية، لماذا عبر ربنا جل وعلا عن هذه المعطيات وهذه المعاني بالوجه؟ قال العلماء: في ذلك عدة أقوال، من ذلكم أن الوجه هو أشرف ما يكون للإنسان، فلشرف القصد والنية والإرادة، ولشرف مطالبها لله جل وعلا، عبر عنها بأنفس وأجمل وأعلى ما في الإنسان، وهو وجهه. وقيل: عبر بهذه المعاني عن الوجه، قال علماء: لأن فيها الحواس الظاهرة. وقال علماء: ومنه من قال ذلك بأن هذه المعاني، النية والقصد والإرادة، عبر عنها بالوجه، لأن هذا مأخوذ من لغة العرب: أين وجه فلان؟ بمعنى أين قصده؟ فالوجه تأتي بمعنى كذلك القصد. وهنا كذلك فائدة تنبعث وتتفرع من هذه المسألة، وهو من فوائد التعبير النية والإرادة، أن عبر عنها بالوجه، وهو أن الوجه يكون ينتصب لله، ينتصب لله، فالقصد والنية والإرادة تكون لله، كحال الوجه إذا انتصب لله. ومعنى انتصاب واستسلام الوجه لله، لا يكون معه بعد ذلك التفات، لا يكون معه بعد ذلك التفات. وهذه فيه لفتة عظيمة، لأن النية والإرادة إذا وجهت لله، فلا ينبغي أن تلتفت إلى غير الله، فلا تكون النية والإرادة والقصد يتوجه تارة إلى الله وتارة إلى غير الله، لدنيا، لمصالح شخصية، رياء وسمعة، غرض من الأغراض الشخصية، هذا كل يخالف ما ينبغي عليه أن تكون النية والإرادة، النية والإرادة ينبغي أن تكون لله سبحانه وتعالى. قال سبحانه وتعالى: ﺴﻢ ﻭﺟﻬﻪ ﻟﻠﻪ ﻭﻫﻮ ﻣﺤﺴﻦ﴾، وهو محسن، قال علماء: أي محسن في عمله، والإحسان بمعنى الإتقان، والإحسان بمعنى الإتقان، أي وهو متقن لعمله، متقن لعمله. وهنا، يا إخواني في الله، في هذه الآية كذلك عدة فوائد تفيدنا في هذا الباب، من ذلكم أن نعلم ما هي الدلائل الدالة على أن فلانا من الناس، أو فرقة معينة، أنها على الصواب وعلى الهداية والرشاد، وأنها على الحق والصواب، أنها من كان فيها هذان الشرطان. الشرط الأول: أن نيتها وإرادتها والمقاصد التي فيها هي لله جل وعلا. والأمر الثاني: أنها تتبع الشريعة، عندها إحسان في عملها، اتباع لهذه الشريعة. فمن كان عنده عمل الظاهر وعمل الباطن، فهذا هو الذي ينجيه ربنا جل وعلا في الدنيا والآخرة. ومن هنا استفاد العلماء من أن شروط قبول العمل الصالح يتفرع من هذين الأمرين، ففي قوله تعالى: ﴿بلى من أسلم وجهه لله﴾، وهو إسلام القصد والنية والإرادة، يخرج لنا شرط الإخلاص. وفي قوله تعالى: ﴿وهو محسن﴾، في شرط الاتباع، لأن العمل لا يكون متقنا إلا باتباع شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام. ففي هذه الآية يستدل بها العلماء على أن من شروط قبول العمل الصالح أن يكون فيه ماذا؟ إخلاصٌ ومتابعة. بل من أسلم وجهه لله وهو محسن، فله أجره عند ربه. وكذلك يا عبد الله، في هذه الآية فائدة عظيمة، وهو أن الدعاوى لابد أن تقرن بعمل. فإذا رأيت بأن فرقة من الفرق تلوح بأنها الناجية، وأنها من الفرق الحق، عليك أن تنظر يا عبد الله إلى إخلاصها لله، وأن تنظر كذلك في اتباعها لرسول الله عليه الصلاة والسلام. وبهذا نخلص، إخوانا في الله، على أن من كان من أهل البدع، فليس له حظ من النجاة، أهل البدع ليس لهم حظ من النجاة. لأن ربنا جل وعلا عندما رد على اليهود والنصارى الذين دعوا بأنهم قد نجوا من عذاب الله، وقالوا: ﴿لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى﴾، رد عليهم ربنا جل وعلا، وبين من هم أهل النجاة حقا، فأخبر سبحانه وتعالى أن من كان مستسلما لله في إرادته ونيته وقصده، ومن كان متبعا للشريعة، محسنا مع رسول الله، وذلك بالاتباع والانقياد، فهذا الذي يخلص له النجاة. فعلم بهذا أن أهل البدع ليس لهم حظ في النجاة بالآخرة، ولا حتى في الدنيا، لعدم توفر الشرط الثاني. وأيضا يا عبد الله، في هذه الآية دلالة عظيمة على أن من عامل الله في دين الله جل وعلا بالأماني، فليعلم أنه كحال اليهود والنصارى، من تمنى على الله الأمان، من تمنى على الله الأمان، يرى ويظن أنه في نفسه أنه مقبول عند رب العالمين، وأنه مغفور قد غفر له، وأن الله قد تغمده برحمته، وأن له الدرجات العليا. وأنه يمن على الله بالأمان بغير عمل، بغير عمل، فقد شابه اليهود والنصارى، اليهود الذين قد فعلوا تلكم الجرائم، ومع ذلك الدعوى تلكم الدعوى مردودة عليهم. وهكذا قل يا عبد الله في كل فرقة، وفي كل شخص، كائنا من كان، ومن بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه. ولو كنت يا عبد الله على نسب رفيع، بل ولو كنت من آل البيت، ولو كنت من آل البيت، من أشرف البيوت، من بيوت أهل الإسلام، وأنت يا عبد الله مقصر في عملك، فإن هذا التقصير سيؤثر كذلك في أمرك ومآلك إلى الله. فليس دعوى آل البيت، أو أنك من السادة، تنجيك عند الله، فلا تتمنى على الله الأمان، وإنما عليك يا عبد الله بالإسلام، وهكذا بالاتباع. وفي ذلك فائدة على أنك يا عبد الله، إذا كنت ممن ترمي أنك بالدعائك المحبة لله تنجيك عند الله، فهذا ليس بناجيك، كما يقول العلماء: ليس الشأن كل الشأن أن تحب، ولكن الشأن كل الشأن أن تحب. ليس الشأن يا عبد الله أنك تدعي محبة الرب، أو أنك تدعي محبة الدين، وأنك معظم لشعائر الله، دعاوى، لكن يا عبد الله عليك أن تتبع بهذه الدعاوى العمل. ولهذا قال ربنا جل وعلا بعدما ذكر الانقياد والإخلاص، وكذلك القصد وإفراده لله: ﴿بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن﴾، لابد أنك تقارن هذه النية وهذه الإرادة، كحال من يدعي أنه معظم لله، معظم لشرع الله، ولكن لا عمل، لا اتباع، لا انقياد، لا امتثال، لا خضوع لشرع الله جل وعلا. فالذي يعلم أنه على شفا جهنم، فهذه، إخوانا في الله، ما يذكر في هذه الفقرة. وأن قول المؤلف رحمه الله تعالى: أن كل فرقة تدعي أنها ناجية، هو حقيقة في الواقع، هذا الذي واقع في حال الناس. وأن العبرة يا عبد الله ليس بالدعاوى، وإنما العبرة يا عبد الله بالعمل، بالامتثال، وأنك تتمثل بما تمليه عليك شريعته، فشريعة الإسلام تملي على العباد بتوفر الشرطين اثنين، وهما الإخلاص والاتباع، حتى يكون العبد مرضيا عند الله سبحانه وتعالى. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ولأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.